ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا فقال عز من قائل : { فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين }
البحث الأول : العتو عبارة عن الإباء والعصيان ، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا ، لأنهم أبوا عما نهوا عنه ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار ، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ، ثم حذف المضاف ، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكابا للمنهي .
البحث الثاني : من الناس من قال : إن قوله : { قلنا لهم كونوا قردة } ليس من المقال ، بل المراد منه : أنه تعالى فعل ذلك . قال : وفيه دلالة على أن قوله : { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } هو بمعنى الفعل لا الكلام . وقال الزجاج : أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ .
واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد ، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادرا عليه ، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة .
البحث الثالث : قال ابن عباس : أصبح القوم وهم قردة صاغرون ، فمكثوا كذلك ثلاثا فرآهم الناس ثم هلكوا . ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن شباب القوم صاروا قردة ، والشيوخ خنازير ، وهذا القول على خلاف الظاهر . واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة ؟ وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا ، وانقطع نسلهم ، ولا دلالة في الآية عليه ، والكلام في المسخ وما فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة ، والله أعلم .
{ 166 - فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ } .
أي : فلما تمردوا على أوامره واستمرت مخالفتهم لله ، ومفارقتهم لما نهو عنه ؛ غضب الله عليهم ومسخهم قردة ذليلة صاغرة .
وجمهور المفسرين : أن المسخ هنا حقيقي لما خالفتهم الأوامر وتماديهم في العصيان ، لا لمجرد اصطياد الحيتان ، وهل هذه القردة من نسلهم ، أو هلكوا وأنقطع نسلهم ؟ لا دلالة في الآية عليه .
وذكرت روايات في التفسير : أنهم مسخوا قردة ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام .
ومن العلماء من يرى أن ذلك من باب التمثيل ، فكأن الله تعالى قال لهم : كونوا مثل القردة في عدم الفهم والإدراك وسوء تقدير العواقب .
1 – أفادت الآية أن الله تعالى نجى الواعظين الذين نهوا عن السوء ، وأهلك المعتدين .
وسكتت الآية عن الفرقة الثالثة الذين لاموا الواعظين ، ومن المفسرين من ذهب إلى أنهم هلكوا مع الهالكين .
والراجح أنهم نجوا مع الناجين .
فالمعتدون : استحقوا العذاب الشديد والمسخ .
وأصحاب الموقف السلبي ، كان موقفهم أقل منزلة ممن جهر بالنصيحة فسكت عنهم القرآن ؛ لأنهم لا يستحقون مدحا ، ولا يستحقون قدحا ، فقد أنكروا بقلوبهم واعتزولوا قومهم ، فسكت عنهم القرآن الراجح نجاتهم .
2 – الإخبار بالقصة علامة لصدق النبي صلى الله عليه وسلم إذ أطلعه الله تعالى على تلك الأمور من غير تعلم منه .
3 – إبطال الحيل الممنوعة المؤدية لتعطيل شرع الله ، وهدم مبادئه ، وتجاوز أحكامه ، ومخالفة أوامره .
4 – قال مجاهد : أصبحوا كالقردة في سوء الطباع والطيش والشر ، والإفساد بسبب جنايتهم ، وقال جمهور المفسرين : مسخوا قردة على الحقيقة .
5 – جاء في تفسير القاسمي ما يأتي :
قال الإمام ابن القيم في " إغاثة اللهفان " :
ومن مكايد الشيطان وأهله ، الحيل والمكر والخداع ، الذي يتضمن تحليل ما حرم الله ، وإسقاط ما فرضه ، ومضادّته في أمره ونهيه ، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه . . . .
نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى وترك ما نهى عنه ، والتخلص من الحرام ، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه .
ونوع يتضمن إسقاط الواجبات ، وتحليل المحرمات ، وقلب المظلوم ظالما ، والظالم مظلوما ، والحق باطلا والباطل حقا ، فهذا الذي اتفق السلف على ذمّه .
روى أبو عبد الله بن بطّة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود ، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل )46 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.