مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

قوله تعالى : { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون }

اعلم أن قوله : { فخلف من بعدهم خلف } ظاهره أن الأول ممدوح . والثاني مذموم ، وإذا كان كذلك ، فيجب أن يكون المراد : فخلف من بعد الصالحين منهم الذين تقدم ذكرهم خلف . قال الزجاج : الخلف ما أخلف عليك مما أخذ منك ، فلهذا السبب يقال للقرن الذي يجيء في إثر قرن خلف ، ويقال فيه أيضا خلف ، وقال أحمد بن يحيى : الناس كلهم يقولون خلف صدق وخلف سوء ، وخلف للسوء لا غير . وحاصل الكلام : أن من أهل العربية من قال الخلف والخلف قد يذكر في الصالح وفي الرديء ، ومنهم من يقول الخلف مخصوص بالذم قال لبيد :

وبقيت في خلف كجلد الأجرب *** . . . . .

ومنهم من يقول : الخلف المستعمل في الذم مأخوذ من الخلف ، وهو الفساد ، يقال الرديء من القول خلف ، ومنه المثل المشهور سكت ألفا ونطق خلفا ، وخلف الشيء يخلف خلوفا وخلفا إذا فسد وكذلك الفم إذا تغيرت رائحته . وقوله : { يأخذون عرض هذا الأدنى } قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وأما العرض بسكون الراء فما خالف العين ، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض ، فكان كل عرض عرضا وليس كل عرض عرضا ، والمراد بقوله : { عرض هذا الأدنى } أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفي قوله : { هذا الأدنى } تخسيس وتحقير ، و{ الأدنى } إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب ، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها . والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام . ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا .

ثم قال : { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب . وقال الحسن هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يستمتعون منها . ثم بين تعالى قبح فعلهم فقال : { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب } أي التوراة { أن لا يقولوا على الله إلا الحق } قيل المراد منعهم عن تحريف الكتاب وتغيير الشرائع لأجل أخذ الرشوة ، وقيل : المراد أنهم قالوا سيغفر لنا هذا الذنب مع الإصرار ، وذلك قول باطل .

فإن قيل : فهذا القول يدل على أن حكم التوراة هو أن صاحب الكبيرة لا يغفر له .

قلنا : أنهم كانوا يقطعون بأن هذه الكبيرة مغفورة ، ونحن لا نقطع بالغفران بل نرجو الغفران ، ونقول : إن بتقدير أن يعذب الله عليها فذلك العذاب منقطع غير دائم .

ثم قال تعالى : { ودرسوا ما فيه } أي فهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرؤه ودرسوه .

ثم قال : { والدار الآخرة خير للذين يتقون } من تلك الرشوة الخبيثة المحقرة { أفلا تعقلون } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (169)

{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَأن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ( 169 ) وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إنا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( 170 ) }

المفردات :

خلف : المراد بهم هنا : الأولاد ، وأكثر ما يستعمل الخلف بسكون اللام في الشر ومنه : سكت ألفا ونطق خلف ، وأكثر ما يستعمل الخلف بفتح اللام في الخير وأصل الخلف بصيغتيه : ما يكون وراء غيره أو بعده .

عرض هذا الأدنى : العرض : ما لا ثبات له ، وفي النهاية : العرض – بالفتح – متاع الدنيا وحطامها . والمراد بهذا الأدنى : الدنيا . وأشير إلها " بهذا " وهو للمذكر ، على تقدير : هذا الشيء الأدنى .

ميثاق الكتاب : المراد بالكتاب : التوراة . وبميثاقه : عهده الوثيق المؤكد .

التفسير :

{ 169 - فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى… } الآية .

أي : فجاء من بعد الصالحين والطالحين الأولين من بني إسرائيل ذرية خلفهم ، ورثوا كتاب التوراة عن أسلافهم ، وهم الذين عاصروا النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكنهم هجروا التوراة ، وآثروا الدنيا ومتاعها وزينتها ، وتفانوا في جمع حطامها ، لا يبالون حلالا كان أو حراما ، أي : من غير طريق شرعي ، كالسحت والرشوة والمحاباة في الحكم ، والاتجار في الدين ، وتحريف الكلم عن مواضعه .

{ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَأن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مُّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } . زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وأن الله لا يعذبهم على أعمالهم ، ومع هذا فإنهم مقيمون على المعاصي ، مصرون على الذنوب ، لا يتورّعون عن ضم الحرام إلى غيره ، فأن يأتيهم عرض آخر من عروض الدنيا مثل الذي أخذوه أولا بالباطل ، يأخذوه بلهف دون تعفف ، و هم يعلمون أن وعد الله بالمغفرة مخصوص بالتائبين ، الذين يقلعون عن ذنوبهم .

{ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } .

أي : أن الله تعالى ينكر عليهم صنيعهم هذا ؛ لأنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق ، ألا يقولوا على الله إلا الحق ، فكيف يطمعون في مغفرة ذنوبهم مع إصرارهم عليها ، وتكرر وقوعها منهم ، بدون ندم أو إقلاع وتوبة .

وهذا هو المذكور في التوراة : من ارتكب ذنبا عظيما : فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة ، ومن جملة الميثاق أن يبينوا للناس الحق ولا يكتمونه ، وألا يحرّفوا الكلم ، وألا يغيروا الشرائع لأجل أخذ الرشوة48 .

{ ودرسوا ما فيه } .

أي : والحال أنهم قد درسوا التوراة دراسة تامة ، فعرفوا ما فيها من تحريم أكل مال الغير بالباطل ، والكذب على الله .

إنها دراسة نظرية لم تتغلغل في وجدانهم ، ولم تؤثر في قلوبهم .

وهذا شأن كل منافق عليم اللسان ، يسخّر علمه ودراسته ومعرفته ، لإلباس الباطل ثوب الحق .

{ والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } .

أن ثواب الآخرة بقى ، ونعيم الآخرة أدوم ، فكيف يليق بعاقل أن يبيع الباقي الدائم ، ويشتري الخسيس القليل .

ولو كانت الدنيا من ذهب يفنى ، والآخرة من خزف يبقى ؛ لوجب إيثار ما يبقى على ما يفنى ، فكيف والحال أن الآخرة من ذهب يبقى ، والدنيا من خزف يفنى .

إن عقيدة الإيمان بالآخرة هي التي صنعت الرجال الأبطال ، الذين مارسوا الجهاد في الميدان ، وفي الفقه والتشريع والقضاء ، وأن إيثار العاجلة هو الذي يوسوس للضعفاء ولذلك يقول القرآن لليهود ، تحريضا لهم على العودة إلى حكم التوراة :

{ أفلا تعقلون } ، فإن متاع الدنيا قليل ومتاع الآخرة كثير دائم .