مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ} (10)

واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الكافر قوله { أيحسب أن لم يره أحد }

أقام الدلالة على كمال قدرته فقال تعالى : { ألم نجعل له عينين }

وعجائب هذه الأعضاء مذكورة في كتب التشريح ، قال أهل العربية : النجد الطريق في ارتفاع فكأنه لما وضحت الدلائل جعلت كالطريق المرتفعة العالية بسبب أنها واضحة للعقول كوضوح الطريق العالي للأبصار ، وإلى هذا التأويل ذهب عامة المفسرين في النجدين وهو أنهما سبيلا الخير والشر ، وعن أبي هريرة أنه عليه السلام قال : «إنما هما النجدان ، نجد الخير ونجد الشر ، ولا يكون نجد الشر ، أحب إلى أحدكم من نجد الخير » وهذه الآية كالآية في : { هل أتى على الإنسان } إلى قوله : { فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } وقال الحسن : قال { أهلكت مالا لبدا } فمن الذي يحاسبني عليه ؟ فقيل : الذي قدر على أن يخلق لك هذه الأعضاء قادر على محاسبتك ، وروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب ، أنهما الثديان ، ومن قال ذلك ذهب إلى أنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه والله تعالى هدى الطفل الصغير حتى ارتضعها ، قال القفال : والتأويل هو الأول .

ثم قرر وجه الاستدلال به ، فقال : إن من قدر على أن يخلق من الماء المهين قلبا عقولا ولسانا قؤولا ، فهو على إهلاك ما خلق قادر ، وبما يخفيه المخلوق عالم ، فما العذر في الذهاب عن هذا مع وضوحه وما الحجة في الكفر بالله من تظاهر نعمه ، وما العلة في التعزيز على الله وعلى أنصار دينه بالمال وهو المعطي له ، وهو الممكن من الانتفاع به .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ} (10)

المفردات :

النجدين : طريقي الخير والشر .

10- وهديناه النّجدين .

بينا له طريق الخير والشر ، والهدى والضلال ، ليختار الخير والهدى ، ويتجنب الشر والضلال .

والنّجد : الطريق المرتفع ، فكلاهما طريق وعر صعب ، الخير والشر ، يحتاج الإنسان إلى همة وعزيمة وإرادة ليختار الطريق ويثابر عليه .

( وليس سلوك طريق الشر بأهون من سلوك طريق الخير ، بل الغالب أن يكون طريق الشر أشق وأصعب وأحوج إلى الجهد )v .

فطريق الخير متفق مع الفطرة ، مع الهداية ، مع طاعة الرحمان ، مع الانسجام مع هذا الكون الذي خضع لله وسجد له وسبّح بحمده ، وكذلك المؤمن يسبّح بحمد الله ، وهناك العصاة والمردة والخارجون على طاعة الله ، حيث يستحقون غضب الله في الدنيا ، ويستحقون العقاب في الآخرة .

قال تعالى : ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حقّ عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء . ( الحج : 18 ) .

تلك منن الله علينا ، ومن هذه المنن أن جعل الهداية والإيمان ، والاستقامة والعفة والنزاهة ، وفعل المأمورات واجتناب المنهيات ، عن إرادة الإنسان واختياره ، وربط الثواب والعقاب بالطاعة أو المعصية ، فكل عامل يجزي ثمرة ما زرع في دنياه ، ومن جدّ وجد ، ومن زرع حصد .