روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (140)

{ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى } { أَمْ } إما متصلة معادلة للهمزة في { أَتُحَاجُّونَنَا } [ البقرة : 931 ] داخلة ي حيز الأمر والمراد بالاستفهام إنكارهما معاً بمعنى كل من الأمرين منكر ينبغي أن لا يكون إقامة الحجة وتنوير البرهان على حقية ما أنتم عليه ، والحال ما ذكر والتشبث بذيل التقليد والافتراء/ على الأنبياء عليهم السلام ، وفائدة هذا الأسلوب مع أن العلم حاصل بثبوت الأمرين الإشارة إلى أن أحدهما كاف في الذم فكيف إذا اجتمعا كما تقول لمن أخطأ تدبيراً ومقالاً : أتدبيرك أم تقريرك ، وبهذا يندفع ما قاله أبو حيان من أن الاتصال يستدعي وقوع إحدى الجملتين والسؤال عن تعيين إحداهما وليس الأمر كذلك إذ وقعتا معاً ، وإما منقطعة مقدرة ببل والهمزة دالة على الإضراب والانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقرأ غير ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص { أَمْ يَقُولُونَ } بالياء ويتعين كون { أَمْ } حينئذ منقطعة لما فيها من الاضراب من الخطاب إلى الغيبة ولا يحسن في المتصلة أن يختلف الخطاب من مخاطب إلى غيره كما يحسن في المنقطعة ويكون الكلام استئنافاً غير داخل تحت الأمر بل وارد منه تعالى توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم ، وحكى أبو جعفر الطبري عن بعض النحاة جواز الاتصال ؛ لأنك إذا قلت أتقوم يا زيد أم يقوم عمرو صح الاتصال ، واعترض عليه ابن عطية بأن المثال غير جيد ؛ لأن القائل فيه واحد والمخاطب واحد والقول في الآية من اثنين والمخاطب اثنان غير أن يتجه معادلة { أَمْ } للهمزة على الحكم المعنوي كان معنى { قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا } أي يحاجون يا محمد أم يقولون ، ولا يخفى أن القول بالانقطاع إن لم يكن متعيناً فلا أقل من أنه أولى .

{ قُلْ أَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله } أي لستم أعلم بحال إبراهيم عليه السلام في باب الدين بل الله تعالى أعلم بذلك وقد أخبر سبحانه بنفي اليهودية والنصرانية عنه ، واحتج على انتفائهما عنه بقوله : { وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } [ آل عمران : 65 ] وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقاً فحالهم حاله فلم تدعون له ولهم . ما نفى الله تعالى ؟ فما ذلك إلاجهل غال ولجاج محض { وَمَنْ أَظْلَمُ } إنكار لأن يكون أحد أظلم { مِمَّنْ كَتَمَ شهادة } ثابتة .

{ عِندَهُ } واصلة { مِنَ الله } إليه وهي شهادته تعالى لإبراهيم عليه السلام بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية حسبما تلي آنفاً ، وجيء بالوصفين لتعليل الإنكار وتأكيده فإن ثبوت الشهادة عنده وكونها من جانب جناب العلي الأعلى عز شأنه من أقوى الدواعي إلى إقامتها وأشد الزواجر عن كتمانها ، وتقديم الأول مع أنه متأخر في الوجود لمراعاة طريق الترقي والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب حيث كتموا هذه الشهادة وأثبتوا نقيضها بما ذكر من الافتراء والجملة تذييل يقرر ما أنكر عليهم من ادعاء اليهودية والنصرانية وتعليق الأظلمية بمطلق الكتمان للإيماء إلى أن مرتبة من يردها ويشهد بخلافها في الظلم خارجة عن دائرة البيان ، أو لا أحد أظلم منا لو كتمنا هذه الشهادة ولم نقمها في مقام المحاجة ، والجملة حينئذ تذييل مقرر ما أوقع في قوله تعالى : { أأنتم أَعْلَمُ أَمِ الله وَمَنْ } [ البقرة : 041 ] من أنهم شاهدون بما شهد الله تعالى به مصدوقونه بما أعلمهم ، وجعلها على هذا من تتمة

{ قُولُواْ ءامَنَّا } [ البقرة : 631 ] لأنه في معنى إظهار الشهادة . وعلى الأول من تتمة { قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا } [ البقرة : 9 13 ] لأنه في معنى كتمانها ظاهر التعسف ، ولا يخفى أن في الآية تعريضاً بغاية أظلمية أهل الكتاب على نحو ما أشير إليه ، وفي إطلاق الشهادة مع أن المراد بها ما تقدم من الشهادة المعينة تعريض بكتمانهم شهادة الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل ، وفي «ري الظمآن » أن مَنْ صلة { أَظْلَمَ } والكلام على التقديم والتأخير كأنه قيل : ومن أظلم من الله ممن كتم شهادة حصلت عنده كقولك ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة ، والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه يهوداً أو نصارى ثم إن الله تعالى كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزيهه عما لا يليق علمنا أن الأمر ليس كذلك ، وقيل : إن ( من ) صلة ( كتم ) / والكلام على حذف مضاف أي كتم من عباد الله شهادة عنده ومعناه أنه تعالى ذمهم على منع أن يوصلوا إلى عباد الله تعالى ، ويؤدوا إليهم شهادة الحق ، ولا يخفى ما في هذين الوجهين من التكلف والتعسف وانحطاط المعنى فلينزه كتاب الله تعالى العظيم عنه ، على أنك لو نظرت بعين الانصاف رأيت الوجه الثاني من الأولين لا يخلو عن بعد لأن الآية إنما تقدمها الإنكار لما نسب إلى إبراهيم عليه السلام ، ومن ذكر معه فالذي يليق أن يكون الكلام مع أهل الكتاب لا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه لأنهم مقرون بما أخبر الله تعالى به وعالمون بذلك فلا يفرض في حقهم كتمانه والتذييل الذي ادعى فيه خلاف الظاهر أيضاً .

{ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعيد وتهديد لأهل الكتاب أي إن الله تعالى لا يترك أمركم سدى بل هو محصل لأعمالكم محيط بجميع ما تأتون وتذرون فيعاقبكم بذلك أشد عقاب ، ويدخل في ذلك كتمانهم لشهادته تعالى وافتراؤهم على أنبيائه عليهم السلام ، وقرئ ( عما يعملون ) بصيغة الغيبة فالضمير إما لمن كتم باعتبار المعنى أو لأهل الكتاب .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (140)

قوله : { أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى } . ( أم ) معناها بل . أي بل إنكم تقولون زاعمين أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب . . . كانوا من اليهود أو النصارى . فقد زعمت يهود أن أولئك الأنبياء كانوا يهودا فهم بذلك أولى بهم ، وزعمت كذلك النصارى أن أولئك كانوا نصارى فهم إذن أحق بهم ، وفي الحقيقة أن كلا القولين خاطئ ومكذوب وهما قولان لا يستندان إلا إلى الزيف من التصور الفاسد والتعصب الأصم الذميم . ومعلوم بغير شك أو مراء أن إبراهيم كان مستمسكا بعقيدة التوحيد ، وأنه كان على الحنيفية السمحة المستقيمة التي تنافي الشرك أعظم منافاة ، ومعاذ الله أن ينتسب إبراهيم إلى ملة أي من اليهود والنصارى ، تلك الملة التي عمادها الإشراك بالله ، والمبنية على الهوى والتعصب السفيه ، التعصب الفاجر الأصم الذي ترفضه العقائد والأديان الصحيحة ، ويرفضه المنطق والتفكير السليم . فمعاذ الله أن ينتمي إبراهيم لملة أحد من الفريقين لقيامها على الإشراك بالله ، ولكنه عليه السلام كان على دين الفطرة وملة التوحيد وكلمة الإخلاص ، كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ، وأساس ذلك كله قول الله تباركت أسماؤه في فض هذه القضية : { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } ؛ ولذلك فإن الله يأمر نبيه الكريم بالرد عليهم ردا فيه توبيخ لهم وتقريع

{ قل أأنتم أعلم أم الله } ولا شك أن الله أعلم بحقيقة الأمر ، فهو سبحانه أعلم أن إبراهيم ما كان من إحدى الطائفتين ، وليس على ملة إحداهما ، ولكنه كان حنيفا مسلما .

قوله : { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله } سؤال تهديد لأهل الكتاب ووعيد . فإنه ليس أظلم من الذي يخفي في نفسه شهادة فيها الحقيقة أو الخبر الصحيح وهو أن النبيين كانوا على ملة الإسلام بما يعنيه من استسلام لله وامتثال لأمره سبحانه . وقيل المراد بكتم الشهادة هو إخفاء خبر النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ إذ كان مذكورا في التوراة والإنجيل وكان أهل الكتاب يجدونه مكتوبا باسمه عندهم ، لكنهم تغاضوا عن ذلك وعمدوا إلى اسمه عليه السلام فأزالوه ، وفي ذلك نكران للشهادة وكتم لما أودعهم الله إياه من أمانة العلم والخبر وكشفهما للناس ، لا جرم أن هذا الكتم في الشهادة غاية في العتو أو الظلم يسقط فيه هؤلاء الجاحدون الضالون .

قوله : { وما الله بغافل عما تعملون } ( ما ) تعمل عمل ليس . لفظ الجلالة اسمها مرفوع . ( بغافل ) الباء حرف زائد ، غافل خبر ما ، وغافل من الغفلة وهي غيبة الشيء عن بال الإنسان وعدم تذكره له على سبيل الإهمال . وحاشا لله سبحانه أن يلحقه شيء من عيوب البشر مثل الغفلة فإنه جل وعلا منزه عن الضعف والنقص كعيوب النسيان أو الغفلة أو غير ذلك من عيوب لا تبرح بني البشر ، لكن الله غير غافل عما يعمله الناس ، وذلك ينطوي على تخويف وتنذير لأهل الكتاب الذين جحدوا ملة الإسلام وكذبوا خاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام . وما أولئك بمفلتين من قبضة الله وعذابه الذي سيحيق بهم لزيغهم وتكذيبهم وفساد قلوبهم .