روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

/ { سَيَقُولُ السفهاء } ، أي الخفاف الأحلام أو المستمهنوها بالتقليد المحض ، والإعراض عن التدبر ، والمتبادر منهم ما يشمل سائر المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين ، وروي عن السدي الاقتصار على الأول ، وعن ابن عباس الاقتصار على الثاني ، وعن الحسن الاقتصار على الثالث ، ولعل المراد بيان طائفة نزلت هذه الآية في حقهم لا حمل الآية عليها لأن الجمع فيها محلى باللام ، وهو يفيد العموم فيدخل فيه الكل ، والتخصيص بالبعض لا يدعو إليه داع ، وتقديم الإخبار بالقول على الوقوع لتوطين النفس به فإن مفاجأة المكروه أشد إيلاماً ، والعلم به قبل الوقوع أبعد من الاضطراب ، ولما أن فيه إعداد الجواب والجواب المعد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وفي المثل : قبل الرمي يراش السهم ، وليكون الوقوع بعد الإخبار معجزة له صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إن الوجه في التقديم هو التعليم والتنبيه على أن هذا القول أثر السفاهة فلا يبالي به ولا يتألم منه ويرد عليه أن التعليم والتنبيه المذكورين يحصلان بمجرد ذكر هذا السؤال ، والجواب ولو بعد الوقوع ، وقال القفال : إن الآية نزلت بعد تحويل القبلة ، وأن لفظ { سَيَقُولُ } مراد منه الماضي ، وهذا كما يقول الرجل إذا عمل عملاً فطعن فيه بعض أعدائه : أنا أعلم أنهم سيطعنون في كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فيذكرونه مرات أخرى ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله تعالى : { قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } [ البقرة : 144 ] إلى آخر الآية فقال السفهاء وهم اليهود { مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ } إلى آخر الآية ، وفي رواية أبي إسحق وعبيد بن حميد وأبي حاتم عنه زيادة فأنزل الله تعالى : { سَيَقُولُ السفهاء } الخ ، ومناسبة الآية لما قبلها أن الأولى : قدح في الأصول ، وهذا في أمر متعلق بالفروع ، وإنما لم يعطف تنبيهاً على استقلال كل منهما في الشناعة .

{ مِنَ الناس } في موضع نصب على الحال ، والمراد منهم الجنس ، وفائدة ذكره التنبيه على كمال سفاهتهم بالقياس إلى الجنس ، وقيل : الكفرة ، وفائدته بيان أن ذلك القول المحكي لم يصدر عن كل فرد فرد من تلك الطوائف بل عن أشقيائهم المعتادين للخوض في آسن الفساد ، والأول أولى كما لا يخفى .

{ مَاولاَّهُمْ } أيْ أيّ شيء صرفهم ، وأصله من الولي ، وهو حصول الثاني بعد الأول من غير فصل والاستفهام للانكار { ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ } يعني بيت المقدس وهي فعلة من المقابلة كالوجهة من المواجهة ، وأصلها الحالة التي كان عليها المقابل إلا أنها في العرف العام اسم للمكان/ المقابل المتوجه إليه للصلاة .

{ التى كَانُواْ عَلَيْهَا } أي على استقبالها ، والموصول صفة القبلة ، وفي وصفها بذلك بعد إضافتها إلى ضمير المسلمين تأكيد للإنكار ومدار هذا الإنكار بالنسبة إلى اليهود زعمهم استحالة النسخ وكراهتهم مخالفته صلى الله عليه وسلم لهم في القبلة حتى إنهم قالوا له : ارجع إلى قبلتنا نتبعك ونؤمن بك ، ولعلهم ما أرادوا بذلك إلا فتنته عليه الصلاة والسلام ، وبالنسبة إلى مشركي العرب القصد إلى الطعن في الدين وإظهار أن كُلاّ من التوجه إليها ، والانصراف عنها بغير داع إليه حتى إنهم كانوا يقولون : إنه رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها وليرجعن إلى دينهم أيضاً ، وبالنسبة إلى المنافقين مختلف باختلاف أصولهم فإن فيهم اليهود وغيرهم ، واختلف الناس في مدة بقائه صلى الله عليه وسلم مستقبلاً بيت المقدس ، ففي رواية البخاري ما علمت ، وفي رواية مالك بن أنس تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وعن معاذ ثلاثة عشر شهراً ، وعن الصادق سبعة أشهر ، وهل استقبل غيره قبل بمكة أم لا ؟ قولان : أشهرهما الثاني وهو المروي أيضاً عن الصادق رضي الله تعالى عنه .

{ قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب } أي جميع الأمكنة والجهات مملوكة له تعالى مستوية بالنسبة إليه عز شأنه لا اختصاص لشيء منها به جل وعلا إنما العبرة لامتثال أمره فله أن يكلف عباده باستقبال أي مكان وأي جهة شاء { يَهْدِى مَن يَشَآء إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } أي طريق مستوي وهو ما تقتضيه الحكمة من التوجه إلى بيت المقدس تارة وإلى الكعبة أخرى ، والجملة بدل اشتمال مما تقدم وهو إشارة إلى مصحح التولية وهذا إلى مرجحها كأنه قيل : إن التولية المذكورة هداية يخص الله تعالى بها من يشاء ويختار من عباده وقد خصنا بها فله الحمد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} (142)

قوله تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) السفهاء مفردها سفيه وهو الخفيف العقل ذو الطيش الذي لا يضبط أقواله وتفكيره سبب من روية أو موضوعية أو اتزان . والمراد بالسفهاء هنا اليهود . وقيل بل اليهود والمشركون والمنافقون جميعا فكهم الذين سألوا في همس تارة في مجاهرة تارة أخرى ؛ ليثيروا من حول الإسلام والنبي كل بواعث الشك والتوهيم إذ قالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) .

وفي سبب نزول هذه الآية ذكر عن ابن عباس قوله : إن رسول الله ( ص ) لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله ( ص ) بضعة عشر شهرا وكان رسول الله ( ص ) يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو الله وينظر إلى السماء فأنزل عز وجل : ( فولوا وجوهكم شطره ) أي نحوه ، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) فأنزل الله ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) {[147]} .

هكذا يطلق المشركون والمنافقون واليهود في سفاهة وجهل سؤالهم عن تولي المسلمين للقبلة الجديدة . وهو سؤال سخيف وجاهل لا ينطوي على شيء من حسن النية أو سلامة التفكير أو رجاحة العقل . وذلك ديدنهم طيلة تاريخهم العابث الطويل . وهو ديدن السفهاء واللهو وفساد النية أو إطلاق العنان للسان بغير تحفظ ليهرف تهريفا أو يبعث بالعبارة في تسيب وثرثرة .

مع أن القضية هينة وبالغة اليسر لو صلحت النوايا وصفت القلوب وانتظم التفكير انتظاما يباعد بينه وبين الثرثرة السخيفة والتصور الهابط اللئيم .

إن القضية واضحة ويسيرة لمن يبتغي الوضوح واليسر ، وهي أساسها أن الجهات جميعا لله وهي جزء من ملكوت الله العظيم المطلق ، وهو سبحانه يأمر بالتوجه مثلما يريد سواء كان ذلك صوب الكعبة أو الشام أو المشرق أو المغرب ؛ فكل أولئك ملك لله الكبير المتعال ؛ ولذلك جاء الرد وجيزا ومؤثرا وحاسما ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) ويشبه ذلك قوله سبحانه في آية أخرى سابقة تبين أن التقوى والخير والصلاح إنما يتحقق بالإيمان الصحيح المقترن بالعمل المشروع الصالح وليس بالمظاهر الشكلية التي يحددها التوجه نحو الشرق أو الغرب ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله . . . ) .

قوله : ( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) يريد الله أن يهدي هذه الأمة إلى القبلة العظيمة قبلة إبراهيم عليه السلام لتكون القبلة المتبعة حتى آخر الزمان . والله جلت قدرته يهيء لعباده الصالحين من الأسباب ما ييسر لهم الاهتداء والمسير على الصراط المستقيم وهو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه . وإذا فرط الناس في ما تهيأ لهم من أسباب الهداية كانوا من المفرطين الذين أوردوا أنفسهم موارد الخسران والهلاك .

نود أن نمر على بعض المسائل التي تنبثق عن هذه الآية لنناقشها من الوجهة الشرعية . منها : وقت تحويل القبلة بعد الهجرة إلى المدينة ، أو حجم المدة التي توجه النبي والمسلمون خلالها نحو بيت المقدس بعد أن غادروا مكة إلى المدينة مهاجرين . فقد ذكر أن ذلك كان ستة عشر شهرا . وذلك ما أخرجه البخاري والدارقطني عن الباء قال : صلينا مع رسول الله ( ص ) بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس . وقيل سبعة عشر شهرا استنادا إلى ما ذكر من رواية أخرى .

ومنها : كيفية استقبال بيت المقدس فهل كان ذلك عن رأي واجتهاد من النبي ( ص ) أو أن ذلك بناء على أمر من الله ووحي ؟ والذي عليه جمهور العلماء وفيهم ابن عباس أن استقبال النبي لبيت المقدس لدى مقدمه إلى المدينة كان بناء على أن وتوجيه من الله ، ثم نسخ ذلك بوجوب استقبال الكعبة . ودليل قوله سبحانه : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) . وذلك الذي نميل إليه ونرجحه .

ومنها : حين فرضت الصلاة على النبي والمسلمين في مكة ، هل كانت قبلتهم حينئذ الكعبة أم بيت المقدس . جاء في ذلك قولان . فقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن النبي والمسلمين كانوا يستقبلون وهم في مكة بيت المقدس ، وظلوا كذلك حتى هاجروا إلى المدينة ومكثوا يستقبلونه سبعة عشر شهرا أخر إلى أن أمرهم الله بالتوجه صوب الكعبة .

وثمة قول آخر ، وهو المعتمد والذي نرجحه ، وهو أن قبلة المسلمين الأولى كانت الكعبة فقد أمروا- وهم بمكة- بالتوجه إلى الكعبة كأول قبلة حتى هاجروا إلى المدينة فصرفهم الله إلى الشام حيث بيت المقدس إذ صلى صوبه ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا على الخلاف عسى أن يكون في ذلك تطييبا لقلوب يهود واستمالة لمشاعرهم فيما قد يكون سببا في ترغيبهم في الإسلام . وبعد ذلك أمر النبي والمسلمون بالتوجه إلى الكعبة مرة أخرى .

ومنها : أن القبلة أول ما نسخ من القرآن وأنها نسخت مرتين ، كذلك أجمع العلماء . أما المرتان اللتان وقع فيهما النسخ على القبلة فإحداهما نسخ التوجه إلى مكة ؛ ليستقبل المسلمون بيت المقدس . وثانيتهما نسخ هذا الحكم ليستقبلوا الكعبة مرة أخرى{[148]} .

ومنها : جواز نسخ السنة بالقرآن ، وهو المعتمد عند الأصوليين مع أن هذه مسألة خلافية . وقد ذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء إلى أن السنة تنسخ بالكتاب . وقالوا : إن ذلك جائز عقلا وشرعا . أما جوازه عقلا فبيانه أن الكتابة والسنة كليهما وحي من الله ، لكن السنة وحي غير متلو . ونسخ أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا . أما جوازه شرعا فهو وقوعه ، كمسألتنا هذه ، وهي نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه نحو الكعبة . وهو ما يقتضيه قوله تعالى : ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ) والآية فيها الدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن . وكيفية ذلك أن صلاة النبي في المدينة نحو بيت المقدس كانت حكما مبنيا على السنة أصلا إذا لم ينزل في هذا الحكم قرأن . حتى نسخ هذا الحكم باستقبال الكعبة ؛ بناء على ما نزل من القرآن كقوله تعالى : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) {[149]} .


[147]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 189.
[148]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 48 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 189- 190.
[149]:- الإحكام في أصول الأحكام للآمدي جـ 2 ص 269، والمحصول للرازي جـ 1 ص 553- 555.