روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (149)

{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام } عطف على { فَاسْتَبِقُوا } [ البقرة : 148 ] و{ حَيْثُ } ظرف لازم الإضافة إلى الجمل غالباً ، والعامل فيها ما هو في محل الجزاء لا الشرط فهي هنا متعلقة بولّ والفاء صلة للتنبيه على أن ما بعدها لازم لما قبلها لزوم الجزاء للشرط لأن حيث وإن لم تكن شرطية لكنها لدلالتها على العموم أشبهت كلمات الشرط ففيها رائحة الشرط ، ولا يجوز تعلقها بخرجت لفظاً وإن كانت ظرفاً له معنى لئلا يلزم عدم الإضافة والمعنى من أي موضع خرجت فولّ وجهك من ذلك الموضع شطر الخ ، و( من ) ابتدائية لأن الخروج أصل لفعل ممتد وهو المشي وكذا التولية أصل للاستقبال وقت الصلاة الذي هو ممتد ، وقيل : إن حيث متعلقة بولّ والفاء ليست زائدة ، وما بعدها يعمل فيما قبلها كما بين في محله إلا أنه لا وجه لاجتماع الفاء والواو فالوجه أن يكون التقدير افعل ما أمرت به من حيث خرجت فول فيكون { فَوَلّ } عطفاً على المقدر ، ويجوز أن يجعل من حيث خرجت بمعنى أينما كنت وتوجهت فيكون فول جزاءاً له على أنها شرطية العامل فيها الشرط ولا يخفى ما فيه من التكلف والتخريج على قول ضعيف لم يذهب إليه إلا الفراء وهو شرطية حيث بدون ما حتى قالوا : إنه لم يسمع في كلام العرب ، ثم الأمر بالتولية مقيد بالقيام إلى الصلاة للإجماع على عدم وجوب استقبال القبلة في غير ذلك .

{ وَأَنَّهُ } أي الاستقبال أو الصرف أو التولية والتذكير باعتبار أنها أمر من الأمور أو لتذكير الخبر أو لعدم الاعتداد بتأنيث المصدر أو بذي التاء الذي لا معنى للمجرد عنه سواء كان مصدراً أو غيره ، وإرجاع الضمير للأمر السابق واحد الأوامر على قربه بعيد { لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ } أي الثابت الموافق للحكمة . { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } فيجازيكم بذلك أحسن الجزاء فهو وعيد للمؤمنين ، وقرئ ( يعملون ) على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين ، والجملة عطف على ما قبلها وهما اعتراض للتأكيد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ} (149)

قوله : ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ) .

قوله : ( ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ) .

وقوله : ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) .

هذه آيات ثلاث تتفق من حيث التجانس في العبارة ومن حيث المعنى والمضمون .

وهي آيات يلاحظ فيها التكرار الذي لا يقع في الكتاب الحكيم عبثا ، بل إنه تكرار ينطوي على كثير من المعاني والأحكام .

ويمكن القول هنا أن التكرار في هذه الآيات الثلاث حول استقبال الكعبة يحتمل في تعليله أمرين . أحدهما : التأكيد من الله جلت قدرته للنبي والمسلمين على الامتثال في طواعية تامة لاستقبال القبلة الجديدة بعد أن نسخ الحكم السابق وهو استقبال بيت المقدس ؛ وذلك كيلا يجد بعض المسلمين في نفوسهم شيئا من التردد أو الشك أو العنت ، وليبادروا التوجه في الحال نحو البيت العتيق ؛ تنفيذا لكلمة الله وتحقيقا لأمره الذي لا معقب له .

الثاني : أن التكرار ينطوي على جملة فوائد شرعية تفصيلية في تبيين كيفية التوجه والاستقبال في مختلف الحالات أو الظروف أو المواضع :

منها : أن من عاين الكعبة مُشاهدة أو حسا عليه أن يتوجه نحوها عينها بالذات ، وإذا لم يفعل ذلك كأن يتجه صوب جهة أخرى مخالفة فإنه لا صلاة له أو كالذي افتقد شرطا أساسيا من شروط الصلاة وهو استقبال القبلة ، وقيل بل هو ركن من أركانها على الخلاف .

ومنها : أن من كان في مكة ، لكنه لم يشاهد البيت فعليه أن يستقبل المسجد الحرام حيث الكعبة .

ومنها : أن من كان خارج مكة من مختلف البلدان فعلية أن يتوجه في قبلته نحو مكة ، وقد بينا سابقا الحديث حول هذه المعاني إذ يقول الرسول ( ص ) : " البيت قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي " .

ومنها : إذا سافر المسلم وأراد أن يقوم للصلاة فعليه أن يتوجه نحو القبلة أول دخوله الصلاة حين التحريم ، ولا جناح عليه بعد ذلك إذا ما اتجهت به السفينة أو الطائرة أو وسيلة النقل نحو أية جهة أخرى مغايرة .

وقوله : ( لئلا يكون للناس على الله حجة ) الحجة المحاجة وهي المخاصمة أو المجادلة . والمراد أن الله شرع لكم الكعبة قبلة تتوجهون نحوها في الصلاة حيثما كنتم ، ولا يشترط في ذلك أن يكون التوجه نحو العين ما دمتم منتشرين في بقاع الأرض ولم تستطيعوا معاينة البيت أو مشاهدته . فإن قال لكم المشركون : كيف تستقبلون البيت ولستم ترونه ، فإن سؤالهم أصبح غير ذي قيمة مادام المقصود هو الجهة لا العين .

قال القرطبي في تأويل هذه الآية : لا حجة لأحد عليكم إلا حجة الداحضة إذ قالوا : ( ما ولاهم ) ، وتحير محمد في دينه وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا كنا أهدى منه وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو من يهودي أو منافق .

وقوله : ( إلا الذين ظلموا منهم ) أي ليس لأحد عليكم حجة إلا الحجة الداحضة التي تفرزها ألسنة الظالمين من أعدائكم ، وهي حجة قائمة على الفساد وانتفاء التفكير السليم .

وقوله : ( فلا تخشوهم واخشوني ) " لا " تفيد النهي . ( تخشوهم ) فهل مجزوم بحذف النون وواو الجماعة في محل رفع فاعل . والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به ، والميم للجميع . أما الخشية فهي الخوف ، فإن الله يحذر عباده المؤمنين من خشية الناس بل عليهم أن يخشوا ربهم وحده ؛ فإنه أحق أن يخشاه الناس .

وقد تنتاب قلب المرء غاشية من الخوف من البشر . فإنه لا إثم في ذلك مادامت هذه الخشية لم تؤثر في عزيمة المؤمن ولم تخفف من طاعته وامتثاله لأوامر الله ، لكن الخشية من الناس إذا ما كانت سببا في اجتيال العباد عن عقيدتهم وفتنتهم عن دينهم ، أو كانت سببا في زعزعة الإيمان وتبديده في النفوس فيما يحرف المؤمنين عن صراط الله ليسيروا في طريق الباطل والشهوات .

قوله : ( ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون ) تمام النعمة من الله على عباده المؤمنين بجعلهم ملتئمين منسجمين على أساس من عقيدة الإسلام لمتينة الثابتة التي تقوم على التوحيد وعلى أساس من أخوة الإيمان تؤلف بين قلوب هذه الأمة ؛ ليكونوا متحدين في تصوراتهم وتطلعاتهم وأهوائهم ، وليكونوا متوجهين نحو قبلة ثابتة واحدة هي البيت العتيق الذي كتبه الله للناس مثابة وأمنا . وفي ذلك كله ما يجعل أتباع هذه الملة في نعمة من الله وفي هداية منه سبحانه . لا جرم أن الله كتب لهذه الأمة الهداية ، فهي على المحجة البيضاء ، والطريق السوي السليم . وهو قوله : ( ولعلكم تهتدون ) {[160]} .


[160]:- تفسير النسفي جـ 1 ص 82 والكشاف جـ 1 ص 323.