روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} (158)

{ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } أي بل رفعه سبحانه إليه يقيناً ، ورده في «البحر » بأنه قد نص الخليل على أنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها ، والكلام ردّ وإنكار لقتله وإثبات لرفعه عليه الصلاة والسلام ، وفيه تقدير مضاف عند أبي حيان أي إلى سمائه ، قال : «وهو حي في السماء الثانية على ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج ، وهو هنالك مقيم حتى ينزل إلى الأرض يقتل الدجال ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً ثم يحيا فيها أربعين سنة » أو تمامها من سنّ رفعه ، وكان إذ ذاك ابن ثلاث وثلاثين سنة ويموت كما تموت البشر ويدفن في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، أو في بيت المقدس ، وقال قتادة : رفع الله تعالى عيسى عليه السلام إليه فكساه الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش فصار إنسياً ملكياً سماوياً أرضياً ، وهذا الرفع على المختار كان قبل صلب الشبه ، وفي إنجيل لوقا ما يؤيده ؛ وأما رؤية بعض الحواريين له عليه السلام بعد الصلب فهو من باب تطور الروح ، فإن للقدسيين قوة التطور في هذا العالم وإن رفعت أرواحهم إلى المحل الأسنى ، وقد وقع التطور لكثير من أولياء هذه الأمة ، وحكاياتهم في ذلك يضيق عنها نطاق الحصر .

{ وَكَانَ الله عَزِيزاً } لا يغالب فيما يريده { حَكِيماً } في جميع أفعاله فيدخل فيه تدبيراته سبحانه في أمر عيسى عليه السلام وإلقاء الشبه على من ألقاه دخولاً أولياً .

( هذا ومن باب الإشارة ) :وقوله تعالى : { بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } [ النساء : 158 ] أشير به على ما ذكره بعض القوم والعهدة عليه إلى اتصال روحه عليه السلام بالعالم العلوي عند مفارقته للعالم السفلي ، وذلك الرفع عندهم إلى السماء الرابعة لأن مصدر فيضان روحه عليه السلام روحانية فلك الشمس الذي هو بمثابة قلب العالم ، ولما لم يصل إلى الكمال الحقيقي الذي هو درجة المحبة لم يكن له بدّ من النزول مرة أخرى في صورة جسدانية ، يتبع الملة المحمدية لنيل تلك الدرجة العلية ، وحينئذ يعرفه كل أحد فيؤمن به أهل الكتاب أي أهل العلم العارفين بالمبدأ والمعاد كلهم عن آخرهم قبل موته عليه السلام بالفناء بالله عز وجل ، فإذا آمنوا به يكون يوم القيامة أي يوم بروزهم عن الحجب الجسمانية وانتباههم عن نوم الغفلة شهيداً ، وذلك بأن يتجلى الحق عليهم في صورته

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} (158)

وقوله : ( بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ) رفعه الله إلى السماء ويحتمل الرفع وجهين :

أحدهما : العلو المكاني المنوط بالمسافة والبعد .

وثانيهما : العلو المعنوي وذلك منوط بعلو الشأن وارتفاع المنزلة . ثم إن الله جل جلاله لهو القوي فمن تمسك بدينه واحتمى بجنابه عز وانتصر ، وأنه سبحانه منتقم جبار يسلط على المجرمين الذين يعتدون على الأنبياء ويقتلونهم بغير حق عذابا من السماء أو الأرض فيدمرهم ويدمدم عليهم إن شاء . وهو كذلك حكيم فيما يقدره وفيما يجريه أو يقرره من حوادث ووقائع ، كل ذلك يتم بحكمة من لدنه قد نقف على شطر منها أو نجهل حقيقتها وأبعادها .