روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا} (159)

{ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب } أي اليهود خاصة كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو هم والنصارى كما ذهب إليه كثير من المفسرين و { ان } نافية بمعنى ما ، وفي الجار والمجرور وجهان : أحدهما : أنه صفة لمبتدأ محذوف ، وقوله تعالى : { إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } جملة قسمية ، والقسم مع جوابه خبر المبتدأ ولا يرد عليه أن القسم إنشاء لأن المقصود بالخبر جوابه وهو خبر مؤكد بالقسم ، ولا ينافيه كون جواب القسم لا محل له لأن ذلك من حيث كونه جواباً فلا يمتنع كونه له محل باعتبار آخر لو سلم أن الخبر ليس هو المجموع ، والتقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا والله ليؤمنن به ، والثاني : أنه متعلق بمحذوف وقع خبراً لذلك المبتدأ ، وجملة القسم صفة له لا خبر ، والتقدير : وإن أحد إلا ليؤمنن به كائن من أهل الكتاب ومعناه كل رجل يؤمن به قبل موته من أهل الكتاب ، وهو كلام مفيد ، فالاعتراض على هذا الوجه بأنه لا ينتظم من أحد ، والجار والمجرور إسناد لأنه لا يفيد لا يفيد لحصول الفائدة بلا ريب ، نعم المعنى على الوجه الأول كل رجل من أهل الكتاب يؤمن به قبل موته ، والظاهر أنه المقصود ، وأنه أتم فائدة ، والاستثناء مفرغ من أعم الأوصاف ، وأهل الكوفة يقدرون موصولاً بعد إلا ، وأهل البصرة يمنعون حذف الموصول وإبقاء صلته ، والضمير الثاني راجع للمبتدأ المحذوف أعني أحد ، والأول لعيسى عليه السلام فمفاد الآية أن كل يهودي ونصراني يؤمن بعيسى عليه السلام قبل أن تزهق روحه بأنه عبد الله تعالى ورسوله ، ولا ينفعه إيمانه حينئذٍ لأن ذلك الوقت لكونه ملحقاً بالبرزخ لما أنه ينكشف عنده لكل الحق ينقطع فيه التكليف ، ويؤيد ذلك أنه قرأ أبي ليؤمنن به قبل موتهم بضم النون وعود ضمير الجمع لأحد ظاهر لكونه في معنى الجمع ، وعوده لعيسى عليه السلام غير ظاهر .

وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه فسر الآية كذلك ؛ فقيل له : أرأيت إن خرّ من فوق بيت ؟ قال : يتكلم به في الهواء ، فقيل : أرأيت إن ضرب عنقه ؟ قال : يتلجلج بها لسانه . وأخرج ابن المنذر أيضاً عن شهر بن حوشب قال : قال لي الحجاج : يا شهر آية من كتاب الله تعالى ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء قال الله تعالى : { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } ، وإني أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئاً فقلت : رفعت إليك على غير وجهها إن النصراني إذا خرجت روحه أي إذا قرب خروجها كما تدل عليه رواية أخرى عنه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره ، وقالوا : أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنه الله تعالى ، وأنه ابن الله سبحانه ، وأنه ثالث ثلاثة عبد الله وروحه وكلمته ، فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه ، وأن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ودبره ، وقالوا : أي خبيث إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله وروحه فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان ، فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم ، فقال : من أين أخذتها ؟ فقلت : من محمد بن علي ( بن الحنفية ) ، قال : لقد أخذتها من معدنها ، قال شهر : وأيم الله تعالى ما حدثنيه إلا أم سلمة ، ولكني أحببت أن أغيظه ، والإخبار بحالهم هذه وعيد لهم وتحريض إلى المسارعة إلى الإيمان به قبل أن يضطروا إليه مع انتفاء جدواه ، وقيل : الضميران لعيسى عليه السلام ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً وأبي مالك والحسن وقتادة وابن زيد ، واختاره الطبراني ، والمعنى أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى عليه السلام إلا ليؤمنن به قبل أن يموت وتكون الأديان كلها ديناً واحداً ، وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

«ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير ويمحو الصليب وتجمع له الصلاة ويعطي المال حتى لا يقبل ويضع الخراج وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما » قال : وتلا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه { وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } ، وقيل : الضمير الأول لله تعالى ولا يخفى بعده ، وأبعد من ذلك أنه لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وروي هذا عن عكرمة ، ويضعفه أنه لم يجر له عليه الصلاة والسلام ذكر هنا ، ولا ضرورة توجب رد الكناية إليه ، لا أنه كما زعم الطبري لو كان صحيحاً لما جاز إجراء أحكام الكفار على أهل الكتاب بعد موتهم لأن ذلك الإيمان إنما هو في حال زوال التكليف فلا يعتد به .

{ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ } أي عيسى عليه السلام { عَلَيْهِمْ } أي أهل الكتاب { شَهِيداً } فيشهد على اليهود بتكذيبهم إياه وعلى النصارى بقولهم فيه : إنه ابن الله تعالى ، والظرف متعلق بشهيداً وتقديمه يدل على جواز تقديم خبر كان مطلقاً ، أو إذا كان ظرفاً أو مجروراً لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقديم عامله ، وجوز أبو البقاء كون العامل فيه يكون .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا} (159)

قوله : ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) إن أداة نفي بمعنى ما . وأهل الكتاب اليهود والنصارى . فكل واحد منهم سيؤمن به قبل موته .

وقد جاء في بيان المقصود من ذلك عدة أقوال نذكرها فيما يلي :

القول الأول : كل واحد من اليهود والنصارى سوف يؤمن بالمسيح بعد نزوله إلى الأرض ، ثم يدركه الموت بعد ذلك كغيره من العباد . وبذلك فإن الضمير في موته يعود على المسيح وكذلك الضمير في ( به ) أي أن كل كتابي حال حياة المسيح بعد أن ينزل من السماء إلى الأرض سوف يؤمن به إيمانا صحيحا بعيدا عن الشرك وهو أنه نبي الله وعبده ورسوله .

القول الثاني : كل واحد من أهل الكتاب سوف يؤمن بالمسيح قبل أن يموت ( الكتابي ) فالضمير في موته يعود على الكتابي ، فكل يهودي ونصراني عند معاينته الموت سيؤمن بالمسيح إيمانا صحيحا . أما الضمير في ( به ) فإنه يعود على المسيح .

القول الثالث : وهو عود الضمير في ( به ) على النبي محمد ( ص ) . وبذلك فكل كتابي من اليهود والنصارى إذا عاين الموت فإنه سينكشف له الحق فيعلم أن هذا النبي حق ، لكن هذا التصديق لا ينفعه ؛ لأنه حاصل بعد فوات الأوان الذي تستقيم فيه التوبة وتقبل . وينبغي القول كذلك أن الكتابي لا ينفعه إيمانه إن كان ذلك عند معاينة الموت سواء تعلق إيمانه بالمسيح أو محمد عليهما الصلاة والسلام . فإن التوبة عن الكفر تكون صحيحة إذا كانت قبل معاينة الموت . وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى سابقة : ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما ) .

ولدى النظر في هذه الأقوال يتبين أن القول الأول هو الصحيح . وذلك بالنظر للسياق الذي جاءت عليه الآيات في مطلعها وفي آخرها والمتعلقة بخبر المسيح عليه السلام ، فمطلع الآيات يتناول الحديث عن فرية القتل والصلب ، وأن ذلك ما كان إلا تشبيها أوقع المختلفين في الشك والاضطراب ، وأن المسيح قد تم رفعه إلى السماء فانتفى ما نسبه إليه المرتابون والخراصون . وذلك كله متعلق بالمسيح نفسه . وأما آخرها فإنه يحقق أن المقصود هو المسيح . يستبين ذلك من قوله تعالى : ( ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) فالذي يشهد على أعمالهم وأقوالهم من التصديق له أو التكذيب هو المسيح ، وذلك الذي يدل عليه السياق ، وهو الذي يدور حوله الحديث خلال هذه الآيات .

وفي تعزيز هذا القول وفي عودة المسيح إلى الأرض يقول النبي ( ص ) فيما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه : " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد وحتى تكون السجدة خيرا له من الدنيا وما فيها " ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) وقد ورد مثل ذلك جملة أحاديث متضافرة تؤكد المقصود من الآية .

وأخرج مسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم حتى يقول الحجر : يا مسلم هذا يهودي فتعال فاقتله " لكن أمثال هذا الحديث من حيث التحقيق تظل تحتمل مدلولين . أحدهما أن يكون ذلك في الدنيا وهو أن تتحقق للمسلمين أسباب القوة والمنعة ، فتكون لهم الغلبة على اليهود بعد أن تضيق البشرية بهم ذرعا وتعاني من كيدهم البلاء والشقاء .

أما الثاني : فهو أن يكون ذلك أحد أشراط القيامة ؛ إذ لا ينطق الحجر إلا بحصول معجزة ولا يتيسر ذلك إلا أن تقوم الساعة حيث الأهوال والخوارق وحيث الانقلاب الكوني الهائل الذي يأتي على الحياة والخلائق جميعا{[854]} .


[854]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 573- 582 وتفسير القرطبي جـ 6 ص 8-17