{ وَلَهُ } عطف على { لِلَّهِ } فهو داخل تحت { قُلْ } [ الأنعام : 12 ] على أنه احتجاج ثان على المشركين وإليه ذهب غير واحد . وقال أبو حيان : «الظاهر أنه استئناف إخبار وليس مندرجاً تحت الأمر » أي ولله سبحانه وتعالى خاصة . / { مَا سَكَنَ فِى الليل والنهار } أي الوقتين المخصوصين . و ( ما ) موصولة و { سَكَنَ } إما من السكنى فيتناول الكلام المتحرك والساكن من غير تقدير ، وتعديتها بفي إلى الزمان مع أن حق استعمالها في المكان لتشبيه الاستقرار بالزمان بالاستقرار بالمكان ، وجوز أن يكون هناك مشاكلة تقديرية لأن معنى لله ما في السموات والأرض ما سكن فيهما واستقر ، والمراد وله ما اشتملا عليه ، وإما من السكون ضد الحركة كما قيل ، وفي الكلام الاكتفاء بأحد الضدين كما في قوله تعالى : { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل : 18 ] والتقدير ما سكن فيهما وتحرك وإنما اكتفى بالسكون عن ضده دون العكس لأن السكون أكثر وجوداً وعاقبة كل متحرك السكون كما قيل :
إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون
ولأن السكون في الغالب نعمة لكونه راحة ولا كذلك الحركة . ورد بأنه لا وجه للاكتفاء بالسكون عن التحرك في مقام البسط والتقرير وإظهار كمال الملك والتصرف . وأجيب بأن هذا المحذوف في قوة المذكور لسرعة انفهامه من ذكر ضده والمقام لا يستدعي الذكر وإنما يستدعي عموم التغيرات والتصرفات الواقعة في الليل والنهار ، ومتى التزم كون السكون مع ضده السريع الانفهام كناية عن جميع ذلك ناسب المقام . وقيل : إن ما سكن يعم جميع المخلوقات إذ ليس شيء منها غير متصف بالسكون حتى المتحرك حال ما يرى متحركاً بناءً على ما حقق في موضعه من أن تفاوت الحركات بالسرعة والبطء لقلة السكنات المتخللة وكثرتها ، وفي معنى الحركة والسكون وبيان أقسام الحركة المشهورة كلام طويل يطلب من محله .
{ وَهُوَ السميع } أي المبالغ في سماع كل مسموع فيسمع هواجس كل ما يسكن في الملوين { العليم } أي المبالغ في العلم بكل معلوم من الأجناس المختلفة ؛ والجملة مسوقة لبيان إحاطة سمعه وعلمه سبحانه وتعالى بعد بيان إحاطة قدرته جل شأنه أو للوعيد على أقوالهم وأفعالهم ولذا خص السمع والعلم بالذكر ، وهي تحتمل أن تكون من مقول القول وأن تكون من مقول الله تعالى .
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى اليل والنهار } يحتمل أن يكون الليل والنهار إشارة إلى قلب الكافر وقلب المؤمن وما سكن فيهما الكفر والإيمان ومعنى كون ذلك له سبحانه أنه من آثار جلاله وجماله ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قلب العارف في حالتي القبض والبسط فكأنه قيل : وله ما سكن في قلوب العارفين المنقبضة والمنبسطة من آثار التجليات فلا تلتفت في الحالتين إلى سواه عز شأنه { وَهُوَ السميع العليم } [ الأنعام : 13 ] فيسمع خواطرها السيئة والحسنة ويعلم شرها وخيرها أو فيسمع أنينها في شوقه ويعلم انسهابه أو نحو ذلك .
قوله تعالى : { وله ما سكن في اليل والنهار وهو السميع العليم ( 13 ) قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السموت والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكون من المشركين ( 14 ) قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ( 15 ) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين } .
ذكر عن ابن عباس في سبب نزول { وله ما سكن في اليل والنهار } أن كفار مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد إنا قد علمنا أنه إنما يحملك على ما تدعو إليه الحاجة ، فنحن نجعل لك نصيبا من أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا وترجع عما أنت عليه . فنزلت الآية{[1128]} وقوله : { سكن } أي ثبت . والسكون هنا بمعنى الحلول . فالتقدير أن الله له كل ما حصل في الليل والنهار . أي كل ما اشتمل عليه الزمان سواء كان متحركا أو ساكنا مستقرا . أي أخبرهم يا محمد أن كل شيء دخل في إطار الزمان من ليل أو نهار إنما هو مملوك لله . فالله سبحانه يملك الخير والمال والفضل وكل أسباب الغنى ، بل إن الله يملك ما حواه الليل والنهار من أشياء .
قوله : { وهو السميع العليم } السميع والعليم بصيغة المبالغة . فالله ذو إحاطة كاملة بكل شيء من حيث القدرة ومن حيث السمع والعلم . فهو يسمع كل ما يجري في الكون من دعاء لضارع هاجس أو لمستخلف كظيم نابس . فما من حركة ولا همسة ولا صوت خفي باطن أو صادح ظاهر إلا كان الله يسمعه . وما من قول أو فعل أو خبر أو مكان أو زمان إلا ويحيط به علم الله . فالله يحيط سمعه وعلمه بكل شيء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.