روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (104)

{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ } الضمير إما للمتوب عليهم والمراد تمكين قبول توبتهم في قلوبهم والاعتداد بصدقاتهم وإما لغيرهم والمراد التحضيض على التوبة والصدقة والترغيب فيهما .

وقرىء { تَعْلَمُواْ } بالتاء وهو على الأول التفات وعلى الثاني بتقدير قل ، وجوز أن يكون الضمير للتائبين وغيرهم على أن يكون المقصود التمكين والتحضيض لا غير ، واختار بعضهم كونه للغير لا غير لما روي أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم فنزلت ، ويشعر صنيع الجمهور باختيار الأول وهو الذي يقتضيه سياق الآية ، والخبر لما نقف على سند له يعول عليه أي ألم يعلم هؤلاء التائبون { أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة } الصحيحة الخالصة { عَنْ عِبَادِهِ } المخلصين فيها ، وتعدية القبول بعن لتضمنه معنى التجاوز والعفو أي يقبل ذلك متجاوزاً عن ذنوبهم التي تابوا عنها ، وقيل : عن بمعنى من والضمير إما للتأكيد أوله مع التخصيص بمعنى ان الله سبحانه يقبل التوبة لا غيره أي إنه تعالى يفعل ذلك البتة لما قرر أن ضمير الفصل يفيد ذلك والخبر المضارع من مواقعه ، وجعل بعضهم التخصيص بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي أنه جل وعلا يقبل التوبة لا رسوله عليه الصلاة والسلام لأن كثرة رجوعهم إليه مظنة لتوهم ذلك ، والمراد بالعباد إما أولئك التائبون ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلية ما يشير إليه القبول وإما كافة العباد وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً { وَيَأْخُذُ الصدقات } أي يقبلها قبول من يأخذ شيئاً ليؤدي بدله فالأخذ هنا استعارة للقبول ، وجوز أن يكون إسناد الأخذ إلى الله تعالى مجازاً مرسلاً ، وقيل : نسبة الأخذ إلى الرسول في قوله سبحانه : { خُذِ } [ التوبة : 103 ] ثم نسبته إلى ذاته تعالى إشارة إلى أن أخذ الرسول عليه الصلاة والسلام قائم مقام أخذ الله تعالى تعظيماً لشأن نبيه صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح : 10 ] فهو على حقيقته وهو معنى حسن إلا أن في دعوى الحقيقة ما لا يخفى ، والمختار عندي أن المراد بأخذ الصدقات الاعتناء بأمرها ووقوعها عنده سبحانه موقعاً حسناً ، وفي التعبير به ما لا يخفى من الترغيب . وقد أخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة أن الله تعالى يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه وإن الرجل ليتصدق بمثل اللقمة فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله أو مهره فتربو في كف الله تعالى حتى تكون مثل أحد . وأخرج الدارقطني في الأفراد عن ابن عباس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فيقع في يد الله عز وجل قبل أن يقع في يدل السائل ثم تلا هذه الآية " . وفي بعض الروايات ما يدل على أنه ليس هناك أخذ حقيقة ، فقد أخرج ابن المنذر . وغيره عن أبي هريرة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة طيبة من كسب طيب ولا يقبل الله تعالى إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا طيب فيضعها في حق إلا كانت كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله حتى ان اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم . "

وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى ألم يعلموا إن الله يقبل التوبة الآية . و { ءالَ } في الصدقات يحتمل أن تكون عوضاً عن المضاف إليه أي صدقاتهم وإن تكون للجنس أي جنس الصدقات المندرج فيه صدقاتهم اندراجاً أولياً وهو الذي يقتضيه ظاهر الأخبار { وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } تأكيد لما عطف عليه وزيادة تقرير لما يقرره مع زيادة معنى ليس فيه أي ألم يعلموا أنه سبحانه المختص المستأثر ببلوغ الغاية القصوى من قبول التوبة والرحمة وذلك شأن من شؤونه وعادة من عوائده المستمرة ، وقيل غير ذلك ، والجملتان في حيز النصب بيعلموا يسد كل واحدة منهما مسد مفعوليه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} (104)

قوله : { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } الضمير في { يعلموا } عائد إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم . والمعنى : ألم يعلم هؤلاء الذين تابوا وربطوا أنفسهم بالسواري أن الله هو الذي يقبل توبة من تاب من عباده أو يردها فلا يقبلها . . وأنه هو الذي يقبل الصدقة ممن تصدق منهم أو يردها عليه ؟ ألم يعلموا أن ذلك منوط بجلال الله وعظمته . فما عليهم إلا أن يتوجهوا بتوبتهم وصدقتهم وسائر طاعاتهم إلى لله وحده ، فيقصدوا بذلك كله وجهه الكريم دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره . فليس النبي صلى الله عليه وسلم إلا واسطة . وفي ذلك أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكما كما يربي أحدكما مهره ، حتى إن التمرة لتكون مثل أحد ) .

قوله : { وأن الله هو التواب الرحيم } الله جلت قدرته عظيم التؤب ، ورجمته وسعت كل شيء ؛ فهو يقبل التوبة عن التائبين ، ويسع برحمته سائر عباده لنادمين الراجعين إلى جنابه الكريم{[1893]} .


[1893]:تفسير ابن كثر جـ 2 ص 386 وتفسير الطبري جـ 11 ص 15، 16 والبيضاوي ص 267 والكشاف جـ 2 ص 213.