الذين اتخذوا مَسْجِدًا } عطف على ما سبق أي ومنهم الذين ، وجوز أن يكون مبتدأ خبره { أَفَمَنْ أَسَّسَ } [ التوبة : 109 ] والعائد محذوف للعلم به أي منهم أو الخبر محذوف أي فيمن وصفنا ، وأن يكون منصوباً بمقدر كأذم وأعني .
وقرأ نافع . وابن عامر بغير واو ، وفيه الاحتمالات السابقة إلا العطف ، وأن يكون بدلاً من { ءاخَرُونَ } [ التوبة : 106 ] على التفسير المرجوح ، وقوله سبحانه : { ضِرَارًا } مفعول له وكذا ما بعده وقيل : مصدر في موضع الحال أو مفعول ثان لا تخذوا على أنه بمعنى صيروا أو مفعول مطلق لفعل مقدر أي يضارون بذلك المؤمنين ضراراً ، والضرار طلب الضرر ومحاولته ، أخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار قال لهم أبو عامر : ابنوا مسجداً واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً عليه الصلاة والسلام وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فنزلت . وأخرج ابن إسحق . وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال أتى أصحاب مسجد الضرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا ، يا رسول الله أنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الساتية وأنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال صلى الله عليه وسلم : إني على جناح سفر وحال شغل أو كما قال عليه الصلاة والسلام ولو قدمنا إن شاء الله تعالى لآتيناكم فصلينا لكم فيه فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ونزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار أتاه خبر المسجد فدعا مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف . ومعن بن عدي وأخاه عاصم بن عدي أحد بلعجان فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك فقال مالك لصاحبه : أنظرني حتى أخرج لك بنار من أهلي فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فأحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل وكان البانون له اثنى عشر رجلاً : خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج المسجد . وعباد بن حنيف من بني عمرو بن عوف أيضاً . وثعلبة بن حاطب . ووديعة بن ثابت وهما من بني أمية بن زيد رهط أبي لبابة بن عبد المنذر . ومعتب بن قشير . وأبو حبيبة بن الأزعر .
وحارثة بن عامر . وابناه مجمع . وزيد . ونبيل بن الحرث . ونجاد بن عثمان ، وبجدح من بني ضيعة . وذكر البغوي من حديث ذكره الثعلبي كما قال العراقي بدون سند «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعد حرق المسجد وهدمه أن يتخذ كناسة يلقى فيها الجيف والنتن والقمامة إهانة لأهله لما أنهم اتخذوه ضراراً { وَكُفْراً } أي وليكفروا فيه ، وقدر بعضهم التقوية أي وتقوية الكفر الذي يضمرونه ، وقيل عليه : أن الكفر يصلح علة فما الحاجة إلى التقدير . واعتذر بأنه يحتمل أن يكون ذلك لما أن اتخاذه ليس بكفر بل مقوله لما اشتمل عليه فتأمل { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين } وهم كما قال السدى أهل قباء فإنهم كانوا يصلون في مسجدهم جميعاً فأراد هؤلاء حسداً أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم { وَإِرْصَادًا } أي ترقبا وانتظاراً { لّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ } وهو أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة رضي الله تعالى عنه ، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وتنصر فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر : ما هذا الدين الذي جئت به ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الحنيفية البيضاء دين إبراهيم عليه السلام قال : فأنا عليها فقال له عليه الصلاة والسلام : إنك لست عليها فقال : بلى ولكنك أنت أدخلت فيها ما ليس منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية فقال أبو عامر : أمات الله تعالى الكاذب منا طريداً وحيداً فأمن النبي صلى الله عليه وسلم فسماه الناس أبا عامر الكذاب وسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق فلما كان يوم أحد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل كذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن يومئذ ولى هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين يحثهم على بناء مسجد كما ذكرنا آنفاً عن الحبر فبنوه وبقوا منتظرين قدومه ليصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدم كما مر ومات أبو عامر وحيداً بقنسرين وبقي ما أضمروه حسرة في قلوبهم .
{ مِن قَبْلُ } متعلق بحارب أي حارب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام قبل هذا الاتخاذ أو متعلق باتخذوا أي اتخذوه من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك كما سمعت ، والمراد المبالغة في الذم { وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا } أي ما أردنا ببناء هذا المسجد { إِلاَّ الحسنى } أي إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله تعالى والتوسعة على المصلين ؛ فالحسنى تأنيث الأحسن وهو في الأصل صفة الخصلة وقد وقع مفعولاً به لأردنا ، وجوز أن يكون قائماً مقام مصدر محذوف أي الإرادة الحسنى { والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون } فيما حلفوا عليه .
قوله تعالى : { والذين اتخذوا مسجدا ضرار وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون 107 لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } .
سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام مكانة عالية وذكر عظيم وقد أظهرهم الله يوم بدر ، اغتاظ أبو عامر وبارز رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعداوة ، ثم خرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أحد فكان ما حصل للمسلمين من ابتلاء قد امتحنهم الله به . وكان هذا الفاسق اللعين ، أبو عامر الراهب ، قد حفر حفائر فيما بين الصفين فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم فجرح وجهه ، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى ، وشح رأسه صلوات الله وسلامه عليه . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن فأبي أن يسلم وتمرد ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدا طريدا ، فنالته هذه الدعوة ؛ وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ورأى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده ومناه وأقام عنده . وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب بعدهم ويمينهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده هما هو فيه . وأمرهم أن يتخذوا له معقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده ويكون مرصدا له إذا قدم عليهم بعد ذلك ، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء ، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته . وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية فعصمه الله من الصلاة فقال : ( إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله ) فلما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، تزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة{[1897]} .
قوله : { ضرارا } في إعرابه ثلاثة أوجه . الأول : أنه مفعول لأجله . أي مضارة لإخوانهم .
الثاني : أنه مفعول به ثان لقوله : { اتخذوا } .
الثالث : أنه مصدر في موضع الحال من فاعل { اتخذوا } أي تخذوا مضارين لإخوانهم . وقيل : منصوب على المصدرية ؛ أي يضرون بذلك غيرهم ضرارا{[1898]} والضرر معناه طلب الضرر والعمل على إيقاعه وحصوله .
قوله : { وكفرا } أي يكفروا فيه ؛ فقد اتخذوا هذا المسجد ذريعة لهم ليغطوا بع كفرهم ونفاقهم ، وليتمكنوا من خلاله من الإضرار بالمسلمين ، وليفسدوا عليهم حالهم وشأنهم ، فيكون ذلك طريقا للقضاء على دين الله . لا جرم أن قصدهم هذا يصممهم بالكفر .
قوله : { وتفريقا بين المؤمنين } وهم أهل قباء ؛ فقد أراد أبو عامر الراهب ومعه زمرة النفاق والباطل أن يحل بالمؤمنين الشقاق والاختلاف ، وأن يأتي عليهم الفرقة فينفلتوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والمنافقين في ذلك إنما يؤزهم الحسد والحقد وخسة الطبع الآسن ، وأولئك هم المناقون في كل زمان ؛ يتربصون بالإسلام والمسلمين دوائر الشر والسوء ، ويبتغون لهم الإفساد والتدمير والهلكة .
قوله : { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل } فقد أعد المنافقون هذا المسجد كيما يكون لهم موضعا يتربصون فيه بالمسلمين وينطلقون منه للإفساد والتخريب ، وليثيروا بين المسلمين الفرقة والشك والاختلاف ، وليكون لهم ذريعة للاجتماع والتلاقي بين المنافقين والحاقدين الذين حاربوا الله ورسوله { من قبل } أي من قبل أن يتخذ هذا المسجد .
قوله : { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون } ليحلفن ، جواب قسم مقدر ؛ أي : والله ليحلفن . وقوله : { إن أردنا } جواب لقوله : { وليحلفن } .
وقوله : { إن } أداة نفي . ولذلك وقع بعدها { إلا } و { الحسنى } ، صفة لموصوف محذوف ؛ أي الخصلة الحسنى ، أو إلا لإرادة الحسنى ، وهي الصلاة{[1899]} .
هؤلاء المنافقون يحلفون ، كاذبين أنهم ما قصدوا من بناء هذا المسجد إلا الحسنى وهي الصلاة والتوسعة على أنفسهم وعلى الضعفاء والعجزة من الناس الذين يعجزون عن المسير إلى مسجد قباء لضعفهم وشدة المشقة عليهم في ذلك .
هكذا يحلف المنافقون ، وهم يعلمون أنهم كاذبون ؛ يحلفون أن قصدهم الخير والتوسعة لكن الله جل وجلاله ، هو علام الغيوب ، كاشف الأسرار والخبايا ، الخبير بما في القلوب من الخفايا { يشهد إنهم لكاذبون } وكفى بهذه الشهادة الكبرى من رب العالمين الشهادة التي تتضاءل دونها كل الشهادات ؛ شهادة ربانية مجلجلة تهتف بأن هؤلاء المنافقين كاذبون ، فهم في الحقيقة إنما يبتغون من بناء مسجدهم هذا إشاعة الظنون والاختلاف والفوضى بين المسلمين ليميتوا عليهم دينهم وليبددوه تبديدا . وهذا هو دأب المنافقين وديدنهم في كل زمان ؛ سواء في زمت التوبة المباركة والأزمنة المتعاقبة بعدها ؛ فالنفاق هو النفاق ؛ والمنافقون على حالهم وطبيعتهم من فساد الضمائر وخبث القلوب والمقاصد ، واشتداد الحسد والكراهية للإسلام والمسلمين .
والمنافقون وأعوانهم يلتئمون في كل زمان ليدبروا للمسلمين شر المكايد بكل الأساليب حتى وإن بلغ بهم سوء الكيد والتخطيط أن يصطنعوا للمسلمين مسجدا يستترون . فيخفون مكرهم ونفاقهم ، وليسلكوا من خلاله سبيل التربص بالمسلمين والطعن في دينهم .