روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

{ أَمْ يَقُولُونَ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يعني نوحاً عليه السلام أي بل أيقول قوم نوح أن نوحاً افترى ما جاء به مسنداً إلى الله تعالى عز وجل { قُلْ } يا نوح { إِنِ افتريته } بالفرض البحت .

/ { فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } أي وباله فهو على تقدير مضاف ، أو على التجوز بالسبب عن المسبب ، وفسر الإجرام بكسب الذنب وهو مصدر أجرم ، وجاء على قلة جرم ، ومن ذلك قوله

: طريد عشيرة ورهين ذنب *** بما ( جرمت ) يدي وجنى لساني

وقرىء { إِجْرَامِى } بفتح الهمزة على أنه كما قال النحاس : جمع جرم ، واستشكل العز بن عبد السلام الشرطية بأن الافتراء المفروض هنا ماض والشرط يخلص للاستقال بإجمال أئمة العرب ، وأجاب أن المراد كما قال ابن السراج إن ثبت أني افتريته فعلي إجرامي على ما قيل في قوله تعالى : { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ } [ المائدة : 116 ] { وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } أي من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي ، قيل : والأصل إن افتريته فعلى عقوبة افترائي ولكنه فرض محال وأنا برىء من افترائكم أي نسبتكم إياي إلى الافتراء ، وعدل عنه إدماجاً لكونهم مجرمين ، وأن المسألة معكوسة ، وحملت { مَا } على المصدرية لما في الموصولية من تكلف حذف العائد مع أن ذلك هو المناسب لقوله : { إِجْرَامِى } فيما قبل ، وما يقتضيه كلام ابن عباس من أن الآية من تتمة قصة نوح عليه السلام وفي شأنه هو الظاهر ، وعليه الجمهور ، وعن مقاتل أنها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة أي بل أيقول مشركو مكة افترى رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر نوح ، قيل : وكأنه إنما جىء به في تضاعيف القصة عند سوق طرف منها تحقيقاً لحقيقتها وتأكيداً لوقوعها وتشويقاً للسامعين إلى استماعها لا سيما وقد قص منها طائفة متعلقة بما جرى بينه عليه السلام وبين قومه من المحاجة ، وبقيت طائفة مستقلة متعلقة بعذابهم ، ولا يخفى أن القول بذلك بعيد وإن وجه بما وجه ، وقال في «الكشف » : إن كونها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم أظهر وأنسب من كونها من تتمة قصة نوح عليه السلام لأن { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } كالتكرير لقوله سبحانه : { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } دلالة على كمال العناد وأن مثله بعد الإتيان بالقصة على هذا الأسلوب المعجز مما لا ينبغي أن ينسب إلى افتراء فجاء زيادة إنكار على إنكار كأنه قيل : بل أمع هذا البيان أيضاً يقولون { افتراه } وهو نظير اعتراض قوله سبحانه في سورة العنكبوت : { وَإِن تُكَذّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } بين قصة إبراهيم عليه السلام في أحد الوجهين انتهى ، ولا أراه معولاً عليه .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

قوله تعالى : { أم يقولون افتراه } ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني نوحا عليه السلام . وقال مقاتل : يعني محمداً صلى الله عليه وسلم . { قل إن افتريته فعلي إجرامي } ، أي : إثمي ووبال جرمي . والإجرام : كسب الذنب . { وأنا بريء مما تجرمون } ، لا أؤاخذ بذنوبكم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ} (35)

قوله تعالى : { أم يقولن افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون } { أم } ، بمعنى بل والهمزة و { افتراه } من الافتراء وهو الاختلاق{[2085]} و { إجرامي } ، من الإجرام وهي الجناية ، أجرم : ارتكب جرما ؛ وجرم جرما أي ذنب ، واجترم الذنب : أي كسبه أو ارتكبه .

واختلف المفسرون في المراد بهذه الآية ، فقد قيل : إنها حكاية عن تكذيب المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ قالوا إن هذا القرآن قد افتراه محمد ! فأنكر الله مقالتهم بقوله : { أم يقولن افتراه } .

وقيل : الآية تحكي خبر المحاججة بين نوح وقومه ؛ إذ قالوا ، إن ما جاءهم به نوح مفترى . قال ابن عباس في ذلك : هو من محاورة نوح لقومه وهذا أظهر القولين ؛ لأنه ليس قبل ذلك ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه ، فالخطاب منهم ولهم . ثم أمر الله نوحا أن يرد مقالتهم { قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا برئ مما تجرمون } أي قل لهم : إن كان ما أقوله لكم اختلافا مني وتخريصا ؛ فعلي إثمي فيما أفتريه على ربي ، ولا تؤاخذون أنتم بذنبي ولا إثمي ، ولست أنا مؤاخذا بذنبكم ؛ بل أنا برئ مما تذنبون وتأثمون{[2086]} .


[2085]:مختار الصحاح ص 502 والمعجم الوسيط جـ 1 ص118.
[2086]:تفسير القرطبي جـ 9 ص 29 وفتح القدير جـ 2 ص 497.