روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ} (57)

{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات } هم خزاعة وكنانة كانوا يقولون : الملائكة بنات الله تعالى وكأنهم لجهلهم زعموا تأنيثها وبنوتها ، وقال الإمام : أظن أنهم أطلقوا عليها البنات لاستتارها عن العيون كالنساء ؛ ولهذا لما كان قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر أطلقوا عليه لفظ التأنيث .

ولا يرد على ذلك أن الجن كذلك لأنه لا يلزم في مثله الاطراد ، وقيل : أطلقوا عليها ذلك للاستتار مع كونها في محل لا تصل إليه الأغبار فهي كبنات الرجل اللاتي يغار عليهن فيسكنهن في محل أمين ومكان مكين ، والجن وإن كانوا مستترين لكن لا على هذه الصورة ، وهذا أولى مما ذكره الإمام ، وإما عدم التوالد فلا يناسب ذلك .

{ سبحانه } تنزيه وتقديس له تعالى شأنه عن مضمون قولهم ذلك أو تعجيب من جراءتهم على التفوه بمثل تلك العظيمة ، وهو في المعنى الأول حقيقة وفي الثاني مجاز .

{ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } يعني البنين و { مَا } مرفوع المحل على أنه مبتدأ والظرف المقدم خبره والجملة حالية وسبحانه اعتراض في حاق موقعه ؛ وجوز الفراء . والحوفي أنه في محل نصب معطوف على { البنات } كأنه قيل : ويجعلون لهم ما يشتهون . واعترض عليه الزجاج وغيره بأنه مخالف للقاعدة النحوية وهي أنه لا يجوز تعدي فعل المضمر المتصل المرفوع بالفاعلية وكذا الظاهر إلى ضميره المتصل سواء كان تعديه بنفسه أو بحرف الجر إلا في باب ظن وما ألحق به من فقد وعدم فلا يجوز زيد ضربه بمعنى ضرب نفسه ولا زيد مر به أن مر هو بنفسه ويجوز زيد ظنه قائماً وزيد فقده وعدمه فلو كان مكان الضمير إسماً ظاهراً( {[533]} ) كالنفس نحو زيد ضرب نفسه أو ضميراً منفصلاً نحو زيد ما ضرب إلا إياه وما ضرب زيد إلا إياه جاز ، فإذا عطف { مَا } على { البنات } أدى إلى تعدية فعل المضمر المتصل وهو واو { يَجْعَلُونَ } إلى ضميره المتصل وهو { هُمْ } المجرور باللام في غير ما استثنى وهو ممنوع عند البصريين ضعيف عند غيرهم فكان حقه أن يقال لأنفسهم وأجيب بأن الممتنع إنما هو تعدي الفعل بمعنى وقوعه عليه أو على ما جر بالحرف نحو زيد مر به فإن المرور واقع بزيد وما نحن فيه ليس من هذا القبيل فإن الجعل ليس واقعاً بالجاعلين بل بما يشتهون ، ومحصله كما قال الخفاجي المنع في المتعدي بنفسه مطلقاً والتفصيل في المتعدي بالحرف بين ما قصد الإيقاع عليه وغيره فيمتنع في الأول دون الثاني لعدم ألف إيقاع المرء بنفسه . وأبو حيان اعترض القاعدة بقوله تعالى : { وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة } [ مريم : 25 ] { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } [ القصص : 32 ] والعلامة البيضاوي أجاب بوجه آخر وهو أن الامتناع إنما هو إذا تعدى الفعل أولاً لا ثانياً وتبعاً فإنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع ، ومنهم من خص ذلك بالمتعدي بنفسه وجوز في المتعدي بالحرف كما هنا وارتضاه الشاطبي في شرح الألفية ، وقال الخفاجي : هو قوي عندي لكن لا يخفى أن العطف هنا بعد هذا القيل والقال يؤدي إلى جعل الجعل بمعنى يعم الزعم والاختيار .


[533]:- قوله اسما ظاهرا وقوله بعده أو ضميرا منفصلا كذا بخطه فليتأمل.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ} (57)

قوله تعالى : { ويجعلون لله البنات } ، وهم خزاعة وكنانة ، قالوا : الملائكة بنات الله تعالى . { سبحانه ولهم ما يشتهون } ، أي : ويجعلون لأنفسهم البنين الذين يشتهونهم ، فتكون " ما " في محل النصب ، ويجوز أن تكون على الابتداء ، فتكون " ما " في محل الرفع .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ} (57)

قوله : { ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون } ( سبحانه ) ، اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه . وما ، في موضع رفع على الابتداء ، وخبره ( لهم ) مقدم{[2545]} .

لقد كانت بعض قبائل العرب تقول : الملائكة بنات الله . لا جرم أن هذه المقالة غاية الضلال والباطل . ولذلك قال : ( سبحانه ) ، وهذا تعجيب من جهلهم القبيح الفاضح ، وهو وصفهم الملائكة المقربين بالأنوثة ، فضلا عن تنزيه الله لذاته عن نسبة الولد إليه . وهو عز وعلا المنزه عن نقائص المخلوقين وضعفهم .

قوله : ( ولهم ما يشتهون ) ، وهم البنون ؛ فقد كان العرب تفيض نفوسهم رغبة في الذكور ، وفي مقابل ذلك تفيض عيافة للإناث . لقد كانوا يعافون البنات ويكرهون ولادتهن ومقدمهن . كانوا لفرط سفههم وضلال عقولهم وشدة ظلمهم يبتئسون أشد الابتئاس ، ويستشعرون في أنفسهم بالغ الجراحة إذا ما رزقوا البنات .

هكذا كان الجاهليون العرب يتصورون . وهو تصور خاطئ وظالم وأثيم ، يراود أذهانا خالطها الفساد والمرض في مجتمع جاهلي ظلوم .

أما ميزان الإسلام فيما توزن به اعتبارات الناس ومقاديرهم ، فإنها هي العقيدة الكريمة السمحة . العقيدة التي بنيت على الإيمان بالله وإفراده بالإلهية دون غيره من المخاليق . يضاف إلى ذلك مزية العلم ؛ فإنه في ميزان الإسلام عظيم القدر ، بالغ الأهمية ، ويعزز هذه الحقيقة من اعتبار الإيمان والعلم قوله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) .

وعلى هذين الاعتبارين ، وهما الإيمان والعلم ، تعرف مقادير الناس ، لتتحقق لهم الكرامات والاعتبارات . فأيما إنسان أتقى وأعلم ؛ فهو في ميزان الإسلام خير وأفضل . يستوي في ذلك الذكر والأنثى . ولا يغني الإنسان كونه ذكرا إذا أبطأ به عمله ، فكان غير ذي علم ولا تُقى . ماذا تغنيه ذكورته إذا جاء ربه يوم القيامة خاليا من الهداية والطاعة والعلم . لا جرم إذ ذاك أن يُقذف به ليكون في زمرة الخاسرين الأشقياء الذين يساقون إلى جهنم . لكن المرأة الكريمة الفضلى ذات العقيدة والخلق ، فإنها تستوجب التكريم والاحترام في هذه الدنيا . وهي يوم القيامة في زمرة الآمنين الفائزين ، وهي من أهل النجاء والجنة .


[2545]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 79.