{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءياً }
وحاصله أن كثيراً ممن كان أعظم نعمة منكم في الدنيا كعاد وثمود وأضرابهم من الأمم العاتية قد أهلكهم الله تعالى فلو دل حصول نعمة الدنيا للإنسان على كونه مكرماً عند الله تعالى وجب أن لا يهلك أحداً من المتنعمين في الدنيا ، وفيه من التهديد والوعيد ما لا يخفى كأنه قيل فلينظر هؤلاء أيضاً مثل ذلك ، و { كَمْ } خبرية للتكثير مفعول { أَهْلَكْنَا } ، وقدمت لصدارتها ، وقيل : استفهامية والأول هو الظاهر و { مّن قَرْنٍ } بيان لإبهامها . والقرن أهل كل عصر ، وقد اختلف في مدته وهو من قرن الدابة سمي به لنقدمه ، ومنه قرن الشمس لأول ما يطلع منها . و { هُمْ أَحْسَنُ } في حيز النصب على ما ذهب إليه الزمخشري وتبعه أبو البقاء صفة لكم ورده أبو حيان بأنه قد صرح الأصحاب بأن كم سواء كان خبرية أو استفهامية لا توصف ولا يوصف بها ، وجعله صفة { قَرْنٍ } وضمير الجمع لاشتمال القرن على أفراد كثيرة ولو أفرد الضمير لكان عربياً أيضاً . ولا يرد عليه كما قال الخفاجي : كمن من رجل قام وكم من قرية هلكت بناء على أن الجار والمجرور يتعين تعلقه بمحذوف هو صفة لكم كما ادعى بعضهم أن الرضي أشار إليه لأنه يجوز في الجار والمجرور أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف والجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب فما ادعى غير مسلم عنده ، و { أَثَاثاً } تمييز وهو متاع البيت من الفرش والثياب وغيرها واحدها أثاثة ، وقيل : لا واحد لها وقيل : الأثاث ماجد من المتاع والخرثي ما قدم وبلى ، وأنشد الحسن بن علي الطوسي :
تقادم العهد من أم الوليد بنا *** دهراً وصار أثاث البيت خرثياً
والرئى المنظر كما قال ابن عباس . وغيره ، وهو فعل بمعنى مفعول من الرؤية كالطحن والسقي . وقرأ الزهري . وأبو جعفر . وشيبة . وطلحة في رواية الهمداني . وأيوب . وابن سعدان . وابن ذكوان . وقالون { ريا } بتشديد الياء من غير همز فاحتمل أن يكون من ذلك على قلب الهمزة ياء وإدغامها . واحتمل أن يكون من الري ضد العطش والمراد به النضارة والحسن . وقرأ أبو بكر في رواية الأعمش { ريئا } بياء ساكنة بعدها همزة وهو على القلب ووزنه فلعا ، وقرئ { رياء } بيداء بعدها ألف بعدها همزة حكاها اليزيدي . ومعناها كما في «الدر المصون » مراءاة بعضهم بعضاً .
وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { ريا } بحذف الهمزة والقصر فتجاسر بعض الناس وقال : هي لحز ، وليس كذلك بل خرجت على وجهين أحدهما أن يكون الأصل { ريا } بتشديد الياء فخفف بحذف إحدى الياءين وهي الثانية لأنها التي حصل بها الثقل ولأن الآخر محل التغيير وذلك كما حذفت في لاسيما . والثاني أن يكون الأصل { ريئا } بياء ساكنة بعدها همزة فنقلت حركة الهمزة إلى الياء ثم حذفت على القاعدة المعروفة .
وقرأ ابن عباس أيضاً . وابن جبير . ويزيد البربري . والأعصم المكي { زيا } بالزاي وتشديد الياء وهو المحاسن المجموعة يقال : زواه زيا بالفتح أي جمعه ، ويراد منه الأثاث أيضاً كما ذكره المبرد في قول الثقفي :
فأجابهم الله تعالى فقال : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً } أي : متاعاً وأموالاً . وقال مقاتل : لباساً وثياباً ، ( رؤيا ) ، قرأ أكثر القراء بالهمز ، أي : منظراً ، من الرؤية ، وقرأ ابن عامر ، و أبو جعفر ، ونافع غير ورش : ريا مشدداً بغير همز ، وله تفسيران : أحدهما هو الأول ، بطرح الهمز ، والثاني : من الري : الذي هو ضد العطش ، ومعناه : الارتواء من النعمة ، فإن المتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة ، والفقير يظهر عليه ذبول الفقر .
قوله : { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا } ( كم ) ، الخبرية مفعول مقدم للفعل ( أهلكنا ) {[2922]} . والرئي ، معناه المنظر . والقرن ، أهل كل زمان . و ( أثاثا ) أي أثاث البيت من الفرش ونحوها .
وهذا بيان من الله لمن يتعظ أو يتدبر كيلا تغره الحياة الدنيا ولا تفتنه المباهج والزينة والمتاع الزائل .
الله يبين لعباده أنه ما أكثر الأمم الغابرة ، والسابقين من الأجيال والأقوام الذين استغرقوا في الشهوات والزينة وأخذوا من خيرات الدنيا بحظوظ كثيرة ؛ فكانوا خيرا من هؤلاء المشركين في فاخر أثاثهم وحسن بيوتهم ومساكنهم وجمال هيئاتهم ومناظرهم ؛ لقد كانوا أحسن من هؤلاء المشركين فيما استمتعوا به من زينة الحياة الدنيا وما فيها من وجوه النعم الزائلة ، ثم صاروا بعد ذلك كله إلى الهلاك والفناء فأصبحت ديارهم خاوية ، وباتوا جميعا أثرا بعد عين . فماذا تغني الزينة والأموال والمفاخر المادية والشهوات بعد المصير المحقق المنتظر الذي يؤول إليه كل حي ، وهو الموت والفناء{[2923]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.