روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (85)

{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } نزلت في جماعة ارتدوا وكانوا اثني عشر رجلاً وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً ، منهم الحرث بن سويد الأنصاري ، والإسلام قيل : التوحيد والانقياد ، وقيل : شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام بين تعالى أن من تحرى بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم غير شريعته فهو غير مقبول منه ، وقبول الشيء هو الرضا به وإثابة فاعله عليه ، وانتصاب { دِينًا } على التمييز من { غَيْرِ } وهي مفعول { يَبْتَغِ } وجوز أن يكون { دِينًا } مفعول { يَبْتَغِ } و { غَيْرِ } صفة قدمت فصارت حالاً ، وقيل : هو بدل من { غَيْرَ الإسلام } والجمهور على إظهار الغينين ، وروي عن أبي عمرو الادغام ، وضعفه أبو البقاء بأن كسرة الغين الأولى تدل على الياء المحذوفة

{ وَهُوَ في الاخرة مِنَ * الخاسرين } إما معطوفة على جواب الشرط فتكون في محل جزم ، وإما في محل الحال من الضمير المجرور فتكون في محل نصب ، وإما مستأنفة فلا محل لها من الإعراب ، و { فِى الاخرة } متعلق بمحذوف يدل عليه ما بعده أي وهو خاسر في الآخرة أو متعلق بالخاسرين على/ أن الألف واللام ليست موصولة بل هي حرف تعريف ، والخسران في الآخرة ، هو حرمان الثواب وحصول العقاب ، وقيل : أصل الخسران ذهاب رأس المال ، والمراد به هنا تضييع ما جبل عليه من الفطرة السليمة المشار إليها في حديث «كل مولود يولد على الفطرة » وعدم الانتفاع بذلك وظهوره بتحقق ضده { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء : 88 ، 89 ] والتعبير بالخاسرين أبلغ من التعبير بخاسر كما أشرنا إليه فيما قبل وهو منزل منزلة اللازم ولذا ترك مفعوله ، والمعنى وهو من جملة الواقعين في الخسران واستدل بالآية على أن الإيمان هو الإسلام إذ لو كان غيره لم يقبل ، واللازم باطل بالضرورة فالملزوم مثله ، وأجيب بأن { فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } ينفي قبول كل دين يباين دين الإسلام والإيمان ، وإن كان { غَيْرَ الإسلام } لكنه لا يغاير دين الإسلام ، بل هو هو بحسب الذات ، وإن كان غيره بحسب المفهوم ، وذكر الإمام أن ظاهر هذه الآية يدل على عدم المغايرة ، وقوله تعالى : { قَالَتِ الاعراب ءامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } [ الحجرات : 14 ] يدل على المغايرة ، ووجه التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على العرف الشرعي ، والثانية على الوضع اللغوي .

ومن باب الإشارة :{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام } وهو التوحيد { دِينًا } له { فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ } لعدم وصوله إلى الحق لمكان الحجاب { وَهُوَ في الاخرة } ويوم القيامة الكبرى { مّنَ الخاسرين } [ آل عمران : 85 ] الذين خسروا أنفسهم

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (85)

قوله تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه } نزلت في اثني عشر رجلاً ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفاراً منهم الحارث بن سويد الأنصاري ، فنزل فيهم ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه ) .

قوله تعالى : { وهو في الآخرة من الخاسرين ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ} (85)

قوله تعالى : ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) يستدل من هذه الآية أن الدين ليس إلا الإسلام ، وأن كل دين سوى الإسلام فإنه غير مقبول عند الله . ووجه ذلك أن الإسلام مصدر الصلاح والصواب كله ، بل إنه أصل الكمال والاستقامة والتوازن جميعا . والإسلام في الحقيقة صورة مشرقة عن الجلال المنبعث من عند الله بما تستقيم عليه حال البشرية لكي تفوز في الدنيا والآخرة .

وإذا جيء بالأديان والنبيين السابقين على أحقاب متعاقبة من مراحل الزمن ، فقد ظلت البشرية تتناوبها الملل والشرائع المحدودة بما ينسجم كل واحد منها مع طور دون غيره من الأطوار ، فما يصلح لأمة أو مجتمع لا يصلح لغيره من الأمم والمجتمعات . وذلك هو مقتضى قوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) فهي شرائع شتى تتناسب كل شريعة منها مع طبيعة الحال للأمة في فترة من الفترات .

ولقد ظل الحال كذلك حتى جيء بالإسلام ، هذا الدين المنسجم المتكامل الذي تصلح عليه حياة الإنسان في كل الأحوال والأطوار والظروف ، وذلك لما يتجلى في شريعة الإسلام من الخصائص والمزايا ، ولما تنبني عليه من المقومات والحقائق بما يجعلها المنهج الكامل المتسق الوحيد الذي يصلح لكل مكان وزمان .

وعلى هذا ليس لأحد البتة أن يبتغي غير ملة الإسلام ملة من الملل ، وأيما ابتغاء كهذا فهو الجحود والكفران ، بل إنه الضلال والعتو والتمرد على منهج الله ، التمرد الذي يكشف عن اعوجاج في التصور الزائغ ، أو جهل مطبق يغشى العقل فيحول بينه وبين التمييز والتمحيص . فلا يبتغي أحد دينا غير دين الإسلام إلا كان مسعاه غير مقبول ، ولسوف يبوء في الآخرة بالمهانة والارتكاس . وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه

وسلم قال : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " {[511]} .


[511]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 379.