{ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أي كان عنده عليه السلام من الخير ما كان عند أمة وهي الجماعة الكثيرة ، فإطلاقها عليه عليه السلام لاستجماعه كمالات لا تكاد توجد إلا متفرقة في أمة جمة :
وليس على الله بمستنكر . . . أن يجمع العالم في واحد
وهو صلى الله عليه وسلم رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي نصب أدلة التوحيد ورفع أعلامها وخفض رايات الشرك وجزم ببواتر الحجج هامها ، وقال مجاهد : سمي عليه السلام أمة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما ، وفي «صحيح البخاري » أنه عليه السلام قال لسارة : ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك ، وذكر في «القاموس » أن من معاني الأمة من هو على الحق مخالف لسائر الأديان ، والظاهر أنه مجاز بجعله كأنه جميع ذلك العصر لأن الكفرة بمنزلة العدم ، وقيل : الأمة هنا فعلة بمعنى مفعول كالرحلة بمعنى المرحول إليه ، والنخبة بمعنى المنتخب من أمه إذا قصده أو اقتدى به أي كان مأموماً أو مؤتماً به فإن الناس كانوا يقصدونه للاستفادة ويقتدون بسيرته .
وقال ابن الأنباري : هذا مثل قول العرب : فلان رحمة وعلامة ونسابة يقصدون بالتأنيث التناهي في المعنى الموصوف به . وإيراد ذكره عليه السلام عقيب تزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحل الله تعالى للإيذان بأن حقية دين الإسلام وبطلان الشرك وفروعه أمر ثابت لا ريب فيه . وفي ذلك أيضاً رد لقريش حيث يزعمون أنهم على دينه ، وقيل : إنه تعالى لما بين حال المشركين وأجرى ذكر اليهود بين طريقة إبراهيم عليه السلام ليظهر الفرق بين حاله وحال المشركين وحال اليهود { قانتا لِلَّهِ } مطيعاً له سبحانه قائماً بأمره تعالى { حَنِيفاً } مائلاً عن كل دين باطل إلى الدين الحق غير زائل عنه .
{ وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين } في أمر من أمور دينهم أصلاً وفرعاً ، صرح بذلك مع ظهوره قيل : رداً على كفار قريش في قولهم : نحن على ملة أبينا إبراهيم ، وقيل : لذلك وللرد على اليهود المشركين بقولهم : { عُزَيْرابن الله } [ التوبة : 30 ] في افترائهم وزعمهم أنه عليه السلام كان على ما هم عليه كقوله تعالى : { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } [ آل عمران : 67 ] إذ به ينتظم أمر إيراد التحريم والسبت سابقاً ولاحقاً .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } لاجتماع ما تفرق في غيره من الصفات الكاملة فيه وكذا كل نبي ولذا جاء في الخبر على ما قيل لو وزنت بأمتي لرجحت بهم { قانتا لِلَّهِ } مطيعا له سبحانه على أكمل وجه { حَنِيفاً } مائلا عن كل ما سواه تعالى { ولم يكن مِنَ المشركين } [ النحل : 120 ] بنسبة شيء إلى غيره سبحانه { شاكرا } لا نعمه مستعملا لها على ما ينبغي
قوله تعالى : { إن إبراهيم كان أمةً } ، قال ابن مسعود : الأمة ، معلم الخير ، أي : كان معلماً للخير ، يأتم به أهل الدنيا ، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة . قال مجاهد : كان مؤمناً وحده ، والناس كلهم كفار . قال قتادة : ليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضونه . { قانتاً لله } ، مطيعاً له ، وقيل : قائماً بأوامر الله تعالى ، { حنيفاً } ، مسلماً مستقيماً على دين الإسلام . وقيل : مخلصاً { ولم يك من المشركين } .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف خليله ابراهيم - عليه السلام - بجملة من الصفات الفاضلة . والمناقب الحميدة .
وصفه أولا - بأنه { كان أمة } .
ولفظ { أمة } يطلق فى اللغة بإطلاقات متعددة ، منها : الجماعة ، كما فى قوله - تعالى - : { وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ الناس يَسْقُونَ } أى : جماعة من الناس . . .
ومنها : الدين والملة ، كما فى قوله - تعالى - { إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ . . } أى : على دين وملة .
ومنها : الحين والزمان كما فى قوله - سبحانه - : { وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } أى : إلى زمان معين .
والمراد بقوله - سبحانه - : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً . . } أى : كان عنده من الخير ما كان عند أمة ، أى جماعة كثيرة من الناس ، وهذا التفسير مروى عن ابن عباس .
وقال مجاهد : سمى - عليه السلام - أمة لانفراده بالإِيمان فى وقته مدة ما .
وفى صحيح البخارى أنه قال لزوجته سارة : ليس على الأرض اليوم مؤمن غيرى وغيرك .
ويصح أن يكون المراد بقوله - تعالى - : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً . . } أى : كان إماما يقتدى به فى وجوه الطاعات . وفى ألوان الخيرات ، وفى الأعمال الصالحات ، وفى إرشاد الناس إلى أنواع البر ، قال - تعالى - : { وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً . . } ووصفه ثانيا - بأنه كان { قانتا لله } أى مطيعا لله ، خاضعا لأوامره ونواهيه ، من القنوت وهو الطاعة مع الخضوع .
ووصفه - ثالثا - بأنه كان ، حنيفا ، أى : مائلا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق . من الحنف بمعنى الميل والاعوجاج ، يقال : فلان برجله حنف أى اعوجاج وميل .
ومنه قول أم الأحنف بن قيس وهى تداعبه :
والله لولا حنف برجله . . . ما كان فى فتيانكم من مثله
ووصفه - رابعا - بأنه منزه عن الإِشراك بالله - تعالى - فقال : { وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين } .
أى : ولم يكن ابراهيم - عليه السلام - من الذين أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة أو الطاعة ، أو فى أى من الأمور ، بل أخلص عبادته لخالقه - عز وجل - .
وقال - كما حكى القرآن عنه - : { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.