روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (110)

{ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ } أي بناؤهم الذي بنوه ، فالبنيان مصدر أريد به المفعول كما مر ، ووصفه بالمفرد ما يرد على مدعي الجمعية وكذا الأخبار عنه بقوله سبحانه : { رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } واحتمال تقدير مضاف وجعل الصفة وكذا الخبر له خلاف الظاهر . نعم قيل : الأخبار بريبة لا دليل فيه على عدم الجمعية لأنه يقال : الحيطان منهدمة والجبال راسية ؛ وجوز بعضهم كون البنيان باقياً على المصدرية و { الذى } مفعوله ، والريبة اسم من الريب بمعنى الشك وبذلك فسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمراد به شكهم في نبوته صلى الله عليه وسلم المضمر في قلوبهم وهو عين النفاق ، وجعل بنيانهم نفس الريبة للمبالغة في كونه سبباً لها . قال الإمام : وفي ذلك وجوه .

أحدها أن المنافقين عظم فرحهم ببنيانه فلما أمر بتخريبه ثقل عليهم وازداد غيظهم وارتيابهم في نبوته صلى الله عليه وسلم . وثانيها أنه لما أمر بتخريبه ظنوا أن ذلك للحسد فارتفع أمانهم عنه صلى الله عليه وسلم وعظم خوفهم فارتابوا في أنهم هل يتركون على حالهم أو يؤمر بقتلهم ونهب أموالهم . وثالثها أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء فلما أمر بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بذلك والصحيح هو الأول . ويمكن كما قال العلامة الطيبي أن يرجح الثاني بأن تحمل الريبة على أصل موضوعها ويراد منها قلق النفس واضطرابها .

وحاصل المعنى لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سبباً للقلق والاضطراب والوجل في القلوب ووصف بنيانهم بما وصف للإيذان بكيفية بنائهم له وتأسيسه على ما عليه تأسيسه مما علمت وللأشعاء بعلة الحكم ، وقيل : وصف بذلك للدلالة على أن المراد بالبنيان ما هو المبني حقيقة لا ما دبروه من الأمور فإن البناء قد يطلق على تدبير الأمر وتقديره كما في قولهم كم أبني وتهدم وعليه قوله :

متى يبلغ البنيان يوماً تمامه *** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

وحاصله أن الوصف للتأكيد وفائدته دفع المجاز ، وهذا نظير ما قالوا في قوله سبحانه : { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً } [ النساء : 164 ] وفيه بحث .

والاستثناء في قوله تعالى : { إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } من أعم الأوقات أو أعم الأحوال وما بعد إلا في محل النصب على الظرفية أي لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا وقت تقطع قلوبهم أو في كل حال إلا حال تقطعها أي تفرقها وخروجها عن قابلية الإدراك وهذا كناية عن تمكن الريبة في قلوبهم التي هي محل الإدراك وإضمار الشرك بحيث لا يزوب منها ما داموا أحياء إلا إذا تقطعت وفرقت وحينئذ تخرج منها الريبة وتزول ، وهو خارج مخرج التصوير والفرض ، وقيل : المراد بالتقطع ما هو كائن بالموت من تفرق أجزاء البدن حقيقة وروي ذلك عن بعض السلف .

وأخرج ابن المنذر . وغيره عن أيوب قال : كان عكرمة يقرأ { إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ * } فِى القبور وقيل : المراد إلا أن يتوبوا ويندموا ندامة عظيمة تفتت قلوبهم وأكبادهم فالتقطع كناية أو مجاز عن شدة الأسف . وروى ذلك ابن أبي حاتم عن سفيان ، وتقطع من التفعل بإحدى التاءين والبناء للفاعل أي تتقطع . وقرىء { تُقَطَّعَ } على بناء الجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل منه على أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تقطع أنت قلوبهم بالقتل ، وقرىء على البناء للمفعول من الثلاثي مذكراً ومؤنثاً .

وقرأ الحسن { إلى أَن * تُقَطَّعَ } على الخطاب ، وفي قراءة عبد الله { وَلَوْ * قُطّعَتْ * قُلُوبِهِمْ } على إسناد الفعل مجهولاً إلى قلوبهم . وعن طلحة ولو قطعت قلوبهم على خطاب رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ويصح أن يعني بالخطاب كل مخاطب ، وكذا يصح أن يجعل ضمير تقطع مع نصب قلوبهم للريبة { والله عَلِيمٌ } بجميع الأشياء التي من جملتها ما ذكر من أحوالهم { حَكِيمٌ } في جميع أفعاله التي من جملتها أمره سبحانه الوارد في حقهم .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (110)

قوله تعالى : { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبةً } ، أي : شكاً ونفاقا ، { في قلوبهم } ، يحسبون أنهم كانوا في بنيانه محسنين كما حبب العجل إلى قوم موسى . قال ابن عباس رضي الله عنهما . وقال الكلبي : حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه . وقال السدي : لا يزال هدم بنائهم ريبة وحزازة وغيظاً في قلوبهم .

قوله تعالى : { إلا أن تقطع قلوبهم } ، أي : تتصدع قلوبهم فيموتوا . قرأ ابن عامر ، وأبو جعفر ، وحمزة ، وحفص : " تقطع " بفتح التاء أي : تتقطع . والآخرون بضمها . وقرأ يعقوب وحده : ( إلى أن ) خفيف ، على الغاية ، " تقطع " بضم التاء ، خفيف ، من القطع يدل عليه تفسير الضحاك وقتادة : لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا . { والله عليم حكيم } .