{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } وهم مشركو العرب { لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرءان وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ } أي من الكتب القديمة كما روي عن قتادة . والسدي . وابن جريج ، ومرادهم نفي الإيمان بجميع ما يدل على البعث من الكتب السماوية المتضمنة لذلك ؛ ويروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أنهم يجدون صفته عليه الصلاة والسلام في كتبهم فأغضبهم ذلك فقالوا ما قالوا ، وضعف بأنه ليس في السياق والسباق ما يدل عليه ، وقيل الذي بين يديه القيامة .
وخطأ ابن عطية قائله بأن ما بين اليد في اللغة المتقدم . وتعقب بأنه قد يراد به ما مضى وقد يراد به ما سيأتي .
نعم يضعف ذلك أن ما بين يدي الشيء يكون من جنسه لكن محصل كلامهم على هذا أنهم لم يؤمنوا بالقرآن ولا بما دل عليه ، وأما ادعاء أن الأكثر كونه لما مضى فقد قيل أيضاً إنه غير مسلم ، وحكى الطبرسي أن المراد بالذين كفروا اليهود وحينئذ يراد بما بين يديه الإنجيل ، ولا يخفى أن هذا القول مما لا ينبغي أن يلتفت إليه وليس في السباق والسياق ما يدل عليه { وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ } الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واقف عليه ، ومفعول { تَرَى } إذ أو محذوف و { إِذْ } ظرف له أي أي حال الظالمين و { لَوْ } للتمني مصروفاً إلى غيره تعالى لا جواب لها أو هو مقدر أي لرأيت أمراً فظيعاً أو نحوه ، و { الظالمون } ظاهر وضع موضع الضمير للتسجيل وبيان علة استحقاقهم ، والأصل ولو ترى إذ هم موقوفون عند ربهم أي في موقف المحاسبة { يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول } أي يتحاورون ويتراجعون القول ، والجملة في موضع الحال ، وقوله تعالى : { يَقُولُ الذين استضعفوا } استئناف لبيان تلك المحاورة أو بدل من { يُرْجَعُ } الخ أي يقول الأتباع { لِلَّذِينَ استكبروا } في الدنيا واستتبعوهم في الغي والضلال { لَوْلاَ أَنتُمْ } صددتمونا عن الهدى { لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
{ ولا بالذي بين يديه } : أي من الكتب السابقة وهي التوراة والإِنجيل .
{ يرجع بعضهم إلى بعض القول } : أي يقول الاتباع كذا ويرد عليهم المتبوعون بكذا وهو المبيّن في الآيات .
ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والبعث والجزاء فيخبر تعالى فيقول : { وقال الذين كفروا } أي من مشركي مكة قالوا للرسول والمؤمنين لن نؤمن بهذا القرآن الذي أنزل على محمد ، ولا بالذي أنزل على من تقدمه من الأنبياء كالتوراة والإِنجيل ، وذلك لما احتُجَّ عليهم بتقرير التوراة والإِنجيل للتوحيد والنُّبوات والبعث والجزاء قالوا لن نُؤمن بالجميع عناداً ومكابرة وجحوداً وظلما . ولازم هذا أنهم ظلمة معاندون ومن باب دعوتهم إلى الهدى ستعرض الآيات لهم حالهم يوم القيامة فيقول تعالى لرسوله وهم يسمعون { ولو ترى } يا رسولنا { إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول } أي يتحاورون متلاومين . يقول الذين استُعفوا وهم الفقراء المرءوسون الذين كانوا أتباعاً لكبرائهم وأغنيائهم ، يقولون للذين استكبروا عليهم في الدنيا : لولا أنتم أي صرفتموها عن الإِيمان واتباع الرسول لكنا مؤمنين فيرد عليهم الكبراء بما أخبر تعالى عنهم في قوله : { قال الذين استكبروا للذين استضعفوا : أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم } .
قوله تعالى :{ وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } يعني : التوراة والإنجيل ، { ولو ترى } يا محمد ، { إذ الظالمون موقوفون } محبوسون ، { عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول } يرد بعضهم إلى بعض القول في الجدال ، { يقول الذين استضعفوا } استحقروا وهم الأتباع ، { للذين استكبروا } وهم القادة والأشراف ، { لولا أنتم لكنا مؤمنين } أي : أنتم منعتمونا عن الإيمان بالله ورسوله .
ثم حكى - سبحانه - بعض الأقوال الباطلة التى قالها المشركون فى شأن القرآن الكريم ، وصور أحوالهم السيئة يوم العرض والحساب ، وكيف أن كل فريق منهم صار يلقى التبعة على غيره ، قال - تعالى - : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ . . . هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } .
والمراد بالذى بين يديه فى قوله - تعالى - : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرآن وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ } الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإِنجيل .
قالوا : وذلك لأن المشركين سألوا بعض أهل الكتاب ، عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروهم بأن صفاته فى التوراة والإِنجيل ، فغضبوا وقالوا ما قالوا . .
أى : وقال الذين كفروا بإصرار وعناد وجحود لكل ما هو حق : قالوا لن نؤمن بهذا القرآن الذى جئت به يا محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربك ، ولا نؤمن - أيضا - بالكتب السماوية الأخرى التى تؤيد أنك رسول من عند الله - تعالى - فالآية الكريمة تحكى ما جبل عليه هؤلاء الكافرون من تصميم على الباطل ، ومن نبذ للحق مهما تعددت مصادره .
قال الإِمام الرازى : لما بين - سبحانه - الأمور الثلاثة ، من التوحيد والرسالة والحشر ، وكانوا بالكل كافرين ، بيَّن كفرهم العام بقوله : { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرآن وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ } وقوله : { وَلاَ بالذي بَيْنَ يَدَيْهِ } المشهور أنه التوراة والإِنجيل ، وعلى هذا فالمراد بالذين كفروا ، المشركون المنكرون للنبوات والحشر .
ويحتمل أن يكون المعنى ، لن نؤمن بهذا القرآن ولا بما فيه من الأخبار والآيات والدلائل فيكون المراد بالذى بين يديه ما اشتمل عليه من أخبار وأحكام - ويكون المراد بالذين كفروا عموم الكافرين بما فيهم أهل الكتاب لأن الجميع لا يؤمن بالقرآن ولا بما اشتمل عليه .
وقوله - تعالى - : { وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول } بيان لأحواله السيئة يوم القيامة ، ولإِصرارهم على الكفر .
و { لَوْ } شرطية ، وجوابها محذوف كما أن مفعول { ترى } محذوف أيضا و { مَوْقُوفُونَ } أى محبوسون للحساب يوم القيامة .
يقال : وقفت الرجل عن فعل هذا الشئ ، إذا منعته وحجزته عن فعله .
أى : ولو ترى - أيها المخاطب - حال الظالمين وقت احتباسهم عند ربهم يوم القيامة ، وهم يتحاورون ويتجادلون فيما بينهم بالأقوال السيئة وكل فريق ، يلقى التبعة على غيره .
لو ترى ذلك لرأيت أمرا عجيبا ، وحالا فظيعة ، تنفطر لها القلوب ، وترتعد من هولها النفوس .
والتعبير بقوله - سبحانه - : { مَوْقُوفُونَ } يشعر بذلتهم وبؤسهم ، فهم محبوسون للحاسب على غير إرادة منهم ، كما يحبس المجرم فى سجنه انتظارا لمصيره السيئ .
وقوله : { عِندَ رَبِّهِمْ } تبكيت وتوبيخ لهم ، على ما كانوا يفعلونه فى الدنيا من إنكار لليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وحساب .
وقوله - سبحانه - : { يَقُولُ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } تفصيل لجانب من محارواتهم فيما بينهم ، ولما كانوا يراجعون فيه القول بعضهم مع بعض .
والمراد بالذين استضعفوا : الأتباع والعامة من الناس ، والمراد بالذين استكبروا : الزعماء والقادة والرؤساء .
أى : يقول الأتباع من الكافرين لقادتهم ورؤسائهم بغيظ وحسرة ، لولا أنتم منعتمونا عن اتباع الحق لكنا مؤمنين به ، ومتبعين لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
إنهم يقولون لهم فى موقف الحساب يوم القيامة ، ما كانوا عاجزين عن قوله فى الدنيا . عندما كانوا مستذلين لهم ، وخاضعين لسلطانهم .