{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا } عطف على قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ وسليمان عِلْماً } [ النمل : 15 ] مسوق لما سيق هو له ، واللام واقعة في جواب قسم محذوف أي وبالله لقد أرسلنا { إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا } وإنما أقسم على ذلك اعتناء بشأن الحكم ، و { صالحا } بدل من { أخاهم } أو عطف بياني ، وأن في قوله تعالى : { أَنِ اعبدوا الله } مفسرة لما في الإرسال من معنى القول دون حروفه .
وجوز كونها مصدرية حذف منها حرف الجر أي بأن ، وقيل لأن ووصلها بالأمر جائز لا ضير فيه كما مر .
/ وقرئ بضم النون اتباعاً لها للباء { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } أي فأجأ ارسالنا تفرقهم واختصامهم فآمن فريق وكفر فريق وكان ما حكى الله تعالى في محل آخر بقوله سبحانه : { قَالَ الملا الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ } [ الأعراف : 75 ] الآية . فإذا فجائية والعامل فيها مقدر لا { يَخْتَصِمُونَ } خلافاً لأبي البقاء لأنه صفة «فريقان » كما قال ومعمول الصفة لا يتقدم على الموصوف ، وقيل : هذا حيث لا يكون المعمول ظرفاً ، وضمير «يختصمون » لمجموع الفريقين ولم يقل يختصمان للفاصلة ، ويوهم كملا بعضهم أن الجملة خبر ثان وهو كما ترى ، و «هم » راجع إلى ثمود لأنه اسم للقبيلة ، وقيل : إلى هؤلاء المذكورين ليشمل صالحاً عليه السلام والفريقان حينئذ أحدهما صالح وحده وثانيهما قومه .
والحامل على هذا كما ذكره ابن عادل العطف بالفاء فإنها تؤذن أنهم عقيب الإرسال بلا مهلة صاروا فريقين ولا يصير قومه عليه السلام فريقين إلا بعد زمان . وفيه أنه يأباه قوله تعالى : { اطيرنا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } [ النمل : 47 ] وتعقيب كل شيء بحسبه على أنه يجوز كون الفاء لمجرد الترتيب . ولعل فريق الكفرة أكثر ولذا ناداهم بقوله يا قوم كما حكى عنه في قوله تعالى : { قَالَ يَا قَوْمٌ }
{ أن اعبدوا } : أي بأن اعبدوا الله .
{ فريقان يختصمون } : أي طائفتان مؤمنة موحدة وكافرة مشركة يختصمون .
قوله تعالى { ولقد أرسلنا } هذا بداية قصص صالح عليه السلام مع قومه ثمود لما ذكر تعالى قصص سليمان مع بلقيس ذكر قصص صالح مع ثمود وذلك تقريراً لنبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ووضع المشركين من قريش أمام أحداث تاريخية تمثيل حالهم مع نبيهم لعلهم يذكرون فيؤمنوا قال تعالى { ولقد أرسلنا إلى ثمود } أي قبيلة ثمود { أخاهم } أي في النسب { صالحاً أن اعبدوا } أي قال لهم اعبدوا الله أي وحدوه { فإذا هم فريقان } موحدون ومشركون { يختصمون } فريق يدعو إلى عبادة الله وحده وفريق يدعو إلى عبادة الأوثان مع الله وشأن التعارض أن يحدث التخاصم كل فريق يريد أن يخصم الفريق الآخر . وطالبوا صالحاً بالآيات { وقالوا ائتنا بما تعدنا } أي من العذاب { إن كنت من الصادقين } في أنك رسول إلينا مثل الرسل فرد عليهم وقال { يا قوم لم تستعجلون بالسيئة } .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) }
ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا : أن وحِّدوا الله ، ولا تجعلوا معه إلهًا آخر ، فلما أتاهم صالحٌ داعيًا إلى توحيد الله وعبادته وحده صار قومه فريقين : أحدهما مؤمن به ، والآخر كافر بدعوته ، وكل منهم يزعم أن الحق معه .
قوله - سبحانه - : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً . . } معطوف على قوله - تعالى - : { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } وللام فى قوله { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ . . } جواب لقسم محذوف ، و { ثَمُودَ } اسم للقبيلة التى منها صالح - عليه السلام - ، سميت باسم جدها ثمود . وقيل : سميت بذلك لقلة مائها ، لأن الثمد هو الماء القليل .
وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، وهو مكان بين الحجاز والشام ، ومازلت مساكنهم تعرف بمدائن صالح إلى اليوم . وقد مر النبى صلى الله عليه وسلم بديارهم ، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك ، سنة تسع بعد الهجرة .
وصالح - عليه السلام - هو نبيهم ، وكان واحدا منهم ، وينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - وقبيلة ثمود تسمى عادا الثانية ، أما قبيلة عاد فتسمى عادا الأولى ، ونبيهم هود - عليه السلام - قالوا : وكان بين القبيلتين زهاء مائة عام .
والمعنى : وبالله لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود ، أخاهم صالحا - عليه السلام - ، فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه : { أَنِ اعبدوا الله } - تعالى - وحده ، ولا تشركوا معه آلهة أخرى .
و " إذا " فى قوله - تعالى - : { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } هى الفجائية و { يَخْتَصِمُونَ } من المخاصمة بمعنى المجادلة والمنازعة .
أى : أرسلنا نبينا صالحا إلى قومه ، فكانت المفاجأة أن انقسم قومه إلى قسمين : قسم آمن به - وهم الأقلون - ، وقسم كفر به - وهم الأكثرون .
وهذه الخصومة بين الفريقين ، قد أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى - : { قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الذين استكبروا إِنَّا بالذي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ }
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.