روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا} (39)

{ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ } أي ما الذي عليهم ، أو أي وبال وضرر يحيق بهم . { لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الاخر وَأَنفَقُواْ } على من ذكر من الطوائف ابتغاء وجه الله تعالى كما يشعر به السياق ويفهمه الكلام { مِمَّا رَزَقَهُمُ الله } من الأموال ، وليس المراد السؤال عن الضرر المترتب على الإيمان والإنفاق في سبيل الله تعالى كما هو الظاهر إذ لا ضرر في ذلك ليسأل عنه بل المراد توبيخهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه ، وتحريضهم على صرف الفكر لتحصيل الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما في ذلك مما هو أجدى من تفاريق العصا ، وتنبيههم على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب احتياطاً ، فكيف إذا تدفقت منه المنافعا وهذا أسلوب بديع كثيراً ما استعملته العرب في كلامها ، ومن ذلك قول من قال :

ما كان ضرك لو مننت وربما *** منّ الفتى وهو المغيظ المحنق

وفي الكلام رد على الجبرية إذ لا يقال مثل ذلك لمن لا اختيار له ولا تأثير أصلاً في الفعل ، ألا ترى أن من قال للأعمى : ماذا عليك لو كنت بصيراً ؟ وللقصير ماذا عليك لو كنت طويلاً ؟ نسب إلى ما يكره . واستدل به القائلون بجواز إيمان المقلد أيضاً لأنه مشعر بأن الإيمان في غاية السهولة ، ولو كان الاستدلال واجباً لكان في غاية الصعوبة ، وأجيب بعد تسليم الإشعار بأن الصعوبة في التفاصيل وليست واجبة وأما الدلائل على سبيل الإجمال فسهلة وهي الواجبة ، و { لَوْ } إما على بابها والكلام محمول على المعنى أي لو آمنوا لم يضرهم وإما بمعنى أن المصدرية كما قال أبو البقاء وعلى الوجهين لا استئناف . وجوز أن تكون الجملة مستأنفة وجوابها مقدر أي حصلت لهم السعادة ونحوه ، وإنما قدم الإيمان ههنا وأخر في الآية المتقدمة لأنه ثمة ذكر لتعليل ما قبله من وقوع مصارفهم في دنياهم في غير محلها ، وهنا للتحريض فينبغي أن يبدأ فيه بالأهم فالأهم ، ولو قيل : أخر الإيمان هناك وقدم الإنفاق لأن ذلك الإنفاق كان بمعنى الإسراف الذي هو عديل البخل فأخر الإيمان لئلا يكون فاصلاً بين العديلين لكان له وجه لا سيما إذا قلنا بالعطف . { وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً } خبر يتضمن وعيداً وتنبيهاً على سوء بواطنهم ، وأنه تعالى مطلع على ما أخفوه في أنفسهم فيجازيهم به ، وقيل : فيه إشارة إلى إثابته تعالى إياهم لو كانوا آمنوا وأنفقوا ، ولا بأس بأن يراد كان عليماً بهم وبأحوالهم المحققة والمفروضة فيعاقب على الأولى ويثيب على الثانية كما ينبىء عن ذلك قوله تعالى :

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ } ما كان يضرهم { لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الآخر } فصدقوا بالتوحيد والفناء فيه { وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله } ولم يروا كمالاً لأنفسهم { وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً } [ النساء : 39 ] فيجازيهم بالبقاء بعد الفناء

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا} (39)

شرح الكلمات

{ وماذا عليهم } : أي أي شيء يضرهم أو ينالهم بمكروه إذا هُمْ آمنوا ؟

المعنى :

وهي قوله تعالى : { ماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ؟ ؟ } فقد تضمنت الإنكار والتوبيخ لأولئك المنافقين الذين ينفقون رياء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر بسبب فتنة الشيطان لهم وملازمته إياهم ، فقال تعالى : { وماذا عليهم } أي أي شيء يضرهم أو أي أذى يلحقهم في العاجل أو الآجل ، لو صدقوا الله ورسوله وأنفقوا في سبيل الله مما رزقهم الله ، وفي الخطاب دعوة ربانية لهم لتصحيح إيمانهم واستقامتهم بالخروج من دائرة النفاق التي أوقعهم فيها القرين عليه لعائن الله ، فلذا لم يذكر تعالى وعيدا لهم ، وإنما قال { وكان الله بهم عليما } وفي هذه تخويف لهم من سوء حالهم إذا استمروا على نفاقهم فإن علم الله بهم يستو جب الضرب على أيديهم إن لم يتوبوا .