روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (62)

ثم إنه تعالى لما عمم وعده ووعيده في حق كافة من أطاع وعصى أتبعه سبحانه بشرح أحوال أوليائه تعالى المخلصين فقال عز من قائل :{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وفي ارشاد العقل السليم أنه بيان على وجه التبشير والوعد لما هو نتيجة لأعمال المؤمنين وغاية لما ذكر قبله من كونه سبحانه مهيمناً على نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته في كل ما يأتون ويذرون وإحاطة علمه جل وعلا بعد ما أشير إلى فظاعة حال المفترين على الله تعالى يوم القيامة وما سيعتريهم من الهول إشارة إجمالية على طريق التهديد والوعيد ، وصدرت الجملة بحرف التنبيه والتحقيق لزيادة تقرير مضمونها ، والأولياء جمع ولي من الولي بمعنى القرب والدنو يقال : تباعد بعد ولي أي قرب ، والمراد بهم خلص المؤمنين لقربهم الروحاني منه سبحانه كما يفصح عنه تفسيرهم الآتي ، ويفسر الولي بالمحب وبين المعنيين تلازم ، وسيأتي تمام الكلام على ذلك قريباً إن شاء الله تعالى ، وجاء بمعنى النصير ويشير كلام البعض إلى صحة اعتبار هذا المعنى هنا ، والمراد من الجملتين المنفيتين المتعاطفتين دوام انتفاء مدلولهما كما مر تحقيقه غير مرة ، قيل : والمعنى لا خوف عليه من لحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات مطلوب في جميع الأوقات أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك أصلاً لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوف وحزن أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرور ، كيف لا واستشعار الخوف استعظاماً لجلال الله تعالى واستقصاراً للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين بل كلما ازداد العبد قرباً من ربه سبحانه ازداد خوفاً وخشية منه سبحانه ، ويرشد إلى ذلك غير ما خبر وقوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } [ فاطر : 28 ] وإنما لا يعتريهم ذلك لأن مقصدهم ليس إلا الله تعالى ونيل رضوانه المستتبع للكرامة والزلفى وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمال لفواته بموجب الوعد الإلهي ، وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيوية المترددة بين الحصول والفوات فهي عندهم أحقر من ذبالة( {[318]} ) عن الحجاج بل الدنيا بأسرها في اعينهم أقذر من ذراع خنزير ميت بال عليه كلب في يد مجذوم فهيهات أن تنتظم في سلك مقصدهم وجوداً وعدماً حتى يخافوا من حصول ضارها أو يحزنوا من فوات نافعها .

وقيل : المراد بانتفاء الخوف والحزن أمنهم من ذلك يوم القيامة بعد تحقق مالهم من القرب والسعادة وإلا فالخوف والحزن يعرضان لهم قبل ذلك سواء كان سببهما دنيوياً أو أخروياً ، ولا يجوز أن يراد أمنهم مما ذكر في الدنيا أو فيما يعمها والآخرة لأن في ذلك أمناً من مكر الله تعالى ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وهذا مبني على أن الخوف المنفي مسند إليهم وليس بالمتعين ، فقد ذهب بعض الجلة إلى أنه مسند إلى غيرهم أي غيرهم لا يخاف عليهم ولا يلزم من ذلك أنهم لا يخافون ليجيء حديث لزوم الأمن ، وجعل ذلك نكتة اختلاف أسلوب الجملتين ، والعدول عن لا هم يخافون الأنسب بلا هم يحزنون إلى ما في النظم الجليل ، وقد يقال : إذا كان المراد أنهم لا يعتريهم ما يوجب الخوف والحزن لا يبقى لحديث لزوم الأمن من مكر الله تعالى مجال على ما لا يخفى على المتدبر لكن لا يظهر عليه نكتة اختلاف أسلوب الجملتين وكونها اختلاف شأن الخوف والحزن بشيوع وصف الأخير بعدم الثبات كما قيل

: فلا حزن يدوم ولا سرور . . . دون الأول ولذا ناسب أن يعبر بالاسم في الأول وبالفعل المفيد للحدوث والتجدد في الثاني كما ترى .

وقيل : إن المراد نفي استيلاء الخوف عليهم ونفي الحزن أصلاً ومفاد ذلك اتصافهم بالخوف في الجملة ، ففيه إشارة إلى أنهم بين الرجاء والخوف غير آيسين ولا آمنين ، ولهذا لم يؤت بالجملتين على طرز واحد ، وكذا لم يقل لا خوف لهم مثلا ، والأوجه عندي ما نقل عن بعض الجلة من أن معنى { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } لا يخاف عليهم غيرهم ويجعل الجملة الأولى عليه كناية عن حسن حالهم ، وأنت في الجملة الثانية بالخيار ، والخوف على ما قال الراغب توقع المكروه وضده الأمن ، والحزن من الحزن بالفتح وهو خشونة في النفس لما يحصل من الغم ويضاده الفرح ، وعلى هذا قالوا في بيان المعنى لا خوف عليهم من لحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات مأمول .

( ومن باب الإشارة ) :{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } إذ لم يبق منهم بقية يخاف بسببها من حرمان { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ يونس : 62 ] لامتناع فوات شيء من الكمالات واللذات منهم { الذين آمنوا } الإيمان الحقيقي { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } [ يونس : 63 ] بقاياهم وظهور تلوناتهم { لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا } بوجود الاستقامة والأخلاق المبشرة بجنة النفوس { وَفِي الآخرة } بظهور أنوار الصفات والحقائق عليهم المبشرة بجنة القلوب ؛ والظاهر أن الموصول بيان للأولياء ، فالولي هو المؤمن المتقي على الكمال ولهم في تعريفه عبارات شتى تقدم بعضها .

وفي الفتوحات : هو الذي تولاه الله تعالى بنصرته في مقام مجاهدته الأعداء الأربعة الهوى والنفس والشيطان والدنيا ، وفيها تقسيم الأولياء إلى عدة أقسام منها الأقطاب والأوتاد والإبدال والنقباء والنخباء وقد ورد ذلك مرفوعاً وموقوفاً من حديث عمر بن الخطاب .

وعلي بن أبي طالب . وأنس . وحذيفة بن اليمان . وعبادة بن الصامت . وابن عباس . وعبد الله بن عمر . وابن مسعود . وعوف بن مالك . ومعاذ بن جبل . وواثلة بن الأسقع . وأبي سعيد الخدري . وأبي هريرة . وأبي الدرداء . وأم سلمة ، ومن مرسل الحسن . وعطاء . وبكر بن خنيس ، ومن الآثار عن التابعين ومن بعدهم ما لا يحصى . وقد ذكر ذلك الجلال السيوطي في رسالة مستقلة له وشيد أركانه ، وأنكره كما قدمنا بعضهم والحق مع المثبتين ، وأنا والحمد لله تعالى منهم وإن كنت لم أشيد قبل أركان ذلك ، والأئمة والحواريون والرجبيون والختم والملامية والفقراء وسقيط الرفرف ابن ساقط العرش والأمناء والمحدثون إلى غير ذلك ، وعد الشيخ الأكبر قدس سره منهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والبيان الذي في الآية صادق عليهم عليهم السلام على أتم وجه ، ونسب إليه رضي الله تعالى عنه القول بتفضيل الولي على النبي والرسول وخاض فيه كثير من المنكرين حتى كفروه وحاشاه بسبب ذلك ، وقد صرح في غير موضع من فتوحاته وكذا من سائر تأليفاته بما ينافي هذا القول حسبما فهمه المنكرون ، وقد ذكر في كتاب القربة أنه ينبغي لمن سمع لفظة من عارف متحقق مبهمة كأن يقول الولاية هي النبوة الكبرى أو الولي العارف مرتبته فوق مرتبة الرسول أن يتحقق المراد منها ولا يبادر بالطعن ، ثم ذكر في بيان ما ذكر ما نصه : اعلم أنه لا اعتبار للشخص من حيث ما هو إنسان فلا فضل ولا شرف في الجنس بالحكم الذاتي وإنما يقع التفاضل بالمراتب ، فالأنبياء صلوات الله تعالى عليهم ما فضلوا الخلق إلا بها ، فالنبي صلى الله عليه وسلم له مرتبة الولاية والمعرفة والرسالة ومرتبة الولاية والمعرفة دائمة الوجود ومرتبة الرسالة منقطعة فإنها تنقطع بالتبليغ والفضل للدائم الباقي ، والولي العارف مقيم عنده سبحانه والرسول خارج وحالة الإقامة أعلى من حالة الخروج ، فهو صلى الله عليه وسلم من حيثية كونه ولياً وعارفاً أعلى وأشرف من حيثية كونه رسولاً وهو صلى الله عليه وسلم الشخص بعينه واختلفت مراتبه لا أن الولي منا أرفع من الرسول نعوذ بالله تعالى من الخذلان ، فعلى هذا الحد يقول تلك الكلمة أصحاب الكشف والوجود إذ لا اعتبار عندنا إلا للمقامات ولا نتكلم إلا فيها لا في الأشخاص ، فإن الكلام في الأشخاص قد يكون بعض الأوقات غيبة ، والكلام على المقامات والأحوال من صفات الرجال ، ولنا في كل حظ شرب معلوم ورزق مقسوم انتهى ، وهو صريح في أنه قدس سره لا يقول هو ولا غيره من الطائفة بأن الولي أفضل من النبي حسبما ينسب إليه ، وقد نقل الشعراني عنه أنه قال : فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجلياً لا دخولاً فكدت أحترق ، فينبغي تأويل جميع ما يوهم القول بذلك كإخباره في كتابه التجليات وغيره باجتماعه ببعض الأنبياء عليهم السلام وإفادته لهم من العلم ما ليس عندهم .

وكقول الشيخ عبد القادر الجيلي قدس سره وقد تقدم : يا معاشر الأنبياء أوتيتم الألقاب وأوتينا ما لم تؤتوه إلى غير ذلك ، فإن اعتقاد أفضلية ولي من الأولياء على نبي من الأنبياء كفر عظيم وضلال بعيد ، ولو ساغ تفضيل ولي على نبي لفضل الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه على أحد من الأنبياء لأنه أرفع الأولياء قدراً كما ذهب إليه أهل السنة ونص عليه الشيخ قدس سره في كتاب القربة أيضاً مع أنه لم يفضل كذلك بل فضل على من عداهم كما نطق به «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر الصديق » فمتى لم يفضل الصديق وهو الذي وقر في صدره ما وقر ونال من الكمال ما لا يحصر فكيف يفضل غيره ؟ .

وفضل كثير من الشيعة علياً كرم الله تعالى وجهه وكذا أولاده الأئمة الطاهرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين على كثير من الأنبياء والمرسلين من أولي العزم وغيرهم ولا مستند لهم في ذلك إلا أخبار كاذبة وأفكار غير صائبة .

وبالجملة متى رأينا الشخص مؤمناً متقياً حكمنا عليه بالولاية نظراً لظاهر الحال ووجب علينا معاملته بما هو أهله من التوقير والاحترام غير غالين فيه بتفضيله على رسول أو نبي أو نحو ذلك مما عليه العوام اليوم في معاملة من يعتقدونه ولياً التي هي أشبه شيء بمعاملة المشركين من يعتقدونه إلهاً نسأل الله تعالى العفو والعافية ، ولا يشترط فيه صدور كرامة على يده كما يشترط في الرسول صدور معجزة ، ويكفيه الاستقامة كرامة كما يدل عليه ما اشتهر عن أبي يزيد قدس سره ، بل الولي الكامل لا التفات له إليها ولا يود صدورها على يده إلا إذا تضمنت مصلحة للمسلمين خاصة أو عامة . وفي «الجواهر » و «الدر » للشعراني سمعت شيخنا يقول : إذا زل الولي ولم يرجع لوقته عوقب بالحجاب ، وهو أن يحبب إليه إظهار خرق العوائد المسماة في لسان العامة كرامات فيظهر بها ويقول : لو كنت مؤاخذاً بهذه الذلة لقبض عني التصريف وغاب عنه أن ذلك استدراج بل ولو سلم من الزلة فالواجب خوفه من المكر والاستدراج ، وقال بعضهم : الكرامة حيض الرجال ومن اغتر بالكرامات بالكرى مات . وأضر الكرامات للولي ما أوجب الشهرة فإن الشهرة آفة ، وقد نقل عن الخواص أنها تنقص مرتبة الكمال ، وأيد ذلك بالأثر المشهور خص بالبلاء من عرفه الناس . نعم ذكر في أسرار القرآن أن الولاية لا تتم إلا بأربع مقامات .

الأول : مقام المحبة . والثاني : مقام الشوق . والثالث : مقام العشق . والرابع : مقام المعرفة ، ولا تكون المحبة إلا بكشف الجمال ولا يكون الشوق إلا باستنشاق نسيم الوصال ولا يكون العشق إلا بدنو الأنوار ولا تكون المعرفة إلا بالصحبة ، وتتحقق الصحبة بكشف الألوهية مع ظهور أنوار الصفات ، ولحصول ذلك آثار وعلامات مذكورة فيه فليراجعه من أرادها ؛ والكلام في هذا المقام كثير وكتب القوم ملأى منه وما ذكرناه كفاية لغرضنا . وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولي اتباع الشريعة الغراء وسلوك المحجة البيضاء فمن خرج عنها قيد شبر بعد عن الولاية بمراحل فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم الولي ولو أتى بألف ألف خارق ، فالولي الشرعي اليوم أعز من الكبريت الأحمر ولا حول ولا قوة إلا بالله .

أما الخيام فإنها كخيامهم . . . وأرى نساء الحي غير نسائها


[318]:- قوله من ذبالة كذا في خطه رحمه الله تعالى بذال معجمة والمعروف كما في غير كتاب تبالة بتاء مفتوحة اهـ.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ} (62)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله "لا خوف عليهم "في الآخرة من عقاب الله لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه، "وَلا هم يحزنون" على ما فاتهم من الدنيا. والأولياء جمع وليّ، وهو النصير، وقد بيّنا ذلك بشواهده.

واختلف أهل التأويل فيمن يستحقّ هذا الاسم؛

فقال بعضهم: هم قوم يُذكر الله لرؤيتهم لما عليهم من سيما الخير والإخبات...

وقال آخرون في ذلك بما:

حدثنا أبو هاشم الرفاعي، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا أبي عن عمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ مِنْ عِبادِ اللّهِ عِبادا يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشهَدَاءُ». قيل: من هم يا رسول الله، فلعلنا نحبهّم؟ قال: «هُمْ قَوْمٌ تَحابّوا في اللّهِ مِنْ غيرِ أمْوَالٍ وَلا أنْسابٍ، وُجُوهُهُمْ مِنْ نُور، على مَنابِرَ مِنْ نُور، لا يَخافُونَ إذَا خافَ النّاسُ، وَلا يَحْزَنُونَ إذَا حَزَنَ النّاس» وقرأ: "ألا إنّ أوْلِياءَ اللّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ"...

والصواب من القول في ذلك أن يقال: الوليّ، أعني وليّ الله، هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله: "الّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتّقُونَ"...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{أَوْلِيَاء الله} الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنا بينا أن قوله تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن} مما يقوي قلوب المطيعين، ومما يكسر قلوب الفاسقين فأتبعه الله تعالى بشرح أحوال المخلصين الصادقين الصديقين وهو المذكور في هذه الآية. وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنا نحتاج في تفسير هذه الآية إلى أن نبين أن الولي من هو؟ ثم نبين تفسير نفي الخوف والحزن عنه. فنقول: أما إن الولي من هو؟ فيدل عليه القرآن والخبر والأثر والمعقول.

أما القرآن، فهو قوله في هذه الآية: {الذين آمنوا وكانوا يتقون} فقوله: {آمنوا} إشارة إلى كمال حال القوة النظرية، وقوله: {وكانوا يتقون} إشارة إلى كمال حال القوة العملية، وفيه مقام آخر، وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل، ثم نصف الولي بأنه كان متقيا في الكل. أما التقوى في موقف العلم فلأن جلال الله أعلى من أن يحيط به عقل البشر، فالصديق إذا وصف الله سبحانه بصفة من صفات الجلال، فهو يقدس الله عن أن يكون كماله وجلاله مقتصرا على ذلك المقدار الذي عرفه ووصفه به، وإذا عبد الله تعالى فهو يقدس الله تعالى عن أن تكون الخدمة اللائقة بكبريائه متقدرة بذلك المقدار، فثبت أنه أبدا يكون في مقام الخوف والتقوى. وأما الأخبار فكثيرة... وأما المعقول فنقول: ظهر في علم الاشتقاق أن تركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولي كل شيء هو الذي يكون قريبا منه، والقرب من الله تعالى بالمكان والجهة محال، فالقرب منه إنما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور معرفة الله تعالى سبحانه، فإن رأى رأى دلائل قدرة الله، وإن سمع سمع آيات الله وإن نطق نطق بالثناء على الله، وإن تحرك تحرك في خدمة الله، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله، فهنالك يكون في غاية القرب من الله، فهذا الشخص يكون وليا لله تعالى، وإذا كان كذلك كان الله تعالى وليا له أيضا كما قال الله تعالى {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} ويجب أن يكون الأمر كذلك، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين...

وأما قوله تعالى في صفتهم: {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ففيه بحثان:

البحث الأول: أن الخوف إنما يكون في المستقبل، بمعنى أنه يخاف حدوث شيء في المستقبل من المخوف، والحزن إنما يكون على الماضي إما لأجل أنه كان قد حصل في الماضي ما كرهه أو لأنه فات شيء أحبه.

البحث الثاني: قال بعض المحققين: إن نفي الحزن والخوف إما أن يحصل للأولياء حال كونهم في الدنيا أو حال انتقالهم إلى الآخرة، والأول باطل لوجوه: أحدها: أن هذا لا يحصل في دار الدنيا لأنها دار خوف وحزن والمؤمن خصوصا لا يخلو من ذلك على ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام: « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» وعلى ما قال: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» وثانيها: أن المؤمن، وإن صفا عيشه في الدنيا، فإنه لا يخلو من هم بأمر الآخرة شديد، وحزن على ما يفوته من القيام بطاعة الله تعالى، وإذا بطل هذا القسم وجب حمل قوله تعالى: {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} على أمر الآخرة، فهذا كلام محقق، وقال بعض العارفين: إن الولاية عبارة عن القرب فولي الله تعالى هو الذي يكون في غاية القرب من الله تعالى، وهذا التقرير قد فسرناه باستغراقه في معرفة الله تعالى بحيث لا يخطر بباله في تلك اللحظة شيء مما سوى الله، ففي هذه الساعة تحصل الولاية التامة، ومتى كانت هذه الحالة حاصلة فإن صاحبها لا يخاف شيئا، ولا يحزن بسبب شيء، وكيف يعقل ذلك والخوف من الشيء والحزن على الشيء لا يحصل إلا بعد الشعور به، والمستغرق في نور جلال الله غافل عن كل ما سوى الله تعالى، فيمتنع أن يكون له خوف أو حزن؟ وهذه درجة عالية، ومن لم يذقها لم يعرفها، ثم إن صاحب هذه الحالة قد تزول عنه الحالة، وحينئذ يحصل له الخوف والحزن والرجاء والرغبة والرهبة بسبب الأحوال الجسمانية، كما يحصل لغيره...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

لما بين تعالى لعباده سعة علمه، ومراقبته لعباده، وإحصاءه أعمالهم عليهم، وجزاءهم عليها، وذكرهم بفضله، وما يجب عليهم من شكره، بين لهم في هذه الآيات الثلاث حال الشاكرين المتقين، الذين لهم أحسن الجزاء في يوم الدين.

فقال: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ} افتتحت هذه الجملة بكلمة (ألا) للتنبيه وتوجيه الفكر لها، والأولياء جمع ولي، وهو وصف من الولاء والتوالي، ومن الولاية والتولي، فيطلق على القريب بالنسب بالمكانة والصداقة، وعلى النصير، والمتولي للأمر والحكم، أو على اليتيم والقاصر المدبر لشؤونه، ويوصف به العبد والرب تعالى كما تقدم في قوله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا} [البقرة: 257] وفصلنا الكلام في تفسيره بما بينا به ولاية الله العامة والخاصة لعباده، وولايتهم له، أو للشيطان والطاغوت، وولاية بعضهم لبعض، وضلال بعضهم بجعل ولاية الله الخاصة به لبعض عباده، وهم الذين يسمونهم أولياء الله بما يسلبهم استحقاق هذا اللقب، وذكرنا في شواهد ذلك التفسير هذه الآية.

أولياء الله أضداد أعدائه المشركين به، الكافرين بنعمه، فهم المؤمنون المتقون كما نطقت به الآية، وهم درجات: أعلاهم درجة هم الذين يتولونه بإخلاص العبادة له وحده، والتوكل عليه، وحبه والحب فيه، والولاية له، فلا يتخذون له أندادا يحبونهم من نوع حبه، ولا يتخذون من دونه وليا ولا شفيعا يقربهم إليه زلفى، ولا وكيلا ولا نصيرا فيما يخرج عن توفيقهم لإقامة سننه في الأسباب والمسببات، ويتولون رسوله والمؤمنين بما أمرهم به، قال تعالى: {وأنذر الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه من ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} [الأنعام: 51] وقال: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} [السجدة:4] وقال: {قل من الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من الله وليا ولا نصيرا} [الأحزاب:17] وقال في آيتين أخريين منها {وكفى بالله وكيلا} [النساء: 81] والآيات كثيرة في توليهم له بالطاعة، وتوليه لهم بالهداية والعناية والإعانة والنصر والتوفيق.

وحسبنا هنا ما نفاه عنهم، وما وصفهم به، ثم ما زفه إليهم من البشارة:

فأما ما نفاه مخبرا به عنهم فقوله: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} وهو ما نفاه عن جميع المؤمنين الصالحين والمصلحين والمتقين في الآيات الكثيرة (راجع 2: 62 و 5: 72 و 6: 48 و7: 43 و49 وقد تقدم تفسيرها). فأما في الآخرة حيث يتحقق هذا على أتم وجه -وهو المقصود بالذات- فلا خوف يقع عليهم ويرهقون به مما يخاف الكفار والفساق والظالمون من أهوال الموقف وعذاب الآخرة، كما قال تعالى بعد ذكر إبعادهم عن جهنم {لا يحزنهم الفزع الأكبر} [البقرة 103] الآية، ولا هم يحزنون على ما تركوا وراءهم، وأما في الدنيا فلا يخافون مما يخاف غيرهم من الكفار وضعفاء الإيمان وعبيد الدنيا من مكروه يتوقع كلقاء العدو، قال: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175] أو بخس في الحقوق، أو رهق يغشاهم بالظلم والذل، قال: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} [الجن: 13] ولا هم يحزنون من مكروه أو ذهاب محبوب وقع بالفعل كما قال: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} [الحديد: 23] والمراد أنهم لا يخافون في الدنيا كخوف الكفار، ولا يحزنون كحزنهم، وسنذكر نفي الخوف والحزن عنهم عند الموت. وأما أصل الخوف والحزن فهو من الأعراض البشرية التي لا يسلم منها أحد في الدنيا، وإنما يكون المؤمنون الصالحون أصبر الناس وأرضاهم بسنن الله اعتقادا وعلما بأنه إذا ابتلاهم بشيء مما يخيف أو يحزن فإنما يربيهم بذلك لتكميل نفوسهم وتمحيصها بالجهاد في سبيله الذي يزداد به أجرهم كما صرحت بذلك الآيات الكثيرة.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

يخبر تعالى عن أوليائه وأحبائه، ويذكر أعمالهم وأوصافهم، وثوابهم فقال: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ْ} فيما يستقبلونه مما أمامهم من المخاوف والأهوال. {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ْ} على ما أسلفوا، لأنهم لم يسلفوا إلا صالح الأعمال، وإذا كانوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ثبت لهم الأمن والسعادة، والخير الكثير الذي لا يعلمه إلا الله تعالى

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وكيف يخاف أولياء الله أو يحزنون والله معهم هكذا في كل شأن وفي كل عمل وفي كل حركة أو سكون؟ وهم أولياء الله، المؤمنون به الأتقياء المراقبون له في السر والعلن.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

فالكلام يفيد أن الله ضمن لأوليائه أن لا يحصل لهم ما يخافونه وأن لا يحل بهم ما يحزنهم. ولما كان ما يُخاف منه من شأنه أن يُحزن من يصيبه كان نفي الحزن عنهم مؤكِّداً لمعنى نفي خوف خائف عليهم. وجمهور المفسرين حملوا الخوف والحزن المنفيين على ما يحصل لأهل الشقاوة في الآخرة بناء على أن الخوف والحزن يحصلان في الدنيا

التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :

وجمع الإيمان مع التقوى في الآيات جدير بالتنبيه والتنويه، من حيث كون الإيمان أمرا قلبيا وغيبيا وكون التقوى برهانا عليه يعني التزام كل ما أمر الله ورسوله به وكل ما نهيا عنه لينال المؤمن رضاء الله تعالى ويتفادى غضبه ولا يمكن أن تصحّ دعوى الإيمان إلاّ به. ومن حيث إن التقوى بالتالي هي أعظم مظاهره.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

إِنّ أولياء وأحباء الله الحقيقيين متحررون من كل أشكال الارتباط والتعلق بعالم المادة، ويحكم «الزهد» بمعناه الحقيقي وجودهم، فهم لا يجزعون من فقدان الممتلكات المادية ولا يخافون من المستقبل، ولا يشغلون أفكارهم بمثل هذه المسائل. وبناءً على ذلك فإِن الغموم والأخاويف التي ترتبط بالماضي والمستقبل، والتي تجعل الآخرين في حال اضطراب وقلق دائم، لا سبيل لها إِلى وجود هؤلاء.