{ ثُمَّ بَعَثْنَا } أي أرسلنا { مِن بَعْدِهِ } أي من بعد نوح عليه الصلاة والسلام { رُسُلاً } أي كراماً ذوي عذر كثير فالتنكير للتفخيم والتكثير { إلى قَوْمِهِمْ } قيل أي إلى أقوامهم على معنى أرسلنا كل رسول الله إلى قوم خاصة مثل هود إلى عاد وصالح إلى ثمود وغير ذلك ممن قص منهم ومن لم يقص لا على معنى أرسلنا كل رسول منهم إلى أقوام الكل أو إلى قوم أي قوم كانوا ، وفيه إشارة إلى أن عموم الرسالة إلى البشر لم يثبت لأحد من أولئك الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وظاهر كلامهم الإجماع على أن ذلك مخصوص بنبينا صلى الله عليه وسلم ولم يثبت لأحد ممن أرسل بعد نوح ، واختلف فيه عليه السلام هل بعث إلى أهل الأرض كافة أو إلى أهل صقع منها ، وعليه يبنى النظر في الغرق هل عم جميع أهل الأرض أو كان لبعضهم وهم أهل دعوته المكذبيين به كما هو ظاهر كثير من الآيات والأحاديث ، قال ابن عطية : الراجح عند المحققين هو الثاني ، وكثير من أهل الأرض كأهل الصين وغيرهم ينكرون عموم الغرق ، والأول لا ينافي القول باختصاص عموم الرسالة على العموم المشهور بين الخصوص والعموم بنبينا صلى الله عليه وسلم لأنها لمن بعده إلى يوم القيامة .
وزعم بعضهم أن الغرق كان عاماً مع خصوص البعثة ولا مانع من أن يهلك الله تعالى من لا جناية له مع من له جناية ولا اعتراض عليه سبحانه فيما ذكر إذ هو تصرف في خالص ملكه ولا يسئل عما يفعل . وفي قوله سبحانه : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال : 25 ] نوع إشارة إلى ذلك . نعم قد ثبت لنون عليه السلام عموم الرسالة انتهاء حيث لم يبق على وجه الأرض بعد الطوفان سوى من كان معهم وهم جميع أهل الأرض إذ ذاك فالفرق بين رسالته عليه السلام ورسالة نبينا صلى الله عليه وسلم ظاهر فإن رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام عامة ابتداء وانتهاء ورسالته عليه السلام عامة انتهاء لا ابتداء ولا يخلو عن نظر ، والأولى أن يعتبر في اختصاص عموم رسالة نبينا عليه الصلاة والسلام كونها لمن بعده إلى يوم القيامة فإن عدم ثبوت ذلك لأحد من الرسل عليهم السلام قبل نوح وبعده مما لا يتنازع فيه ، وهذا كله إذا لم يلاحظ في العموم الجن وكذا الملائكة إذا لوحظ كما يفيده قوله سبحانه : { لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً } [ الفرقان : 1 ] فأمر الاختصاص أظهر وأظهر .
{ فَجَاءوهُم } أي فأتى كل رسول قومه المخصوصين به { بالبينات } أي بالمعجزات الواضحة الدالة على صدق ما يقولون ، والباء إما متعلقة بما عندها على أنها للتعدية أو بمحذوف وقع حالا من الضمير المرفوع أي متلبسين بالبينات لكن لا بأن يأتي كل رسول ببينة فقط بل بأن يأتي ببينة أو ببينات كثيرة خاصة به معينة له حسب اقتضاء الحكمة ، وإلى نفي إرادة الاتيان ببينة وإرادة الاتيان ببينات كثيرة ذهب شيخ الإسلام ، ثم قال : فإن مراعاة انقسام الآحاد على الآحاد إنما هي في ضميري { *جاؤوهم } كما أشير إليه ، ولعل صنيعنا أحسن من صنيعه ، ويفهم من كلام بعض المحققين أن انفهام إرسال كل رسول إلى قومه من إشافة القوم إلى ضمير { بَعْدِهِ رُسُلاً } وليس ذلك من مقابلة الجمع بالجمع المقتضى لانقسام الآحاد على الآحاد ، ولا شك أن انفهام مجيء كل رسول قومه المخصوصين به تابع لذلك .
وبعد هذا كله إذا اعتبر مقابلة الجمع بالجمع في جاؤوهم بالبينات ، وقيل بانقسام الآحاد على الآحاد لا يلزم أن يكون لكل رسول بينة جاء بها كما أن باع القوم دوابهم لا يقتضي أن يكون لكل واحد من القوم دابة واحدة باعها فإن معناه باع كل من القوم ماله من الدواب وهم يعم الدابة الواحدة وغيرها ، وهذا بخلاف ركب القوم دوابهم فإنه يتعين فيه إرادة كل واحدة من الدواب لاستحالة ركوب الشخص دابتين مثلا . وقد نص العلامة أبو القاسم السمرقندي في حواشيه على المطول أنه لا يشترط في مقابلة الجمع بالجمع انقسام الآحاد على الآحاد بمعنى أن يكون لكل واحد من أحد الجمعين واحد من الجمع الآخر وهو ظاهر فيما قلنا ، والمعول عليه في كون الآية من قبيل المثال الأول أمر خارج ، فإن من المعلوم أن الرسول الواحد من الرسل عليهم السلام قد جاء قومه ببينات فوق الواحدة { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } بيان لاستمرار عدم إيمانهم في الزمان الماضي أي فما صح ولا استقام لهم في وقت من الأوقات أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم ومزيد عنادهم ، وضمير الجمع هنا للقوم المبعوث إليهم وكذا في قوله تعالى : { بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } والباء فيه صلة يؤمنوا و { مَا } موصولة والمراد بها جميع الشرائع التي جاء بها كل رسول أصولها وفروعها ، والمراد بعدم إيمانهم بها إصرارهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبتكذيبهم من قبل تكذيبهم من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى زمان الاصرار والعناد ، وهذا بناء على أن المحكي آخر أحوالهم حسبما يشير إليه حكاية قوم نوح عليه السلام ، ولم يجعل التكذيب مقصوداً بالذات كما جعل عدم إيمانهم كذلك إيذاناً بأنه بين في نفسه غني عن البيان ، وإنما المحتاج إليه عدم إيمانهم بعد تواتر البينات وتظاهر المعجزات التي كانت تضطرهم إلى القبول لو كانوا من أهل العقول ، وإذا كان المحكى جميع أحوال أولئك الأقوام فالمراد بعدم إيمانهم المفاد بالنفي السابق كفرهم المستمر من حين مجيء الرسل عليهم السلام إلى زمان إصرارهم وبعدم إيمانهم المفهوم من جملة الصلة كفرهم قبل مجيء الرسل عليهم السلام ، ويراد حينئذ من الموصول أصول الشرائع التي أجمعت عليها الرسل قاطبة ودعوا أممهم إليها كالتوحيد ولوازمه مما يستحيل تبدله وتغيره ومعنى تكذيبهم بذلك قبل مجيء رسلهم أنهم ما كانوا أهل جاهلية بحيث لم يسمعوا بذلك قط بل كأن كل قوم يتسامعون به من بقايا من قبلهم فيكذبونه ثم كانت حالهم بعد مجيء الرسل كحالهم قبل ذلك كأن لم يبعث إليهم أحد ، وقيل : المراد أنهم لم ينتفعوا بالبعثة وكانت حالهم بعد البعثة كحالهم قبلها في كونهم أهل جاهلية والأول أولى ، وتخصيص التكذيب وعدم الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدلالة النص ، فإنهم حيم لم يؤمنوا بما اجتمعت عليه الكافة فلأن لا يؤمنوا بما تفرد به البعض أولى ، وعدم جعل هذا التكذيب مقصوداً بالذات لأن ما عليه يدور أمر العذاب عند اجتماع التكذيبين هو التكذيب الواقع بعد البعثة والدعوة حسبما يعرب عنه قوله تعالى :
{ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولا } [ الإسراء : 15 ] وإنما ذكر ما وقع قبل بيانا لعراقتهم في الكفر والتكذيب ، وفكك بعضهم بين الضمائر فقيل : ضمير { كَانُواْ } و { يُؤْمِنُواْ } لقوم الرسل وضمير { كَذَّبُواْ } لقوم نوح عليه السلام أي ما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح أي بمثله ، والمراد به ما بعث الرسل عليهم السلام لإبلاغه .
وجوز على هذا القول أن يراد بالموصول نوح نفسه أي ما كان قوم الرسل ليؤمنوا بنوح عليه السلام إذ لو آمنوا به آمنوا بأنبيائهم عليهم السلام ولا يخفى ما في ذلك ، ومن الناس من جعل الباء سببية و { ما } مصدرية والمعنى كذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله تعالى أنهم لم يكونوا ليؤمنوا بسبب تكذيبهم من قبل وأيده بالآية الآتية ، وفيه مخالفة الجمهور من جعل { مَا } المصدرية اسما كما هو رأي الأخفش . وابن السراج ليرجع الضمير إليها ، وفي إرجاعه إلى الحق بادعاء كونه مركوزاً في الاذهان ما لا يخفى من التعسف ، وقيل : { مَا } موصوفة والباء للسببية أيضاً أو للملابسة أي بشيء كذبوا به وهو العناد والتمرد وهو كما ترى { كذلك } أي مثل ذلك الطبع المحكم { نَطْبَعُ } فالإشارة على حد ما قرر في قوله سبحانه : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة : 143 ] ونظائره مما مر ، وجعل الإشارة إلى الاغراق كما فعل الخازن ليس بشيء ، والطبع يطلق على تأثير الشيء بنقش الطابع وعلى الأثر الحاصل عن النقش والختم مثله في ذلك على ما ذكره الراغب أيضاً ، وذكر أنه تصور الشيء بصورة ما كطبع السكة وطبع الدراهم وأنه أعم من الختم وأخص من النقش ، والأكثرون على تفسيره بالختم مراداً به المنع أي نختم { على قُلوبِ المعتدين } أي المتجاوزين عن الحدود المعهودة في الكفر والعناد ونمنعها لذلك عن قبول الحق وسلوك سبيل الرشاد ، وقد جاء الطبع بمعنى الدنس ومنه طبع السيف لصدئه ودنسه ، وبعضهم حمل ما في الآية على ذلك ، وفسره المعتزلة حيث وقع منسوباً إليه تعالى بالخذلان تطبيقاً له على مذهبهم ، ومن هنا قال الزمخشري : إنه جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم لأن من عاند وثبت على اللجاج خذله الله تعالى ومنعه التوفيق واللطف فلا يزال كذلك حتى يتراكم الرين والطبع على قلبه ، ومراده كما قيل أن { نَطْبَعُ } بمعنى نخذل على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية لكن لما كان الطبع الذي هو الخذلان تابعاً لعنادهم ولجاجهم لازماً لهما أجرى مجرى الكناية عنهما . وقرىء { يَطْبَعُ } بالياء على أن الضمير لله سبحانه وتعالى .
( ومن باب الإشارة ) :{ وَقَالَ موسى يا قَوْمٍ إن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله } أي إيماناً حقيقياً { فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ } [ يونس : 84 ] أي منقادين ، أي إن صح إيمانكم يقيناً فعليه توكلوا بشرط أن لا يكون لكم فعل ولا تروا لأنفسكم ولا لغيركم قوة ولا تأثيراً بل تكونوا منقادين كالميت بين يدي مغسله ، فإن شرط صحة التوكل فناء بقايا الأفعال والقوى
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ثم بعثنا من بعده}، يعني من بعد نوح، {رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات} ثم أخبر بعلمه فيهم، فقال: {فما كانوا ليؤمنوا} يعني ليصدقوا {بما كذبوا به}، يعني العذاب، {من قبل} نزول العذاب.
{كذلك نطبع}، يعني هكذا نختم {على قلوب المعتدين} يعني الكافرين.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً إلى قومهم، فأتوهم ببينات من الحجج والأدلة على صدقهم، وأنهم لله رسل، وأن ما يدعونهم إليه حقّ. "فما كَانُوا ليُؤْمِنُوا بما كَذّبُوا به مِنْ قَبْلُ "يقول: فما كانوا ليصدّقوا بما جاءتهم به رسلهم بما كذّب به قوم نوح ومن قبلهم من الأمم الخالية من قبلهم. "كذلكَ نَطْبَعُ على قُلُوبِ المُعْتَدِينَ" يقول تعالى ذكره: كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها فلم يكونوا يقبلون من أنبياء الله نصيحتهم ولا يستجيبون لدعائهم إياهم إلى ربهم بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربه، فتجاوز ما أمره به من توحيده، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته، عقوبة لهم على معصيتهم ربهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{مِن بَعْدِهِ} من بعد نوح {رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ} يعني هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً {فَجَاءوهُم بالبينات} بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} فما كان إيمانهم إلاّ ممتنعاً كالمحال لشدّة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتهم بعد بعثة الرسل وقبلها، كأن لم يبعث إليهم أحد {كَذَلِكَ نَطْبَعُ} مثل ذلك الطبع المحكم نطبع {على قُلوبِ المعتدين} والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم، لأنّ الخذلان يتبعه. ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
الضمير في قوله {من بعده} عائد على نوح عليه السلام والضمير في {قومهم} عائد على الرسل، ومعنى هذه الآيات كلها ضرب المثل لحاضري محمد صلى الله عليه وسلم، أي كما حل بهؤلاء يحل بكم، و {البينات} المعجزات والبراهين الواضحة، والضمير في قوله {كانوا} وفي {ليؤمنوا} عائد على قوم الرسل، والضمير في {كانوا} عائد على قوم نوح، وهذا قول بعض المتأولين، وقال بعضهم: بل تعود الثلاثة على قوم الرسل على معنى أنهم بادروا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجوا في الكفر وتمادوا فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم، وقال يحيى بن سلام {من قبل} معناه من قبل العذاب.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول بعد، ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون «ما» مصدرية والمعنى فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله أن لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه ومن جرائه، ويؤيد هذا التأويل قوله {كذلك نطبع}، وقال بعض العلماء: عقوبة التكذيب الطبع على القلوب...
وقوله {كذلك} أي هذا فعلنا بهؤلاء، ثم ابتدأ {كذلك نطبع} أي كفعلنا هذا و {المعتدين} هم الذين تجاوزوا طورهم واجترحوا ما لا يجوز لهم وهي ها هنا في الكفر.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا بسيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين، فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العقاب والنَّكَال، فما ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك؟
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما لم يكن في قصص من بينه وبين موسى عليهم السلام مما يناسب مقصود هذه السورة إلا ما شاركوا فيه قوم نوح من أنهم لم تنفع الآيات من أريدت شقاوته منهم، ذكره سبحانه طاوياً لما عداه فقال تعالى: {ثم} أي بعد مدة طويلة {بعثنا} أي على عظمتنا؛ ولما كان البعث لم يستغرق زمان البعد، أدخل الجار فقال: {من بعده} أي قوم نوح {رسلاً} كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام.
ولما كان ربما ظن أن قوم الإنسان لا يكذبونه، وإن كذبوه لم يتمادوا على التكذيب لا سيما إن أتاهم بما يقترحونه من الخوارق قال: {إلى قومهم} أي ففاجأهم قومهم بالتكذيب {فجاءوهم} أي فتسبب عن استنادهم إلى عظمتنا أن جاؤوهم {بالبينات} ليزول تكذيبهم فيؤمنوا {فما} أي فتسبب عن ذلك ضد ما أمروا به وقامت دلائله وهو أنهم ما {كانوا} أي بوجه من وجوه الكون {ليؤمنوا} أي مقرين {بما كذبوا} أي مستهينين {به} أول ما جاؤوهم. ولما كان تكذيبهم في بعض الزمن الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي قبل مجيء البينات لأنا طبعنا على قلوبهم؛ قال أبو حيان: وجاء النفي مصحوباً بلام الحجود ليدل على أن إيمانهم في حيز الاستحالة والامتناع -انتهى. ويجوز أن يكون التقدير: من قبل مجيء الرسل إليهم، ويكون التكذيب أسند إليهم لأن أباهم كذبوا لما بدلوا ما كان عندهم من الدين الصحيح الذي أتتهم به الرسل ورضوا هم بما أحدث آباؤهم استحساناً له، أو لأنه كان بين أظهرهم بقايا على بقايا مما شرعته الرسل فكانوا يعظونهم فيما يبتدعون فلا يعون ولا يسمعون كما كان قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهم قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المعنى الأول أولى- والله أعلم.
ولما قرر عدم انتفاعهم بالآيات، بنى ما يليه على سؤاله من لعله يقول: هل استمر الخلق فيمن بعدهم؟ فكأنه قيل: نعم! {كذلك} أي مثل ما طبعنا على قلوبهم هذا الطبع العظيم {نطبع} أي نوجد الطبع ونجدده متى شئنا بما لنا من العظمة {على قلوب المعتدين} في كل زمن لكل من تعمد العدو فيما لا يحل له، وهذا كما أتى موسى عليه السلام إلى فرعون فدعاه إلى الله فكذبه فأخبره أن معه آية تصدقه فقال له: إن كنت جئت بآية فائت بها إن كنت من الصادقين، فلما أتاه بها استمر على تكذيبه وكان كلما رأى آية ازداد تكذيباً.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
بين الله تعالى في هذه الآية عبرة أخرى من عبر مكذبي الرسل وسنة من سننه فيهم تكملة لما بينه في حال قوم نوح مع رسولهم، عسى أن يعتبر بها أهل مكة فيعلموا كيف يتقون عاقبة المكذبين من قوم نوح وغيرهم، فإن كل سوء وضر علم سببه أمكن اتقاؤه باتقاء سببه إذا كان من عمل الناس الاختياري كالكفر والاعتداء والظلم.
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ} أي بعثنا من بعد نوح رسلا مثله إلى أقوامهم الذين كانوا مثل قومه فيما يأتي من خبرهم معهم، ولهذا أفرد كلمة قومهم فيما يظهر لنا منه، والمراد أرسلنا كل رسول إلى قومه كهود إلى عاد وصالح إلى ثمود، ولم يرسل رسول منهم إلى كل الأقوام الذين كانوا زمانه إلا شعيبا أرسل إلى قومه أهل مدين وإلى جيرانهم أصحاب المؤتفكة لاتحادهما في اللغة والوطن، وإنما أرسل محمد وحده إلى الناس كافة.
{فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ} أي فجاء كل رسول منهم قومه بالبينات الدالة على رسالته وصحة ما دعاهم إليه بحسب أفهامهم وأحوالهم العقلية.
{فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} أي فما كان من شأنهم أن يؤمن المتأخر منهم بما كذب به المتقدم من قبل ممن كان مثله في سبب كفره وهو استنكار الرؤساء، وتقليد الدهماء للآباء والأجداد.
{كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ} أي مثل هذا الطبع، وعلى غرار هذه السنة التي اطردت فيهم نطبع على قلوب المعتدين مثلهم في كل قوم كقومك أيها الرسول إذا كانوا مثلهم {ولا تجد لسنتنا تحويلا} [الإسراء: 77] {ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الأحزاب: 62]، فأما الطبع على القلوب فهو عبارة عن عدم قبولها شيئا غير ما رسخ فيها واستحوذ عليها مما يخالفه، كقبول الجاهل المقلد الدليل العلمي على بطلان اعتقاده التقليدي، ورجوع المعاند عن عناده وكبره النفسي، وقد تقدم تفصيله في تفسير ما سبق فيه من الآيات في سور النساء والأعراف والتوبة، ومثله تفسير {ختم الله على قلوبهم} [البقرة: 7] في أوائل سورة البقرة، وأما الاعتداء الذي صار وصفا ثابتا لهؤلاء (المعتدين) فمعناه تجاوز حدود الحق والعدل اتباعا لهوى النفس وشهواتها، فالطبع المذكور أثر طبعي للحالة النفسية التي عبر عنها بوصف الاعتداء، وليس عقابا أنُفا (بضمتين أي جديد) خلقه الله لمنعهم من الإيمان، إذ لو كان كذلك لكانوا معذورين بكفرهم، ولما كان فيه عبرة لغيرهم، بل لكان حجة لهم، وقد فهمت قريش وسائر العرب ما لم يفهمه متكلمو الجبرية من هذه الآية وأمثالها، وهو أنها وصف للعلة والمعلول، والسبب والمسبب، وسنته تعالى في دوام كل منهما بدوام الآخر، لا بذاته وكونه خلقيا لا مفر منه، بل المفر أمر اختياري ممكن، وهو ترك المعاند لعناده والمقلد لتقليده، إيثارا للحق الذين يقوم عليه الدليل، فهموا هذا فاهتدى الأكثرون بالتدريج، وهلك الذين استحبوا العمى على الهدى في غزوة بدر وغيرها.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وفي اختصار وإجمال يشير السياق إلى الرسل بعد نوح، وما جاءوا به من البينات والخوارق وكيف تلقاها المكذبون الضالون:... وهذا يحتمل أنهم بعد مجيء الآيات ظلوا يكذبون كما كانوا قبلها يكذبون. فلم تحولهم الآيات عن عنادهم. كما يحتمل أن المكذبين جماعة واحدة على اختلاف أجيالهم، لأنهم ذوو طبيعة واحدة. فهؤلاء ما كان يمكن أن يؤمنوا بما كذب به أسلاف لهم، أو بما كذبوا هم به في أشخاص هؤلاء الأسلاف! فهم منهم، طبيعتهم واحدة، وموقفهم تجاه البينات واحد. لا يفتحون لها قلوبهم، ولا يتدبرونها بعقولهم. وهم معتدون متجاوزون...
التفسير الحديث لدروزة 1404 هـ :
في الآية إشارة مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم من بعد نوح عليه السلام، وإلى ما كان من تكذيبهم للرسل كما كذب الذين من قبلهم وعدم إيمانهم. وخاتمة الآية تقرر أن المعتدين هم الذين كذبوا أولا وآخرا أي أن انحرافهم وفسادهم هما اللذان ساقاهم إلى الكفر والتكذيب؛ ولذلك طبع الله على قلوبهم
وقد هدفت الآية إلى تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم بذكرها مواقف ذوي النيات السيئة الناشرين من الأمم السابقة من رسلهم ليعرف من ذلك أن مواقف ذوي النيات السيئة من قومه ليست بدعا.
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
{كذلك نطبع على قلوب المعتدين} أي وهكذا يقع للمكذبين الذين يأتون من بعدهم، إذ يسلكون نفس السبيل الذي سلكه أسلافهم من المكذبين الأولين، فهم في الحقيقة حزب واحد، ويجمعهم رأي واحد، هو الاعتقاد الفاسد.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
وهكذا كانت الرسالات منطلق هدى، وينبوع خير، وحركة إبداع، ويقظة روح {فَجَآءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} إن الرسالات لا تمثّل الصدمة التي تهز في الناس شعورهم، بل تمثّل الفكرة التي تحرك فيهم عقولهم، ولذلك كانت أدواتها فكرية عقلانية، فلا تدعو الناس إلا من خلال الحجة التي تدفعهم إلى التفكير، وتقودهم إلى التأمل والحوار، لأن ذلك هو الذي يجعل للقناعات قوّتها في حساب العقيدة، ويؤكّد لها مواقعها في مواقع الصراع...