روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ} (73)

{ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله } أي قدرته وحكمته . أو تكوينه وشأنه سبحانه أنكروا عليها تعجبها لأنها كانت ناشئة في بيت النبوة ومهبط الوحي ومحل الخوارق فكان حقها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء من أمثال هذه الخوارق من ألطاف الله سبحانه الخفية ولطائف صنعه الفائضة على كل أحد ممن يتعلق بإفاضته عليه مشيئته تعالى الأزلية لا سيما أهل بيت النبوة الذين هم عم وأن تسبح الله تعالى وتمجده وتحمده ، وإلى ذلك أشاروا بقوله عالى : { رَحْمَتَ الله } المستتبعة كل خير ووضع المظهر موضع المضمر لزيادة تشريفها والإيماء إلى عظمتها { وبركاته } أي خيراته التامة المتكاثرة التي من جملتها هبة الأولاد ، وقيل : الرحمة النبوة . والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء عليهم السلام منهم وكلهم من ولد إبراهيم عليه السلام ؛ وقيل : رحمته تحيته . وبركاته فواضل خيره بالخلة والإمامة .

{ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت } نصب على المدح . أو الاختصاص كما ذهب إليه كثير من المعربين ، قال أبو حيان : وبينهما فرق ولذلك جعلهما سيبويه في بابين وهو أن المنصوب على المدح لفظ يتضمن بوضعه المدح كما أن المنصوب على الذم يتضمن بوضعه الذم والمنصوب على الاختصاص يقصد به المدح . أو الذم لكن لفظه لا يتضمن بوضعه ذلك كقول رؤبة

: بنا تميما يكشف الضباب *** انتهى ، وفي الهمع أن النصب في الاختصاص بفعل واجب الاضمار وقدره سيبويه بأعنى ويختص بأن الواقعة بعد ضمير المتكلم كأنا أفعل كذا أيها الرجل . وكاللهم اغفر لنا أيتها العصابة ، وحكمها في هذا الباب إلا عند السيرافي . والأخفش حكمها في باب النداء ويقوم مقامها في الأكثر كما قال سيبويه بنو نحو قوله :

نحن بني ضبة أصحاب الجمل ***

ومنه قوله

: نحن بنات طارق *** نمشي على النمارق

ومعشر كقوله

: لنا معشر الأنصار مجد مؤثل *** بإرضائنا خير البرية أحمدا

وفي الحديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث » وآل . وأهل ، وأبو عمرو لا ينصب غيرهما وليس بشيء ، وقلّ كون ذلك علماً كما في بيت رؤبة السابق في كلام أبي حيان ، ولا يكون اسم إشارة . ولا غيره . ولا نكرة البتة . ولا يجوز تقديم اسم الاختصاص على الضمير ، وقلّ وقوع الاختصاص بعد ضمير المخاطب كسبحانك الله العظيم ، وبعد لفظ غائب في تأويل المتكلم أو المخاطب نحو على المضارب الوضيعة أيها البائع ، فالمضرب لفظ غيبة لأنه ظاهر لكنه في معنى على أو عليك ، ومنع ذلك الصفار البتة لأن الاختصاص شبه النداء فكما لا ينادي الغائب فكذلك لا يكون فيه الاختصاص انتهى مع أدنى زيادة وتغيير ، ومنه يعلم بعض ما في كلام أبي حيان وأن حمل ما في الآية الكريمة على الاختصاص انتهى مع أدنى زيادة وتغيير ، ومنه يعلم بعض ما في كلام أبي حيان وأن حمل ما في الآية الكريمة على الاختصاص من ارتكاب ما قل في كلامهم ، وجوز في الكشاف نصبه على النداء ، وقدمه على احتمال النصب على الاختصاص ، ولعله أشار بذلك إلى ترجيحه على الاحتمال الثاني لكن ذكر بعض الأفاضل إن في ذلك فوات معنى المدح المناسب للمقام ، والمراد من البيت كما في البحر بيت السكنى ، وأصله مأوى الإنسان بالليل ، ثم قد يقال من غير اعتبار الليل فيه ، ويقع على المتخذ من حجر .

ومن مدر . ومن صوف . ووبر ، وعبر عن مكان الشيء بأنه بيته ويجمع على بيوت وأبيات ، وجمع الجمع أباييت . وبيوتات . وأبياوات ، ويصغر على بييت . وبييت بالكسر ، ويقال : بويت كما تقوله العامة ، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع ليكون جوابهم عليهم السلام لها جواباً لمن يخطر بباله مثل ما خطر ببالها من سائر أهل البيت .

والجملة كلام مستأنف علل به إنكار تعجبها فهي جملة خبرية ، واختاره جمع من المحققين ، وقيل : هي دعائية وليس بذاك ، واستدل بالآية على دخول الزوجة في أهل البيت ، وهو الذي ذهب إليه السنيون ، ويؤيده ما في سورة الأحزاب ، وخالف في ذلك الشيعة فقالوا : لا تدخل إلا إذا كانت قريب الزوج ، ومن نسبه فإن المراد من البيت بيت النسب لا بيت الطين والخشب ، ودخول سارة رضي الله تعالى عنها هنا لأنها بنت عمه ، وكأنهم حملوا البيت على الشرف كما هو أحد معانيه ، وبه فسر في قول العباس رضي الله تعالى عنه يمدح النبي صلى الله عليه وسلم

: حتى احتوى ( بيتك ) المهيمن من *** خندف علياء تحتها النطف

ثم خصوا الشرف بالشرف النسبي وإلا فالبيت بمعنى النسب مما لم يشع عند اللغويين ، ولعل الذي دعاهم لذلك بغضهم لعائشة رضي الله تعالى عنها فراموا إخراجها من حكم { يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً } [ الأحزاب : 33 ] وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل الكلام في هذا المقام ، واستدل بالآية على كراهة الزيادة في التحية على السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم .

أخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً قال له : سلام عليك ورحمة الله وبركاته ومغفرته فانتهره ابن عمر وقال : حسبك ما قال الله تعالى ، وأخرج عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة فقال : السلام عليكم أهل البيت ما قال الله تعالى ، وأخرج عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته ، فقال : انتهوا بالتحية إلى ما قال الله سبحانه ، وفي رواية عن عطاء قال : كنت جالساً عند ابن عباس فجاء سائل فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفته ورضوانه فقال : ما هذا السلام ؟ا وغضب حتى احمرت وجنتاه إن الله تعالى حد للسلام حداً ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك ثم قرأ { قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ } { إِنَّهُ حَمِيدٌ } قال أبو الهيثم : أي تحمد أفعاله ، وفي الكشاف أي فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ففعيل بمعنى مفعول ، وجوز الراغب أن يكون { حَمِيدٌ } هنا بمعنى حامد ولعل الأول أولى { مَّجِيدٌ } أي كثير الخير والإحسان ، وقال ابن الأعرابي : هو الرفيع يقال : مجد كنصر وكرم مجداً ومجادة أي كرم وشرف ؛ وأصله من مجدت الابل إذا وقعت في مرعى كثير واسعد ، وقد أمجدها الراعي إذا أوقعها في ذلك ، وقال الأصمعي : يقال : أمجدت الدابة إذا أكثرت علفها ، وقال الليث : أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره ، ومن ذلك قول أبي حية النميري : تزيد على صواحبها وليست *** ( بما جدة ) الطعام ولا الشراب

أي ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب ، ومن أمثالهم في كل شجر نار ، واستمجد المرخ والعفا رأي استكثر من ذلك ، وقال الراغب : أي تحري السعة في بذل الفضل المختص به ، وقال ابن عطية : مجد الشيء إذا حسنت أوصافه ، والجملة على ما في الكشف تذييل حسن لبيان أن مقتضى حالها أن تحمد مستوجب الحمد المحسن إليها بما أحسن وتمجده إذ شرفها بما شرف ، وقيل : هي تعليل لما سبق من قوله سبحانه : { قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ } .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ} (73)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قالوا}، قال جبريل لهما: {أتعجبن من أمر الله} أن يخلق ولدا من الشيخين، {رحمت الله وبركاته} يعني نعمة الله وبركاته، {عليكم أهل البيت}، يعني بالبركة ما جعل الله منهم من الذرية، {إنه حميد} في خلقه، {مجيد}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

"قالُوا أتَعْجَبِينَ مِنْ أمْرِ اللّهِ" يقول الله تعالى ذكره: قالت الرسل لها: أتعجبين من أمْر أمَر الله به أن يكون وقضاء قضاه الله فيك وفي بعلك؟

"رَحْمَة اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ" يقول: رحمة الله وسعادته لكم أهل بيت إبراهيم...

"إنّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ" يقول: إن الله محمود في تفضله عليكم بما تفضل به من النعم عليكم وعلى سائر خلقه، "مجيد" يقول: ذو مجد ومدح وثناء كريم...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) قال أهل التأويل: أتعجبين من قدر الله هذا...

وقوله تعالى: (إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) يحتمل (حميد) الذي يقبل اليسير من المعروف، ويعطي الجزيل كالشكور، والمجيد من المجد والشرف. وقيل الحميد: المحمود، والمجيد: الماجد، وهو الكريم، والله أعلم...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

في هذه الآية حكاية عما قالت الملائكة لامرأة ابراهيم، حين تعجبت من أن تلد بعد الكبر، فإنهم قالوا لها "أتعجبين من أمر الله "وهذه الألف للاستفهام ومعناها ههنا التنبيه، وليست ألف إنكار، وإنما هي تنبيه وتوقيف. والعجب يجري على المصدر وعلى المتعجب منه كقولك: هذا أمر عجب، ولا يجوز العجب من أمر الله، لأنه يجب أن يعلم أنه قادر على كل شيء من الأجناس، لا يعجزه شيء، وما عرف سببه لا يعجب منه.

وقوله: "رحمة الله وبركاته عليكم" يحتمل معنيين: أحدهما: الدعاء لهم بالرحمة والبركة. الثاني: التذكير بنعمة الله وبركاته عليهم، والإخبار لهم بذلك... وقوله "إنه حميد مجيد" معناه مستحمد إلى عباده...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

قالوا: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} فبقي الدعاء في شريعتنا بآخر الآية حيث يقول الداعي: كما صَلَّيْتَ وباركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. والبركة الزيادة؛ فقد اتصل النَّسْلُ من الخليل، وبنو إسرائيل منهم -وهم خَلْقٌ كثير، والعرب من أولاد إسماعيل- وهم الجَمُّ الغفير...

تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :

قوله: (قالوا أتعجبين من أمر الله) معناه: لا تعجبي من أمر الله؛ فإن الله إذا أراد شيئا كان...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله} لأنها كانت في بيت الآيات ومهبط المعجزات والأمور الخارقة للعادات، فكان عليها أن تتوقر، ولا يزدهيها ما يزدهي النساء الناشئات في غير بيوت النبوة، وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب، وإلى ذلك أشارت الملائكة صلوات الله عليهم في قولهم: {رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ} أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة ويخصكم بالإنعام به يا أهل بيت النبوّة، فليست بمكان عجب. وأمر الله: قدرته وحكمته. وقوله: {رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ} كلام مستأنف علل به إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإنّ أمثال هذه الرحمة والبركة متكاثرة من الله عليكم...

{حَمِيدٌ} فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده. {مَّجِيدٌ}: كريم كثير الإحسان إليهم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{من أمر الله} يحتمل أن يريد واحد الأمور، أي من الولادة في هذه السن، ويحتمل أن يريد مصدر أمر، أي مما أمر الله في هذه النازلة.

{رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} يحتمل اللفظ أن يكون دعاء وأن يكون إخباراً، وكونه إخباراً أشرف، لأن ذلك يقتضي حصول الرحمة والبركة لهم، وكونه دعاء إنما يقتضي أنه أمر يترجى ولم يتحصل بعد...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

المقصود من هذا الكلام ذكر ما يزيل ذلك التعجب وتقديره: إن رحمة الله عليكم متكاثرة وبركاته لديكم متوالية متعاقبة، وهي النبوة والمعجزات القاهرة والتوفيق للخيرات العظيمة، فإذا رأيت أن الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية الرفيعة وفي إظهار خوارق العادات وإحداث البينات والمعجزات، فكيف يليق به التعجب.

{أهل البيت} فإنه مدح لهم فهو نصب على النداء أو على الاختصاص، ثم أكدوا ذلك بقولهم: {إنه حميد مجيد} والحميد هو المحمود وهو الذي تحمد أفعاله، والمجيد الماجد، وهو ذو الشرف والكرم، ومن محامد الأفعال إيصال العبد المطيع إلى مراده ومطلوبه، ومن أنواع الفضل والكرم أن لا يمنع الطالب عن مطلوبه، فإذا كان من المعلوم أنه تعالى قادر على الكل وأنه حميد مجيد، فكيف يبقى هذا التعجب في نفس الأمر فثبت أن المقصود من ذكر هذه الكلمات إزالة التعجب...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ} أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله محمود، ممجد في صفاته وذاته؛ ولهذا ثبت في الصحيحين أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: قولوا:"اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

كأنه قيل: فماذا قيل لها؟ فقيل: {قالوا} أي الملائكة متعجبين من تعجبها {أتعجبين من أمر الله} أي الذي له الكمال كله، وهو لا ينبغي لك لأنك معتادة من الله بما ليس لغيركم من الخوارق، والعجب إنما يكون مما خرج عن أشكاله وخفي سببه، وأنت -لثبات علمك بالسبب الذي هو قدرة الله على كل شيء وحضوره لديك مع اصطفاء الله لكم وتكرر خرقه للعوائد في شؤونكم- لست كغيرك ممن ليس كذلك؛ ثم عللوا إنكارهم لتعجبها بقولهم: {رحمت الله} أي كرامة الذي له الإحاطة بصفات الجلال والإكرام {وبركاته} أي خيراته النامية الثابتة {عليكم} وبينوا خصوصيتهم بإسقاط أداة النداء مدحة لهم فقال: {أهل البيت} قد تمرنتم على مشاهدة العجائب لكثرة ما ترون من آثاره بمثل ذلك وغيره؛ ثم علل إحسانه إليهم مؤكداً تثبيتاً لأصل الكلام الذي أنكرته فقال: {إنه} أي بخصوص هذا الإحسان {حميد مجيد} أي كثير التعرف إلى من يشاء من جلائل النعم وعظيم المقدور بما يعرف أنه مستحق الحمد على المجد، وهو الكرم الذي ينشأ عنه الجود...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{قالوا أتعجبين من أمر الله} هذا استفهام إنكار لاستفهامهما التعجبي أي لا ينبغي لك أن تعجبي من شيء هو من أمر الله الذي لا يعجزه شيء {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] وإنما يصح العجب من وقوع ما يخالف سننه تعالى في خلقه إذا لم يكن واضح السنن ونظام الأسباب هو الذي أراد أن يستثني منها واقعة يجعلها من آياته، لحكمة من حكمه في عباده {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت} هذه جملة دعائية استجيبت فمعناه الذي فسره الزمان إلى الآن: رحمة الله الخاصة وبركاته الكثيرة الواسعة عليكم يا معشر أهل بيت النبوة والرسالة، تتصل وتتسلسل في نسلكم وذريتكم إلى يوم القيامة، فلا محل للعجب أن يكون من آياته تعالى أن يهب رسوله وخليله الولد منكما في كبركما وشيخوختكما، فما هي بأول آياته له وقد نجاه من نار قومه الظالمين، وآواه إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين. وهذه الرحمة والبركات والسلام عليهم، إرث أو تجديد لما هبط به نوح من السلام والبركات عليه وعلى أمم ممن معه كما تقدم في الآية [48]. {إنه حميد مجيد} أنه جل جلاله مستوجب لأنواع الثناء والحمد، حقيق بأسنى غايات المجد، وبتأثيلهما لأهل البيت. والجملة تعليل لما قبلها، وأصل المجد في اللغة أن تقع إبل في الأرض واسعة المرعى، يقال: مجدت تمجد [من باب نصر] مجدا ومجادة، وأمجدها الراعي، والمجد في البيوت والأنساب ما يعده الرجل من سعة كرم آبائه وكثرة نوالهم، ووصف الله كتابه بالمجيد كما وصف نفسه به لسعة هداية كتابه، وسعة كرمه وفضله على عباده، ومن هذه الآية أخذ النبي صلى الله عليه وسلم دعاء الصلاة الذي أمر به أمته عقب التشهد الأخير من الصلاة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولا عجب من أمر الله. فالعادة حين تجري بأمر لا يكون معنى هذا أنها سنة لا تتبدل. وعندما يشاء الله لحكمة يريدها -وهي هنا رحمته بأهل هذا البيت وبركاته الموعودة للمؤمنين فيه- يقع ما يخالف العادة، مع وقوعه وفق السنة الإلهية التي لا نعلم حدودها، ولا نحكم عليها بما تجري به العادة في أمد هو على كل حال محدود، ونحن لا نستقرئ جميع الحوادث في الوجود. والذين يقيدون مشيئة الله بما يعرفونه هم من نواميسه لا يعرفون حقيقة الألوهية كما يقررها الله سبحانه في كتابه -وقوله الفصل وليس للعقل البشري قول في ذلك القول- وحتى الذين يقيدون مشيئة الله بما يقرر الله -سبحانه- أنه ناموسه، لا يدركون حقيقة الألوهية كذلك! فمشيئة الله سبحانه طليقة وراء ما قرره الله سبحانه من نواميس. ولا تتقيد هذه المشيئة بالنواميس. نعم إن الله سبحانه يجري هذا الكون وفق النواميس التي قدرها له.. ولكن هذا شيء والقول بتقيد إرادته بهذه النواميس بعد وجودها شيء آخر! إن الناموس يجرى وينفذ بقدر من الله قي كل مرة ينفذ فيها. فهو لا يجري ولا ينفذ آليا. فإذا قدر الله في مرة أن يجري الناموس بصورة أخرى غير التي جرى بها في مرات سابقة كان ما قدره الله ولم يقف الناموس في وجه هذا القدر الجديد.. ذلك أن الناموس الذي تندرج تحته كل النواميس هو طلاقة المشيئة بلا قيد على الإطلاق، وتحقق الناموس في كل مرة يتحقق فيها بقدر خاص طليق...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جواب الملائكة إياها بجملة {أتعجبين من أمر الله} إنكار لتعجبها لأنه تعجّبٌ مراد منه الاستبعاد. و {أمر الله} هو أمر التكوين، أي أتعجبين من قدرة الله على خرق العادات. وجوابهم جار على ثقتهم بأن خبرهم حق منبئ عن أمر الله. وجملة {رحمت الله وبركاته عليكم} تعليل لإنكار تعجبها، لأن الإنكار في قوة النفي، فصار المعنى: لا عجب من أمر الله لأنّ إعطاءك الولد رحمة من الله وبركة، فلا عجب في تعلّق قدرة الله بها وأنتم أهل لتلك الرحمة والبركة فلا عجب في وقوعها عندكم. ووجه تعليل نفي العجب بهذا أن التعجب إمّا أن يكون من صدور هذا من عند الله وإما أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم عليه السّلام وامرأته فكان قولهم {رحمت الله وبركاته عليكم} مفيداً تعليل انتفاء العجبين. وتعريف {البيت} تعريف حضور، وهو البيت الحاضر بينهم الذي جرى فيه هذا التحاور، أي بيت إبراهيم عليه السّلام. والمعنى أهل هذا البيت. والمقصود من النداء التنويه بهم ويجوز كونه اختصاصاً لزيادة بيان المرَاد من ضمير الخطاب. وجملة {إنّه حميد مجيد} تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأنّ الله يحمد من يطيعه، وبأنّه مَجِيدٌ، أي عظيم الشأن لاَ حَدّ لِنِعَمِه فلا يعظم عليه أن يعطيها ولداً، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى الله تعالى على إبراهيم عليه السّلام وأهله...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وبهذا يبقى للمؤمن في حياته، عين على الواقع حيث يخوض التجربة، وعينٌ على الغيب متفائلاً بالأمل الكبير القادم من غيب الله. وهكذا كان جواب الملائكة لزوجة إبراهيم، للإيحاء بذلك كله: {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} وهو الذي يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} في ما أفاض عليهم من نعمه وألطافه السالفة، وفي ما يفيضه عليكم في الحاضر والمستقبل. وإذا انطلقت رحمة الله وبركاته في حياة الإنسان، فإنها تفتح له كل الأبواب، وتيسّر له كل عسر، وتأتي إليه بالعجائب على أكثر من صعيد، {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} فله المحامد كلها في ذاته، وفي ما يرحم به عباده، وله المجد كله، في ما يملكه من قدرة، وفي ما يتّصف به من عظمة...