روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ} (78)

{ وَجَاءهُ } أي لوطاً وهو في بيته مع أضيافه { قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قال أبو عبيدة : أي يستحثون إليه كأنه يحث بعضهم بعضاً ، أو يحثهم كبيرهم ويسوقهم ، أو الطمع في الفاحشة ، والعامة على قراءته مبنياً للمفعول ، وقرأ جماعة { يُهْرَعُونَ } بفتح الياء مبنياً للفاعل من هرع ، وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان كأن بعضه يدفع بعضاً ، وجاء أهرع القوم إذا أسرعوا ، وفسر بعضهم الإهراع بالمشي بين الهرولة والجمز ، وعن ابن عباس أنه سئل عما في الآية ، فقال : المعنى يقبلون إليه بالغضب ، ثم أنشد قول مهلهل

: فجاءوا يهرعون وهم أسارى *** نقودهم على رغم الأنوف

وفي رواية أخرى عنه أنه فسر ذلك بيسرعون وهو بيان للمراد ويستقيم على القرائتين ، وجملة { يُهْرَعُونَ } في موضع الحال من قومه أي جاؤوا مهرعين إليه ، روي أنه لما جاء لوط بضيفه لم يعلم ذلك أحد إلا أهل بيته فخرجت امرأته حتى أتت مجالس قومها فقالت : إن لوطاً قد أضاف الليلة فئة ما رؤي مثلهم جمالاً فحينئذٍ جاؤوا يهرعون إليه { وَمِن قَبْلُ } أي من قبل وقت مجيئهم ، وقيل : { مِن قَبْلُ } بعث لوط رسولاً إليهم { كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات } قيل : المراد سيئة إتيان الذكور إلا أنها جمعت باعتبار تكررها أو باعتبار فاعليها .

وقيل : المراد ما يعم ذلك ، وإتيان النساء في محاشهن . والمكاء . والصفير . واللعب بالحمام . والقمار . والاستهزاء بالناس . وغير ذلك ، والمراد من ذكر عملهم السيئات من قبل بيان أنهم اعتادوا المنكر فلم يستحيوا فلذلك أسرعوا لطلب الفاحشة من ضيوفه مظهرين غير مكترثين ، فالجملة معترضة لتأكيد ما قبلها .

وقيل : إنها بيان لوجه ضيق صدره لما عرف من عادتهم ، وجعلها شيخ الإسلام في موضع الحال كالتي قبلها أي جاؤوا مسرعين ، والحال أنهم كانوا منهمكين في عمل السيئات .

{ قَالَ يَا قَوْم * هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } فتزوجوهن وكانوا يطلبونهن من قبل ولا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لعدم مشروعية تزويج المؤمنات من الكفار فإنه كان جائزاً ، وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب لأبي العاص بن الربيع . وابنته رقية لعتبة بن أبي لهب قبل الوحي وكانا كافرين إلا أن عتبة لم يدخل بها وفارقها بطلب أبيه حين نزلت { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } [ المسد : 1 ] فتزوّجها عثمان رضي الله تعالى عنه ، وأبا العاص كان قد دخل بها لكن لما أسر يوم بدر وفادى نفسه أخذ النبي صلى الله عليه وسلم العهد عليه أن يردها إذا عاد فأرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار في طلبها فجاءا بها ثم أنه أسلم وأتى المدينة فردها عليه الصلاة والسلام إليه بنكاح جديد أو بدونه على الخلاف .

وقال الحسن بن الفضل : إنه عليه السلام عرض بناته عليهم بشرط الإسلام ، وإلى ذلك ذهب الزجاج ، وهو مبني على أن تزويج المسلمات من الكفار لم يكن جائزاً إذ ذاك ، وقيل : كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه ولم يكن له عليه السلام سواهما ، واسم إحداهما على ما في بعض الآثار زعوراء . والأخرى زيتاء ، وقيل : كان له عليه السلام ثلاث بنات ، وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس ، ويؤيده ظاهر الجمع وإن جاء إطلاقه على اثنين ، وأياً ما كان فقد أراد عليه السلام بذلك وقاية ضيفه وهو غاية الكرم فلا يقال : كيف يليق به عليه السلام أن يعرض بناته على أعدائه ليزوجهن إياهم ؟ا نعم استشكل عرض بناته بناءاً على أنهن اثنتان كما هو المشهور ، أو ثلاث كما قيل على أولئك المهرعين ليتزوجوهن مع القول بأنهم أكثر منهن إذ لا يسوغ القول بحل تزوج الجماعة بأقل منهم في زمان واحد ، ومن هنا قال بعض أجلة المفسرين : إن ذلك القول لم يكن منه عليه السلام مجرياً على الحقيقة من إرادة النكاح بل كان ذلك مبالغة في التواضع لهم وإظهاراً لشدة امتعاضه مما أوردوا عليه طمعاً في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك فيتركوا ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم وهو الأنسب بجوابهم الآتي ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس . وابن أبي حاتم عن ابن جبير . ومجاهد . وابن أبي الدنيا . وابن عساكر عن السدي أن المراد ببناته عليه السلام نساء أمته ، والإشارة بهؤلاء لتنزيلهن منزلة الحاضر عنده وإضافتهن إليه لأن كل نبي أب لأمته ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم .

وقرأ أبي رضي الله تعالى عنه مثل ذلك لكنه قدم { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] علي وهو أب لهم وأراد عليه السلام بقوله : { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } أنظف فعلاً ، أو أقل فحشاً كقولك : الميتة أطيب من المغصوب وأحل منه ، ويراد من الطهارة على الأول الطهارة الحسية وهي الطهارة عما في اللواطة من الأذى والخبث ، وعلى الثاني الطهارة المعنوية وهو التنزه عن الفحش والإثم ، وصيغة أفعل في ذلك مجاز ، والظاهر إن هؤلاء بناتي مبتدأ وخبر ، وكذلك { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } وجوز أبو البقاء كون { بَنَاتِى } بدلاً أو عطف بيان { وَهَنَ } ضمير فصل ، و { أَطْهَرُ } هو الخبر ، وكون { هُنَّ } مبتدأ ثانياً ، و { أَطْهَرُ } خبره ، والجملة خبر { هَؤُلاء } .

/ وقرأ الحسن وزيد بن علي . وعيسى الثقفي . وسعيد بن جبير . والسدي { أَطْهَرُ } بالنصب ، وقد خفي وجهه حتى قال عمرو بن العلاء : إن من قرأ { أَطْهَرُ } بالنصب فقد تربع في لحنه وذلك لأن انتصابه على أن يجعل حالاً عمل فيها ما في { هَؤُلاء } من الإشارة أو التنبيه أو ينصب { هَؤُلاء } بفعل مضمر كؤنه قيل : خذوا هؤلاء و { بَنَاتِى } بدل ، ويعمل هذا المضمر في الحال و { هُنَّ } في الصورتين فصل وهذا لا يجوز لأن الفصل إنما يكون بين المسند والمسند إليه ، ولا يكون بين الحال وذيها كذا قيل ، وهذا المنع هو المروى عن سيبويه وخالف في ذلك الأخفش فأجاز توسط الفصل بين الحال وصاحبها فيقول : جاء زيد هو ضاحكاً ، وجعل من ذلك هذه الآية على هذه القراءة ، وقيل : بوقوعه شذوذاً كما في قولهم : أكثر أكلي التفاحة هي نضيجة ، ومن منع ذلك خرج هذا على إضمار كان ، والآية الكريمة على أن { هُنَّ } مبتدأ و { لَكُمْ } الخبر ، و { أَطْهَرُ } حال من الضمير في الخبر ، واعترض بأن فيه تقديم الحال على عاملها الظرفي ، والأكثرون على منعه أو على أن يكون { هَؤُلاء } مبتدأ و { بَنَاتِى هُنَّ } جملة في موضع خبر المبتدأ كقولك : هذا أخي هو ، ويكون { أَطْهَرُ } حالاً وروي هذا عن المبرد .

وابن جني ، أو على أن يكون { هؤُلاء } مبدأ و { بَنَاتِى } بدلاً منه أو عطف بيان و { هُنَّ } خبر و { أَطْهَرُ } على حاله .

وتعقب بأنه ليس فيه معنى طائل ، ودفع بأن المقصود بالإفادة الحال كما في قولك : هذا أبوك عطوفاً ، وادعى في «الكشف » أن الأوجه أن يقدروا خذوا هؤلاء أطهر لكم ، وقوله : { بَنَاتِى هُنَّ } جملة معترضة تعليلاً للأمر وكونهن أولى قدمت للاهتمام كأنه قيل خذوا هؤلاء العفائف أطهر لكم إن بناتي هن وأنتم تعلمون طهارتي وطهارة بناتي ؛ ويجوز أن يقال { هُنَّ } تأكيد للمستكن في { بَنَاتِى } لأنه وصف مشتق لا سيما على المذهب الكوفي فافهم ولا تغفل { فاتقوا الله } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم { وَلاَ تُخْزُونِ في ضَيْفِى } أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاء له ، أو لا تخجلوني فيهم ، والمصدر على الأول الخزي وعلى الثاني الخزاية ، وأصل معنى خزي لحقه انكسار إما من نفسه وهو الحياء المفرط ، وإما من غيره وهو الاستخفاف والتفضيح ، والضيف في الأصل مصدر ، ولذا إذا وصف به المثنى أو المجموع لم يطابق على المشهور ، وسمع فيه ضيوف ، وأضياف ، وضيفان ، { وَلاَ } ناهية ، والفعل مجزوم بحذف النون ، والموجودة نون الوقاية ، والياء محذوفة اكتفاءاً بالكسرة ، وقرىء بإثباتها على الأصل { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل القبيح ، وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه قال : يأمر بمعروف أو ينهي عن منكر ، وهو إما بمعنى ذو رشد أو بمعنى مرشد كالحكيم بمعنى المحكم ، والاستفهام للتعجب ، وحمله على الحقيقة لا يناسب المقام .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَـٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ} (78)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وجاءه قومه يهرعون إليه}، يعني يسرعون إليه مشاة إلى لوط، {ومن قبل} أن نبعث لوطا، {كانوا يعملون السيئات} يعني نكاح الرجال، و {قال} لوط: {يا قوم هؤلاء بناتي}...فتزوجوهما {هن أطهر لكم} يعني أحل لكم من إتيان الرجال، {فاتقوا الله} في معصيته، {ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد} يقول: ما منكم رجل مرشد...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وجاء لوطا قومه يستحثون إليه يَرْعَدون مع سرعة المشي مما بهم من طلب الفاحشة، يقال: أُهْرِع الرجل من برد أو غضب أو حُمّى: إذا أُرعد، وهو مُهْرِع إذا كان مُعْجَلاً حريصا... عن مجاهد، في قول الله:"يُهْرَعُونَ إلَيْهِ" قال: يُهَرْوِلون، وهو الإسراع في المشي...

عن الضحاك: "وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ "قال: يسعون إليه...

عن قتادة، قال: فأتوه يُهرعون إليه، يقول: سراعا إليه...

وقوله: "وَمِنْ قبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السّيّئاتِ" يقول: من قبل مجيئهم إلى لوط كانوا يأتون الرجال في أدبارهم...

وقوله: "قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتي" يقول تعالى ذكره: قال لوط لقومه لما جاءوا يراودونه عن ضيفه: هؤلاء يا قوم بناتي يعني نساء أمته فانكِحوهن ف "هُنّ أطْهَرُ لَكُمْ"... عن قتادة: "هَؤُلاءِ بَناتي هُنّ أطْهَرُ لَكُمْ" قال: أمرهم لوط بتزويج النساء، وقال: هن أطهر لكم...

عن مجاهد: "هَؤُلاءِ بَناتي هُنّ أطْهَرُ لَكُمْ" قال: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكلّ نبيّ أبو أمته... أمرهم أن يتزوّجوا النساء، لم يعرض عليهم سفاحا... عن قتادة...: أمرهم أن يتزوّجوا النساء، وأراد نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أن يقيَ أضيافه ببناته...

وقوله: "فاتّقُوا اللّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي" يقول: فاخشوا الله أيها الناس، واحذروا عقابه في إتيانكم الفاحشة التي تأتونها وتطلبونها.

"وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي" يقول: وَلا تُذِلّوني بأن تركبوا مني في ضيفي ما يكرهون أن تركبوه منهم. والضيف في لفظ واحد في هذا الموضع بمعنى جمع، والعرب تسمي الواحد والجمع ضيفا بلفظ واحد كما قالوا: رجل عدل، وقوم عدل.

وقوله: "ألَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ" يقول: أليس منكم رجل ذو رشد يَنْهَي من أراد ركوب الفاحشة من ضيفي، فيحول بينهم وبين ذلك؟...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

" أليس منكم رجل رشيد "خرج مخرج الإنكار عليهم وإن كان لفظه لفظ الاستفهام. والرشيد هو الذي يعمل بما يقتضيه عقله، لأنه يدعو إلى الحق، ومنه الإرشاد في الطرق، فقال: أما منكم من يدعو إلى الحق ويعمل به. ونقيض الرشد الغي...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

" أليس منكم رجل رشيد "يرتدي جلبابَ الحشمة، ويؤثِر حقَّ الله على ما هو مقتضى البشرية، ويرعى حق الضيافة، ويترك معصية الله؟...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{يُهْرَعُونَ} يسرعون كأنما يدفعون دفعاً. {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات} ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش ويكثرونها، فضروا بها ومرنوا عليها وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء... {فاتقوا الله} بإيثارهن عليهم {وَلاَ تخزوني} ولا تهينوني ولا تفضحوني، من الخزي، أو ولا تخجلوني، من الخزاية وهي الحياء {فِي ضَيْفِي} في حق ضيوفي فإنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزي الرجل، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} رجل واحد يهتدي إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن السوء...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... {هؤلاء بناتي} فقالت فرقة أشار إلى بنات نفسه وندبهم في هذه المقالة إلى النكاح، وذلك على أن كانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة، أو على أن في ضمن كلامه أن يؤمنوا. وقالت فرقة: إنما كان الكلام مدافعة لم يرد إمضاءه، روي هذا القول عن أبي عبيدة، وهو ضعيف، وهذا كما يقال لمن ينهى عن مال الغير: الخنزير أحل لك من هذا وهذا التنطع ليس من كلام الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، وقالت فرقة: أشار بقوله: {بناتي} إلى النساء جملة إذ نبي القوم أب لهم، ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} "وهو أب لهم "وأشار أيضاً لوط -في هذا التأويل- إلى النكاح...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

{قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد [للرجال والنساء]، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 165، 166]، وقوله في الآية الأخرى: {قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} [الحجر: 70] أي: ألم ننهك عن ضيافة الرجال {قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 71، 72]...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{وجاءه قومه يهرعون إليه} أي جاءوه يهرولون متهيجة أعصابهم كأن سائقا يسوقهم، قال في المصباح المنير: هرع وأهرع بالبناء فيهما للمفعول إذا أعجل على الإسراع، أي حمل على العجل به اه. وقال الكسائي والفراء وغيرهما: لا يكون الإهراع إلا إسراعا مع رعدة من برد أو غضب أو حمى اه. وينبغي أن يزاد عليه أو شهوة شديدة، وقال مجاهد: هو مشي بين الهرولة والعدو. {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} ومن قبل هذا المجيء كانوا يعملون السيئات الكثيرة وشرها أفظع الفاحشة وأنكر في الفطرة البشرية والشرائع الإلهية والوضعية، وهي إتيان الرجال شهوة من دون النساء، ومجاهرتهم بها في أنديتهم كأنها من الفضائل، يتسابقون إليها ويتبارون فيها، كما حكى الله عنه من قوله بعد رميهم بالفاحشة {أإنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر} [العنكبوت: 29] فماذا فعل لوط، وبم واجههم وعارضهم؟

{قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم} فتزوجوهن، قيل أراد بناته من صلبه، وأنه سمح بتزويجهم بهن بعد امتناع لصرفهم عن أضيافه، وقيل أراد بنات قومه في جملتهن، لأن النبي في قومه كالولد في عشيرته، قاله ابن عباس {رضي الله عنه] ومجاهد وسعيد بن جبير، ويدخل فيه نساؤهم المدخول بهن وغيرهن من المعدات للزواج، يعني أن الاستمتاع بهن بالزواج أطهر من التلوث برجس اللواط، فإنه يكبح جماح الشهوة مع الأمن من الفساد، وصيغة التفضيل هنا للمبالغة في الطهر فلا مفهوم لها، وهذا كثير في اللغة ويقول النحويون فيه: إن أفعل التفضيل على غير بابه، والظاهر أنه يأمرهم في هذه الحال الذي هاجت فيه شهوتهم واشتد سبقهم، أن يأتوا نساءهم كما ورد في الإرشاد النبوي لمن رأى امرأة أعجبته أن يأتي امرأته في تلك الحالة التي هاجته فيها رؤيتها.

وزعم بعض المفسرين أنه عليه السلام عرض على هؤلاء الفساق المجرمين بناته أن يستمتعوا بهن كما يشاءون، ومثل هذا في سفر التكوين [19: 8] وفيه أنهما اثنتان، ولا يعقل أن يقع هذا الأمر من أي رجل صالح فضلا عن نبي مرسل، ولا يصح في مثله أن يعبر عنه بأنه أطهر لهم، فغسل الدم بالبول ليس من الطهارة في شيء، وإن كان يعتقد أنهم لا يجيبونه إلى هذا الفعل، بل الذنب في هذه الحال أكبر، لأنه أمر بالمنكر، وخروج عن الحكم الشرعي، إيثارا للتجمل الشخصي، وهو لا يتعارض مع قوله لهم بعده {فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي} فإن الزنا ليس من التقوى بل هو هدم لها، وإنما معنى هذا الأمر والنهي: فاجمعوا بما أمرتكم به بين تقوى الله باجتناب الفاحشة، وبين حفظ كرامتي وعدم إذلالي وامتهاني بفضيحتي في ضيفي فإن فضيحة الضيف فضيحة للمضيف وإهانة له، ولفظ الضيف يطلق على الواحد والمثنى والجمع.

{أليس منكم رجل رشيد} ذو رشد يعقل هذا فيرشدكم إليه؟

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(وجاءه قومه يهرعون إليه). أي يسرعون في حالة تشبه الحمى. (ومن قبل كانوا يعملون السيئات).. وكان هذا ما ساء الرجل بضيوفه، وما ضيق بهم ذرعه، وما دعاه إلى توقع يوم عصيب! ورأى لوط ما يشبه الحمى في أجساد قومه المندفعين إلى داره، يهددونه في ضيفه وكرامته. فحاول أن يوقظ فيهم الفطرة السليمة، ويوجههم إلى الجنس الآخر الذي خلقه الله للرجال، وعنده منه في داره بناته، فهن حاضرات، حاضرات اللحظة إذا شاء الرجال المحمومون تم الزواج على الفور، وسكنت الفورة المحمومة والشهوة المجنونة! (قال: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم. فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي. أليس منكم رجل رشيد؟). (هؤلاء بناتي هن أطهر لكم).. أطهر بكل معاني الطهر. النفسي والحسي. فهن يلبين الفطرة النظيفة، ويثرن مشاعر كذلك نظيفة. نظافة فطرية ونظافة أخلاقية ودينية. ثم هن أطهر حسيا. حيث أعدت القدرة الخالقة للحياة الناشئة مكمنا كذلك طاهرا نظيفا. (فاتقوا الله).. قالها يلمس نفوسهم من هذا الجانب بعد أن لمسها من ناحية الفطرة. (ولا تخزون في ضيفي).. قالها كذلك يلمس نخوتهم وتقاليد البدو في إكرام الضيف إطلاقا. (أليس منكم رجل رشيد؟).. فالقضية قضية رشد وسفه إلى جوار أنها قضية فطرة ودين ومروءة.. ولكن هذا كله لم يلمس الفطرة المنحرفة المريضة، ولا القلوب الميتة الآسنة، ولا العقول المريضة المأفونة. وظلت الفورة المريضة الشاذة في اندفاعها المحموم...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

أي: يسرعون إليه في تدافق، والإنسان إذا لم يكن قد مرن على الشر وله به دربة، يكون مترددا خائفا، أما من له دربة فهو يقبل على الشر بجرأة ونشاط...

وقوله تعالى: {يهرعون إليه}: يبين أنهم أقبلوا باندفاع، كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه؛ لأن كلا منهم له دربة على ذلك الفعل المشين، أو أن كلا منهم ذاهب إلى ما يحب دون تهيب، باندفاع من نفسه ودفع من غيره... وقوم لوط كانوا على دربة بتلك الفاحشة. يقول الحق سبحانه عنهم: {ومن قبل كانوا يعملون السيئات}: أي: أن هذه المسألة عندهم كانت محبوبة، ولهم دربة عليها وخفيفة على قلوبهم، ولا حياء يمنعهم عنها. فالحياء يعني أن بعض الناس يعمل السيئة ويخشى الآخرون أن يفعلوها، لكن إذا ما كانوا كلهم يحبون تلك السيئة، فلن يخجل أحد من الآخر. وماذا يكون موقف لوط- عليه السلام- في هذا اليوم العصيب؟ لقد أقبلوا عليه بسرعة، وفي كوكبة واندفاع، وهو يعلم نياتهم ويعلم سوابقهم، وفكر لوط- عليه السلام- في أن يصرفهم انصرافا من جنس اندفاعهم...

أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري 1439 هـ :

من الهداية: -فضيلة إكرام الضيف وحمايته من كل ما يسوءه.- فظاعة العادات السيئة وما تحدثه من تغير في الإِنسان. -بذل ما يمكن لدفع الشر لوقاية لوط ضيفه.- أسوأ الحياة أن لا يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.