روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} (39)

{ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِى عَلَى الكبر } أي مع كبر سني ويأسي عن الولد فعلى بمعنى مع كما في قوله :

إني على ما ترين من كبري . . . أعرف من أين تؤكل الكتف

والجار والمجرور في موضع الحال ، والتقييد بذلك استعظاماً للنعمة وإظهاراً لشكرها ، ويصح جعل { عَلَىَّ } بمعناها الأصلي والاستعلاء مجازي كما في «البحر » ، ومعنى استعلائه على الكبر أنه وصل غايته فكأنه تجاوزه وعلا ظهره كما يقال : على رأس السنة ، وفيه من المبالغة ما لا يخفى ، وقال بعضهم : لو كانت للاستعلاء لكان الأنسب جعل الكبر مستعلياً عليه كما في قولهم : على دين ، وقوله : { وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ } [ الشعراء : 14 ] بل الكبر أولى بالاستعلاء منهما حيث يظهر أثره في الرأس { واشتعل الرأس شَيْباً } [ مريم : 4 ] نعم يمكن أن تجري على حقيقتها بجعلها متعلقة بالتمكن والاستمرار أي متمكناً مستمراً على الكبر ، وهو الأنسب لإظهار ما في الهيئة من الآية حيث لم يكن في أول الكبر اه وفيه غفلة عما ذكرنا { إسماعيل * وإسحاق } روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه وهب له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة ، ووهب له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة ، وفي رواية أنه ولد له إسماعيل لأربع وستين ، وإسحاق لسبعين ، وعن ابن جبير لم يولد لإبراهيم عليه السلام إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة { إِنَّ رَبّى } ومالك أمري { لَسَمِيعُ الدعاء } أي لمجيبه فالسمع بمعنى القبول والإجابة مجاز كما في سمع الله تعالى لمن حمده ، وقولهم : سمع الملك كلامه إذا اعتد به وقبله ، وهو فعيل من أمثلة المبالغة واعمله سيبويه وخالف في ذلك جمهور البصريين ، وخالف الكوفيون فيه وفي أعمال سائر أمثلتها ، وهو إذا قلنا بجواز عمله مضاف لمفعوله أن أريد به المستقبل ، وقيل : إنه غير عامل لأنه قصد به الماضي أو الاستمرار ، وجوز الزمخشري أن يكون مضافاً لفاعله المجازي فالأصل سميع دعاؤه بجعل الدعاء نفسه سامعاً ، والمراد أن المدعو وهو الله تعالى سامع . وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد لاستلزامه أن يكون من باب الصفة المشبهة وهو متعد ولا يجوز ذلك إلا عند الفارسي حيث لا يكون لبس نحو زيد ظالم العبيد إذا علم أن له عبيداً ظالمين ، وههنا فيه إلباس لظهور أنه من إضافة المثال للمفعول انتهى ، وهو كلام متين .

والقول بأن اللبس منتف لأن المعنى على الإسناد المجازي كلام واه لأن المجاز خلاف الظاهر فاللبس فيه أشد ومثله القول بأن عدم اللبس إنما يشترط في إضافته إلى فاعله على القطع ، وهذا كما قال بعض الأجلة مع كونه من تتمة الحمد والشكر لما فيه من وصفه تعالى بأن قبول الدعاء عادته سبحانه المستمرة تعليل على طريق التذييل للهبة المذكورة ؛ وفيه إيذان بتضاعيف النعمة فيها حيث وقعت بعد الدعاء بقوله :

{ رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين } [ الصافات : 100 ] فاقترنت الهبة بقبول الدعوة ، وذكر بعضهم أن موقع قوله : { الحمد للَّهِ } وتذييله موقع الاعتراض بين أدعيته عليه السلام في هذا المكان تأكيداً للطلب بتذكير ما عهد من الإجابة ، يتوسل إليه سبحانه بسابق نعمته تعالى في شأنه كأنه عليه السلام يقول اللهم استجب دعائي في حق ذريتي في هذا المقام فإنك لم تزل سميع الدعاء وقد دعوتك على الكبر أن تهب لي ولداً فأجبت دعائي وهبت لي إسماعيل وإسحاق ولا يخفى أن إسحاق عليه السلام لم يكن مولوداً عند دعائه عليه السلام السابق فالوجه أن لا يجعل ذلك اعتراضاً بل يحمل على أن الله تعالى حكى جملاً مما قاله إبراهيم عليه السلام في أحايين مختلفة تشترك كلها فيما سيق له الكلام من كونه عليه السلام على الإيمان والعمل الصالح وطلب ذلك لذريته وأن ولده الحقيقي من تبعه على ذلك فترك العناد والكفر ، وقد ذكر هذا صاحب الكشف .

ومما يعضده ما أخرجه ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في قوله : { الحمد للَّهِ } الخ : قال . هذا بعد ذلك بحين ، ووحد عليه السلام الضمير في { رَبّ } وإن كان عقيب ذكر الولدين لما أن نعمة الهبة فائضة عليه عليه السلام خاصة وهما من النعم لا من المنعم عليهم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} (39)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول: الحمد لله الذي رزقني على كبر من السنّ ولدا إسماعيل وإسحاق. "إنّ رَبّي لَسَمِيعُ الدّعاءِ "يقول: إن ربي لسميع دعائي الذي أدعوه به، وقولي: "اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ" وغير ذلك من دعائي ودعاء غيري، وجميع ما نطق به ناطق لا يخفى عليه منه شيء...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} يكون حمده على الأمرين جميعا. على الهبة وعلى الولادة في حال الكبر، وهو حال الإياس، إذ كل واحد مما يوجب الحمد عليه والثناء. وقوله تعالى: {إن ربي لسميع الدعاء} قيل: لمجيب الدعاء...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

أخبر بأن ربه الذي خلقه يجيب الدعاء لمن يدعوه وذلك يدل على أنه كان تقدم منه مسألة لله تعالى أن يهب له ولدا، فلذلك كان مجيبا له. والحمد هو الوصف الجميل على وجه التعظيم لصاحبه والإجلال له...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

كأنه قال: كما أكرمتني بِهِبَة الوَلَدِ على الكِبَر؛ فأَكْرِمْني بهذه الأشياء التي سألتُها. ويقال الإشارة في هذا أنه قال: كما مَنَنْتَ عليَّ فوهبتني على الكِبَر هذه الأولاد فاجْنِبْنَا أن نعبد الأصنام لتكونَ النعمةُ كاملةً...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... وإنما ذكر حال الكبر لأنّ المنة بهبة الولد فيها أعظم، من حيث أنها حال وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة على عقب اليأس من أجلّ النعم وأحلاها في نفس الظافر، ولأنّ الولادة في تلك السنّ العالية كانت آية لإبراهيم، {إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدعاء} كان قد دعا ربه وسأله الولد، فقال: رب هب لي من الصالحين، فشكر لله ما أكرمه به من إجابته فإن قلت: الله تعالى يسمع كل دعاء، أجابه أو لم يجبه. قلت: هو من قولك: سمع الملك كلام فلان إذا اعتد به وقبله ومنه: سمع الله لمن حمده...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في المناسبة بين قوله: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء} وبين قوله: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} وذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد موته ولكنه لم يصرح بهذا المطلوب، بل قال: {ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن} أي أنك تعلم ما في قلوبنا وضمائرنا، ثم قال: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} وذلك يدل ظاهرا على أنهما يبقيان بعد موته وأنه مشغول القلب بسببهما فكان هذا دعاء لهما بالخير والمعونة بعد موته على سبيل الرمز والتعريض وذلك يدل على أن الاشتغال بالثناء عند الحاجة إلى الدعاء أفضل من الدعاء قال عليه السلام حاكيا عن ربه أنه قال:"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ثم قال: {إن ربي لسميع الدعاء}. واعلم أنه لما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإيضاح والتصريح قال: {إن ربي لسميع الدعاء} أي هو عالم بالمقصود سواء صرحت به أو لم أصرح...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما تم ما دعا به من النزاهة عن رجاسة الشرك وتبين بتقديمه أن أهم المهمات البراءة منه، أتبعه الحمد على ما رزق من النعم وما تبع ذلك من الإشارة إلى وجوب الشكر فقال: {الحمد لله} أي المستجمع لصفات الكمال {الذي وهب} والهبة: عطية تمليك من غير عقد، منّاً منه {لي} حال كوني مستعلياً {على الكبر} ومتمكناً منه على يأس من الولد {إسماعيل} الذي أسكنته هنا {وإسحاق} وهذا يدل على ما تقدم فهمي له من أن هذا الدعاء كان بعد بناء البيت وطمأنينته بإسحاق عليه السلام... ولما كان إتيان الولد له في سن لا يولد فيه لمثله، وجميع ما دعا به من الخوارق فوجوده لا يكاد يصدق، أشار إلى ذلك بتأكيد قوله: {إن ربي} أي المحسن إليّ {لسميع الدعاء *} أي من شأنه إجابة الدعاء على الوجه الأبلغ تعريضاً بالأنداد وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم،...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

{لَسَمِيعُ الدعاء}... وهو مع كونه من تتمة الحمدِ والشكر إذ هو وصفٌ له تعالى بأن ذلك الجميلَ سنّته المستمرّةُ تعليلٌ على طريقة التذييل للهبة المذكورة، وفيه إيذانٌ بتضاعف النعمة فيها حيث وقعت بعد الدعاءِ بقوله: {رَبّ هَبْ لي مِنَ الصالحين} فاقترنت الهبةُ بقبول الدعوةِ...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

{الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} أي ليقوما مقامي في الدعوة إليه تعالى وبث الحنيفية وإقامة الصلاة بعد ذهابي {إن ربي لسميع الدعاء} أي مجيبه...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فهبتهم من أكبر النعم، وكونهم على الكبر في حال الإياس من الأولاد نعمة أخرى، وكونهم أنبياء صالحين أجل وأفضل، {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} أي: لقريب الإجابة ممن دعاه وقد دعوته فلم يخيب رجائي، ثم دعا لنفسه ولذريته، فقال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ}...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فالذرية امتداد. وما أجل الإنعام به عند شعور الفرد بقرب النهاية، وحاجته النفسية الفطرية إلى الامتداد. وإن إبراهيم ليحمد الله، ويطمع في رحمته: (إن ربي لسميع الدعاء)...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

لما دعا الله لأَهَمّ ما يهمه وهو إقامة التوحيد وكان يرجو إجابة دعوته وأن ذلك ليس بَعجبُ في أمر الله خطر بباله نعمة الله عليه بما كان يسأله وهو أن وهب له ولدَيْن في إبان الكِبَر وحين اليأس من الولادة فناجى الله فحمده على ذلك وأثنى عليه بأنه سميع الدعاء... و {على} في قوله: {على الكبر} للاستعلاء المجازي بمعنى {مع}، أي وهب ذلك تعلياً على الحالة التي شأنها أن لا تسمح بذلك...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{الحمد لله} فيه معنى القصر، أي أن الحمد لله تعالى وحده، فهو مانح النعم ومجريها وحده، وهو الذي وهبه في هذا الكبر العتي... وقوله: {على الكبر} تدل على جلال الشعور بالنعمة، إن ذلك واضح أنه إكرام من الله تعالى بخرق الأسباب...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

والوهْب هو عطاء من مُعْطٍ بلا مقابل منك. وكل الذرية هِبة، لو لم تكن هبة لكانت رتيبة بين الزوجين، وأينما يوجد زوجان توجد. ولذلك قال الله: {يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور 49 أو يُزوّجهم ذُكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير 50} (الشورى)...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ} لعباده الذين يجد في قلوبهم الإخلاص له، وفي حياتهم الحاجة إليه، في أجواء الاعتماد الكلي عليه روحياً...