روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ} (37)

{ رَبَّنَا } قال في «البحر » كرر النداء رغبة في الإجابة والالتجاء إليه تعالى ، وأتى بضمير الجماعة لأنه تقدم ذكره عليه السلام وذكر بنيه في قوله : { واجنبنى وَبَنِىَّ } [ إبراهيم : 35 ] وتعقب بأن ذلك يقتضي ضمير الجماعة في { رَبّ إِنَّهُنَّ } [ إبراهيم : 36 ] الخ مع أنه جيء فيه بضمير الواحد ، فالوجه إن ذلك لأن الدعاء المصدر به وما هو بصدد تمهيد مبادىء إجابته من قوله : { إِنَّى أَسْكَنتُ } الخ متعلق بذريته ، فالتعرض لوصف ربوبيته تعالى لهم أدخل في القبول وإجابة المسؤول ، والتأكيد لمزيد الاعتناء فيما قصده من الخبر { وَمِنْ } في قوله { مِن ذُرّيَّتِى } بمعنى بعض وهي في تأويل المفعول به أي أسكنت بعض ذريتي ، ويجوز أن يكون المفعول محذوفاً والجار والمجرور صفته سدت مسده أي أسكنت ذرية من ذريتي { وَمِنْ } تحتمل التبعيض والتبيين . وزعم بعضهم أن { مِنْ } زائدة على مذهب الأخفش لا يرتضيه سليم البصيرة كما لا يخفى ، والمراد بالمسكن إسمعيل عليه السلام ومن سيولد له فإن إسكانه حيث كان على وجه الاطمئنان متضمن لإسكانهم ، والداعي للتعميم على ما قيل قوله الآتي : { لِيُقِيمُواْ } الخ ، ولا يخفى أن الإسكان له حقيقة ولأولاده مجاز ، فمن لم يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز يرتكب لذلك عموم المجاز ، وهذا الإسكان بعدما كان بينه عليه السلام وبين أهله ما كان .

وذلك أن هاجر أم إسمعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها من إبراهيم عليه السلام فلما ولدت له إسمعيل غارت فلم تقاره على كونه معها فأخرجها وابنها إلى أرض مكة فوضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلا المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى منطلقاً فتبعته هاجر فقالت : يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء قالت له ذلك مراراف وجعل لا يلتفت إليها فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم( {[494]} ) قالت : إذن لا يضيعنا ثم رجعت ، وانطلق عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت وكان إذ ذاك مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال : { رَبّ إِنّى أَسْكَنتُ * إلى * لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } ثم أنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما في السقاء حتى إذا نفد عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر فهبطت حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزته ثم أتت المروءة فقامت عليها ونظرت هل ترىء أحداً فلم تر ففعلت ذلك سبع مرات ولذلك سعى الناس بينهما سبعاً ، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت : صه تريد نفسه ثم تسمعت فسمعت أيضاً فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء فجعلت تحوضه وتغرف منه في سقائها وهو يفور فشربت وأرضعت ولدها وقال لها الملك : لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيت الله تعالى يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله سبحانه لا يضيع أهله ، ثم أن مرت بهما رفقة من جرهم فرأوا طائراً عائفاً فقالوا : لا طير إلا على الماء فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده ، فقالوا : أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت ، فلما أدرك إسماعيل عليه السلام زوجوه أمرأة منهم وتمام القصة في كتب السير .

{ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } وهو وادي مكة شرفها الله تعالى ، ووصفه بذلك دون غير مزروع للمبالغة لأن المعنى ليس صالحاً للزرع ، ونظيره قوله تعالى : { قُرْءاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } [ الزمر : 28 ] وكان ذلك لحجريته ، قال ابن عطية : وإنما لم يصفه عليه السلام بالخلو عن الماء مع أنه حاله إذ ذاك لأنه كان علم أن الله تعالى لا يضيع إسماعيل عليه السلام وأمه في ذلك الوادي وأنه سبحانه يرزقهما الماء فنظر عليه السلام النظر البعيد ، وقال أبو حيان بعد نقله وقد يقال : إن انتفاء كونه ذا زرع مستلزم لانتفاء الماء إذ لا يمكن أن يوجد زرع إلا حيث الماء فنفى ما يتسبب عن الماء وهو الزرع لانتفاء سببه وهو الماء اه ، وقال بعضهم : إن طلب الماء لم يكن مهماً له عليه السلام لما أن الوادي مظنة السيول والمحتاج للماء يدخر منها ما يكفيه وكان المهم له طلب الثمرات فوصف ذلك بكونه غير صالح للزرع بياناً لكمال الافتقار إلى المسؤول فتأمل .

{ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } ظرف لأسكنت كقولك : صليت بمكة عند الركن ، وزعم أبو البقاء أنه صفة { وَادٍ } أو بدل منه ، واختار بعض الأجلة الأول إذ المقصود إظهار كون ذلك الإسكان مع فقدان مباديه لمحض التقرب إلى الله تعالى والالتجاء إلى جواره الكريم كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الحرمة المؤذن بعزة الملتجأ وعصمته عن المكاره ، فإنهم قالوا : معنى كون البيت محرماً أن الله تعالى حرم التعرض له والتهاون به أو أنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه الجبابرة في كل عصر أو لأنه منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذا سمي عتيقاً على ما قيل( {[495]} ) ، وأبعد من قال إنه سمي محرماً لأن الزائرين يحرمون على أنفسهم عند زيارته أشياء كانت حلالاً عليهم ، وسماه عليه السلام بيتاً باعتبار ما كان فإنه كان مبنياً قبل ، وقيل : باعتبار ما سيكون بعد وهو ينزع إلى اعتبار عنوان الحرمة كذلك .

{ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة } أي لأن يقيموا ، فاللام جارة والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها ، والجار والمجرور متعلق بأسكنت المذكور ، وتكرير النداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة فإنها عماد الدين ولذا خصها بالذكر من بين سائر شعائره ، والمعنى على ما يقتضيه كلام غير واحد على الحصر أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقغ الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع مستسعدين بجوارك الكريم متقربين إليك بالعكوف عند بيتك والطواف به والركوع والسجود حوله مستنزلين رحمتك التي آثرت بها سكان حرمك .

وهذا الحصر على ما ذكروا مستفاد من السياق فإنه عليه السلام لما قال : { بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } نفى أن يكون إسكانهم للزراعة ولما قال : { عِندَ بَيْتِكَ المحرم } أثبت أنه مكان عبادة فلما قال : { لِيُقِيمُواْ } أثبت أن الإقامة عنده عبادة وقد نتفى كونها للكسب فجاء الحصر مع ما في { رَبَّنَا } من الإشارة إلى أن ذلك هو المقصود .

وعن مالك أن التعليل يفيد الحصر ، فقد استدل بقوله تعالى : { لِتَرْكَبُوهَا } [ النحل : 8 ] على حرمة أكلها وفي «الكشف » أن استفادة الحصر من تقدير محذوف مؤخر يتعلق به الجار والمجرور أي ليقوموا أسكنتهم هذا الإسكان ، أخبر أولاً أنه أسكنهم ، بواد قفر فأدمج فيه حاجتهم إلى الوافدين وذكر وجه الإيثار لشرف الجوار بقوله : { عِندَ بَيْتِكَ المحرم } ثم صر ثانياً بأنه إنما آثر ذلك ليعمروا حرمك المحرم وبنى عليه الدعاء الآتي ، ومن الدليل على أنه غير متعلق بالمذكور تخلل { رَبَّنَا } ثانياً بين الفعل ومتعلقه وهذا بين ولا وجه لاستفادة ذلك من تكرار { رَبَّنَا } إلا من هذا الوجه اه ، واختار بعضهم ما ذكرنا أولاً في وجه الاستفادة وقال : إنه معنى لطيف ولا ينافيه الفصل بالنداء لأنه اعتراض لتأكيد الأول وتذكيره فهو كالمنبه عليه فلا حاجة إلى تعلق الجار بمحذوف مؤخر واستفادة الحصر من ذلك ، وهو الذي ينبغي أن يعول عليه ، ويجعل النداء مؤكداً للأول يندفع ما قيل : إن النداء له صدر الكلام فلا يتعلق ما بعده بما قبله فلا بد من تقدير متعلق ، ووجه الاندفاع ظاهر ، وقيل : اللام لام الأمر والفعل مجزوم بها ، والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها ولا يخفى بعده ، وأبعد منه ما قاله أبو الفرج بن الجوزي : أن اللام متعلقة بقوله : { اجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الاصنام } [ إبراهيم : 35 ] وفي قوله : { لِيُقِيمُواْ } بضمير الجمع على ما في «البحر » دلالة على أن الله تعالى أعلمه بأن ولده إسماعيل عليه السلام سيعقب هنالك ويكون له نسل { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس } أي أفئدة من أفئدتهم { تَهْوِى إِلَيْهِمْ } أي تسرع إليهم شوقاً ووداداً فمن للتبعيض ، ولذا قيل : لو قال عليه السلام : أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ، وهو مبني على الظاهر من إجابة دعائه عليه السلام وكون الجمع المضاف يفيد الاستغراق .

وروى عن ابن جبير أنه قال : لو قال عليهم السلام : أفئدة الناس لحجت البيت اليهود والنصارى .

وتعقب بأنه غير مناسب للمقام إذ المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهها إلى البيت للحج وإلا لقيل تهوى إليه فإنه عين الدعاء بالبلدية قد حكى بعبارة أخرى اه . وأنت تعلم أنه لا منافاة بين الشرطية في المروى وكون المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم ، وقد جاء نحو تلك الشرطية عن ابن عباس ، ومجاهد كما في «الدر المنثور » . وغيره ، على أن بعضهم جعل هذا دعاء بتوجيه القلوب إلى البيت .

فقد أخرج ابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن الحكم قال : سألت عكرمة . وطاوساً . وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية { فاجعل } إلى آخره فقالوا : البيت تهوى إليه قلوبهم يأتونه ، وفي لفظ قالوا : هواهم إلى مكة أن يحجوا ؛ نعم هو خلاف الظاهر ، وجوز أن تكون { مِنْ } للابتداء كما في قولك : القلب منه سقيم تريد قلبه فكأنه قيل : أفئدة ناس ، واعترضه أبو حيان بأنه لا يظهر كونها للابتداء لأنه لا فعل هنا يبتدأ فيه لغاية ينتهي إليها إذ لا يصح ابتداء جعل أفئدة من الناس . وتعقبه بعض الأجلة بقوله : وفيه بحث فإن فعل الهوى للأفئدة يبتدأ به لغاية ينتهي إليها ، ألا يرى إلى قوله : { إِلَيْهِمُ } وفيه تأمل اه وكأن فيه إشارة إلى ما قيل : من أن الابتداء في { مِنْ } الإبتدائية إنما هو من متعلقها لا مطلقاً ، وإن جعلناها متعلقة بتهوى لا يظهر لتأخيره ولتوسيط الجار فائدة ، وذكر مولانا الشهاب في توجيه الابتداء وترجيحه على التبعيض كلاماً لا يخلو عن بحث فقال : اعلم أنه قال في الإيضاح أنه قد يكون القصد إلى الابتداء دون أن يقصد انهاء مخصوص إذ كان المعنى لا يقتضي إلا بالمبتدأ منه كأعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ، وزيد أفضل من عمرو .

وقد قيل : إن جميع معاني { مِنْ } دائرة على الابتداء ، والتبعيض هنا لا يظهر فيه فائدة كما في قوله : { وَهَنَ العظم مِنّى } [ مريم : 4 ] فإن كون قلب الشخص وعظمه بعضاً منه معنى مكشوف غير مقصود بالإفادة فلذا جعلت للإبتداء والظرف مستقر للتفخيم كأن ميل القلب نشأ من جملته مع أن ميل جملة كل شخص من جهة قلبه كما أن سقم قلب العاشق نشأ منه مع أنه إذا صلح صلح البدن كله ، وإلى هذا نحا المحققون من «شراح الكشاف » لكنه معنى غامض فتدبر ، والأفئدة مفعول أول لا جعل وهو جمع فؤاد وفسروه على ما في «البحر » .

وغيهر بالقلب لكن يقال له فؤاد إذا اعتبر فيه معنى التفؤد أي التوقد ، يقال : فأدت اللحم أي شويته ولحم فئيد أي مشوي ، وقيل : الأفئة هنا القطع من الناس بلغة قريش وإليه ذهب ابن بحر ، والمفعول الثاني جملة { تَهْوَى } وأصل الهوى الهبوط بسرعة وفي كلام بعضهم السرعة ، وكان حقه أن يعدي باللام كما في قوله :

حتى إذا ما هوت كف الوليد لها . . . طارت وفي كفه من ريشها تبك

وإنما عدى بإلى لتضمينه معنى الميل كما في قوله :

تهوى إلى مكة تبغي الهدى . . . ما مؤمن الجن كأنجاسها

ولما كان ما تقدم كالمبادى لإجابة دعائه عليه السلام وإعطاء مسؤوله جاء بالفاء في قوله : { فاجعل } إلى آخره وقرأ هشام { *أفئيدة } بياء بعد الهمزة نص عليه الحلواني عنه ، وخرج ذلك على الإشباع كما في قوله :

أعوذ بالله من العقراب . . . الشائلات عقد الأذناب

ولما كان ذلك لا يكون إلا في ضرورة الشعر عند بعضهم قالوا : إن هشاماً قرأ بتسهيل الهمزة كالياء فعبر عنها الراوي بالياء فظن من أخطأ فهمه أنها بياء بعد الهمزة ، والمراد بياء عوضاً من الهمزة . وتعقب ذلك الحافظ أبو عمرو الداني بأن النقلة عن هشام كانوا من أعلم الناس بالقراءة ووجوهها فهم أجل من أن يعتقد فيهم مثل ذلك . وقرىء { *آفدة } على وزن ضاربة وفيه احتمالان . أحدهما : أن يكون قدمت فيه الهمزة على الفاء فاجتمع همزتان ثانيتهما : ساكنة فقبلت ألفاً فوزنه أعفلة كما قيل في أدور جمع دار قلبت فيه الواو المضمومة همزة ثم قدمت وقلبت ألفاً فصار آدر . وثانيهما : أنه اسم فاعل من أفد يأفد بمعنى قرب ودنا ويكون بمعنى عجل ، وهو صفة لمحذوف أي جماعة أو جماعات آفدة . وقرىء { *أفدة } بفتح الهمزة من غير مد وكسر الفاء بعدها دال ، وهو أما صفة من أفد بوزن خشنة فكيون بمعنى إفدة في القراءة الأخرى أو أصله أفئدة فنقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها ثم طرحت وهو وجه مشهور عند الصرفيين والقراء .

قال الأولون : إذا تحركت الهمزة بعد ساكن صحيح تبقى أو تنقل حركتها إلى ما قبلها وتحذف ، ولا يجوز جعلها بين بين لما فيه من شبه التقاء الساكنين ، وقال صاحب النشر من الآخرين : الهمزة المتحركة بعد حرف صحيح ساكن كمسؤول وأفئدة وقرآن وظمآنان فيها وجه واحد وهو النقل وحكى وجه ثان وهو بين بين وهو ضعيف جداً وكذا قال غيره منهم ، فما قيل : إن الوجه إخراجها بين بين ليس بالوجه . وقرأت أم الهيثم { *أفودة } بالواو المكسورة بدل الهمزة ، قال «صاحب اللوامح » : وهو جمع وفد ، والقراءة حسنة لكني لا أعرف هذه المرأة بل ذكرها أبو حاتم اه .

وقال أبو حيان : يحتمل أنه أبدل الهمزة في فؤاد ثم جمع وأقرت الواو في الجمع إقرارها في المفرد أو هو جمع وفد كما قال صاحب اللوامح وقلب إذ الأصل أوفدة ، وجمع فعل على أفعلة شاذ . ونجد وأنجدة ووهى وأوهية ، وأم الهيثم امرأة نقل عنها شيء من لغات العرب . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { *إفادة } على وزن إمارة ويظهر أن الهمزة بدل من الواو المكسورة كما قالوا : إشاح في وشاح فالوزن فعالة أي فاجعل ذوي وفادة ، ويجوز أن يكون مصدر أفاد إفادة أي ذوي إفادة وهم الناس الذين يفيدون وينتفع بهم . وقرأ مسلمة بن عبد الله { وَمَا تَهْوَى } بضم التاء مبنياً للمفعول من أهوى المنقول بهمزة التعدية منهوى اللازم كأنه قيل : يسرع بها إليهم . وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وجماعة من أهله . ومجاهد { تَهْوَى } مضارع هو بمعنى أحب ، وعدى بإلى لما تقدم { وارزقهم } أي ذريتي الذين أسكنتهم هناك . وجوز أن يريدهم والذين ينحازون إليهم من الناس ، وإنما لم يخص عليه السلام الدعاء بالمئمنين منهم كما في قوله : { وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الاخر } [ البقرة : 126 ] اكتفاء على ما قيل بذكر إقامة الصلاة .

{ مِنَ الثمرات } من أنواعها بأن تجعل بقربهم قرى يحصل فيها ذلك أو تجبى إليهم من الأقطار الشاسعة وقد حصل كلا الأمرين حتى أنه يجتمع في مكة المكرمة البواكير والفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد . أخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي أن الطائفي كانت من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيم عليه السلام بهذه الدعوة رفعها الله تعالى ووضعها حيث وضعها رزقاً للحرم . وفي رواية أن جبريل عليه السلام اقتلعها فجاء وطاف بها حول البيت سبعاً ولذا سميت الطائف ثم وضعها قريب مكة . وروى نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري أن الله تعالى نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه السلام . والظاهر أن إبراهيم عليه السلام لم يكن مقصوده من هذا الدعاء نقل أرض منبتة من فلسطين أو قرية من قرى الشام وإنما مقصوده عليه السلام أن يرزقهم سبحانه من الثمرات وهو لا يتوقف على النقل ، فلينظر ما وجه الحكمة فيه ، وأنا لست على يقين من صحته ولا أنكر والعياذ بالله تعالى أن الله جل وعلا على كل شيء قدير وأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } تلك النعمة بإقامة الصلاة وإداء سائر مراسم العبودية واستدل به على أن تحصيل منافع الدنيا إنما هي ليستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات ، ولا يخفى ما في دعائه عليه السلام من مراعاة حسن الأدب والمحافظة على قوانين الضراعة وعرض الحاجة واستنزال الرحمة واستجلاب الرأفة ، ولذا من عليه بحسن القبول وإعطاء المسؤول ، ولا بدع في ذلك من خليل الرحمن عليه السلام .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم } قيل : إن من عادة الله تعالى أن يبتلى خليله بالعظائم لينزعه عن نفسه وعن جميع الخليقة لئلا يبقى بينه وبينه حجاب من الحدثان ، فلذا أمر جل شأنه هذا الخليل أن يسكن من ذريته في وادي الحرم بلا ماء ولا زاد لينقطع إليه ولا يعتمد إلا عليه عز وجل ، وناداه باسم الرب طمعا في تربية عياله وأهله بألطافه وإيوائهم إلى جوار كرامته { ربنا ليقيموا الصلاة } التي يصل العبد بها إليك ويكون مرآة تجليك { فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم } تميل بوصف الإرادة والمحبة ليسلكوهم إليك ويدلوهم عليك ، قال ابن عطاء من انقطاع عن الخلق بالكلية صرف الله تعالى إليه وجوه الخلق وجعل مودته في صدورهم ومحبته في قلوبهم ، وذلك من دعاء الخليل عليه السلام لم قطع أهله عن الخلق والأسباب قال : { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وارزقهم مّنَ الثمرات } قيل : أي ثمرات طاعتك وهي المقامات الرفيعة والدرجات الشريفة .

وقال الواسطي : ثمرات القلوب وهو أنواع الحكمة ورئيس الحكمة رؤية المنة والعجز عن الشكر على النعمة وهو الشكر الحقيقي ولذلك قال : { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } [ إبراهيم : 37 ] أي يعلمون أنه لا يتهيأ لأحد أن يقوم بشكرك وتمرة الحكمة تزيل الأمراض عن القلوب كما أن ثمرة الاشجار تزيل أمراض النفوس . وقيل : أي أرزقهم الأولاد الأنبياء والصلحاء ، وفيه إشارة إلى دعوته بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم المعنى له بقوله : { ربنا وابعث فيهم رسولاً } [ البقرة : 129 ] وأي الثمرات أشهى من أصفى الأصفياء وأتقى الأتقياء وأفضل أهل الأرض والسماء وحبيب ذي العظمة والكبرياء فهو عليه الصلاة والسلام ثمرة الشجرة الإبراهيمية وزهرة رياض الدعوة الخليلية بل هو صلى الله عليه وسلم ثمرة شجرة الوجود . ونور حديقة الكرم واجلود . ونور حدقة كل موجود صلى الله عليه وسلم عليه إلى اليوم المشهود


[494]:- وبهذا يبطل استدلال بعض غلاة المتصوفة بالآية على أنه يجوز للانسان أن يضع ولده وعياله في أرض مضيعة اتكالا اهـ منه.
[495]:- وقيل: العتيق مقابل الجديد اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ} (37)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ربنا إني أسكنت من ذريتي}، يعني إسماعيل ابني خاصة، {بواد غير ذي زرع}، يعني لا حرث فيها، ولا ماء، يعني مكة، {عند بيتك المحرم}، حرمه لئلا يستحل فيه ما لا يحل، فيها تقديم، {ربنا ليقيموا الصلاة}، يعني اجنبني وبني أن نعبد الأصنام، لكي يصلوا لك عند بيتك المحرم، ويعبدونك، {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم}، يقول: اجعل قوما من الناس تهوي إليهم، يعني إلى إسماعيل وذريته، {وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقال إبراهيم خليل الرحمن هذا القول حين أسكن إسماعيل وأمه هاجَرَ فيما ذُكِر مكة... فتأويل الكلام إذن: ربنا إني أسكنت بعض ولدي بواد غير ذي زرع. وفي قوله صلى الله عليه وسلم دليل على أنه لم يكن هنالك يومئذٍ ماء، لأنه لو كان هنالك ماء لم يصفه بأنه غير ذي زرع عند بيتك الذي حرّمته على جميع خلقك أن يستحلوه.

وكان تحريمه إياه فيما ذُكر... عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: إن هذا البيت أوّل من وليه أناس مِن طسْم، فعصوا ربهم واستحلوا حرمته، واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله. ثم وليهم أناس من جُرهمَ فعصوا ربهم واستحلوا حرمته واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله. ثم وليتموه معاشر قريش، فلا تعصوا ربه، ولا تستحلوا حرمته، ولا تستخفوا بحقه فوالله لصلاة فيه أحبّ إليّ من مئة صلاة بغيره، واعلموا أن المعاصي فيه على نحو من ذلك.

وقال:"إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ" ولم يأت بما وقع عليه الفعل، وذلك أن حظّ الكلام أن يقال: إني أسكنت من ذريتي جماعة، أو رجلاً، أو قوما...

فإن قال قائل: وكيف قال إبراهيم حين أسكن ابنه مكة "إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بِوَادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِك المُحَرّمِ "وقد رويتَ في الأخبار التي ذكرتها أن إبراهيم بنى البيت بعد ذلك بمدة؟ قيل: قد قيل في ذلك أقوال قد ذكرتها في سورة البقرة، منها أن معناه: عند بيتك المحرّم الذي كان قبل أن ترفعه من الأرض حين رفعته أيام الطوفان، ومنها: عند بيتك المحرّم الذي قد مضى في سابق علمك أنه يحدث في هذا البلد. وقوله: "المُحَرّمِ" على ما قاله قتادة معناه: المحرّم من استحلال حرمات الله فيه، والاستخفاف بحقه.

وقوله: "رَبّنا لِيُقِيمُوا الصلاةَ" يقول: فعلت ذلك يا ربنا كي تؤدّى فرائضك من الصلاة التي أوجبتها عليهم في بيتك المحرّم.

وقوله: "فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ" يخبر بذلك تعالى ذكره عن خليله إبراهيم أنه سأله في دعائه أن يجعل قلوب بعض خلقه تنزع إلى مساكن ذريته الذين أسكنهم بواد غير ذي زرع عند بيته المحرّم. وذلك منه دعاء لهم بأن يرزقهم حجّ بيته الحرام... وقوله: "وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثّمَرَاتِ" يقول تعالى ذكره: وارزقهم من ثمرات النبات والأشجار ما رزقت سكان الأرياف والقرى التي هي ذوات المياه والأنهار، وإن كنت أسكنتهم واديا غير ذي زرع ولا ماء. فرزقهم جلّ ثناؤه ذلك...

وقوله: "لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ" يقول: ليشكروك على ما رزقتهم وتنعم به عليهم.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

ثم قوله: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع} هو دعاء بتعريض لا بتصريح. والدعاء بالتعريض، والسؤال بالكناية أبلغ من السؤال بالتصريح...

{عند بيتك المحرم} أي الممنوع... عن الخلق حتى لم يقدر أحد من الفراعنة والملوك الغلبة عليه وإدخاله في منافع أنفسهم، بل هو ممنوع عنهم ما كان... ويحتمل قوله: {ربنا ليقيموا الصلاة} الصلاة نفسها وغيرها من الطاعات...

{فاجعل أفئدة من الناس} يحتمل سؤال ربه أن يجعل {أفئدة من الناس تهوي إليهم} وجهين:

أحدهما: لما أسكن ذريته في مكان، لا ماء فيه، ولا نبات، ولا زرع، وفي مثل هذا المكان يستوحش المقام فيه، سأل ربه أن يجعل {أفئدة من الناس تهوي إليهم} ليأتوا ذلك المكان، فتذهب عنهم تلك الوحشة، فيستأنسوا بهم.

والثاني: سأله أن يجعل الناس تهوي إليهم ليتعيشوا بما ينقل إليهم من الزاد والأطعمة، إذ أسكنهم في مكان لا زرع فيه ولا يتعيشون فيه به. وقد جعل الله تعالى بنية هذا البشر، إذ لا قوام لهم إلا بالأغذية والأطعمة، فسأل ربه ليتعيشوا بما يحمل إليهم...

وقوله تعالى: {وارزقهم من الثمرات} ليس على تخصيص الثمرات، ولكن سأل الثمرات وما به غذاؤهم وقوامهم...

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

{رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي} تفزع، وقيل تشتاق {إِلَيْهِمْ} وهذا دعاء منه (عليه السلام) لهم بأن يرزقهم حجّ بيته الحرام...

النكت و العيون للماوردي 450 هـ :

{مِن ذريتي} يريد بهم إسماعيل وهاجر أُمه. {بوادٍ غير ذي زرع} يعني مكة أسكنها في بطحائها، ولم يكن بها ساكن، ثقة بالله وتوكلاً عليه. {عند بيتك المحرم} لأنه قبلة الصلوات فلذلك أسكنهم عنده. وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرَّم لأنه يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال. {ربّنا ليقيموا الصلاة} يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون سأل الله تعالى بذلك أن يهديهم إلى إقامة الصلاة.

الثاني: أن يكون ذكر سبب تركهم فيه أن يقيموا الصلاة...

{وارزقهم من الثمرات}... يريد ثمرات القلوب بأن تحببهم إلى قلوب الناس فيزوروهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أخبر عن صدق توكله وصدق تفويضه بقوله: {إني أسكنت} وإنما رأى الرِّفقَ بهم في الجوارِ لا في المَبَارِّ قال: {عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} ثم قال: {لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ}: أي أسكنتُهم لإقامة حقِّكَ لِطَلَبِ حظوظهم. ويقال اكتفى أن يكونوا في ظلال عنايته عن أن يكونوا في ظلال نعمته. ثم قال: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوَى إِلَيْهِمْ} أي ليشتغلوا بعبادتك، وأقم قومي -ما بقوا- بكفايتك، {وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ}: فإنَّ مَنْ قام بحقِّ الله أقام اللَّهُ بحقّه قَوْمَه، واستجاب اللَّهُ دعاءَه فيهم، وصارت القلوبُ من كل بَر وبحرٍ كالمجبولة على محبة تلك النسبة، وأولئك المتصلين، وسكان ذلك البيت. ويقال قوله: {بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ}: أي أسكنتهُم بهذا الوادي حتى لا تتعلق بالأغيار قلوبُهم، ولا تشتغل بشَيءٍ أفكارهم وأسرارُهم، فهم مطروحون ببَابِكَ، مصونون بحضرتك، مرتبطون بحُكْمِك؛ إنْ رَاعيتَهُم كَفَيْتَهُم وكانوا أَعَزَّ خَلْقِ الله، وإنْ أقصيتَهم ونفيتهم كانوا أضعفَ وأذلَّ خَلْقِ الله...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} لا يكون فيه شيء من زرع قط... وقيل للبيت المحرم، لأنّ الله حرم التعرض له والتهاون به، وجعل ما حوله حرماً لمكانه، أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار، كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، أو لأنه حرّم على الطوفان أي منع منه...

{لِيُقِيمُواْ الصلاة} اللام متعلقة بأسكنت، أي: ما أسكنتهم هذا الوادي الخلاء البلقع من كل مرتفق ومرتزق إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك، متبركين بالبقعة التي شرفتها على البقاع، مستسعدين بجوارك الكريم، متقربين إليك بالعكوف عند بيتك، والطواف به، والركوع والسجود حوله، مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

هذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليه السلام قد كان علم من الله تعالى أنه لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقهما الماء، وإنما نظر النظر البعيد للعاقبة فقال: {غير ذي زرع}، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال: غير ذي ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك...

وقوله: {عند بيتك المحرم} إما أن يكون البيت قد كان قديماً -على ما روي قبل الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم- وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتاً لله تعالى، فيكون محرماً...

وجمعه الضمير في قوله: {ليقيموا} يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هنالك ويكون له نسل...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

{رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْت من ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ فِي طَرْحِ عِيَالِهِ وَوَلَدِهِ بِأَرْضٍ مَضْيَعَةٍ اتِّكَالًا عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ إبْرَاهِيمَ، كَمَا تَقُولُ الْغُلَاةُ من الصُّوفِيَّةِ فِي حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ؛ فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ لِقَوْلِهَا لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: آللَّهُ أَمَرَك بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَمَّا كَانَ بِأَمْرٍ مِنْهُ أَرَادَ تَأْسِيسَ الْحَالِ وَتَمْهِيدَ الْمَقَامِ، وَخَطَّ الْمَوْضِعَ لِلْبَيْتِ الْمُحَرَّمِ وَالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ، أَرْسَلَ الْمَلَكَ فَبَحَثَ بِالْمَاءِ، وَأَقَامَهُ مَقَامَ الْغِذَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ من تِلْكَ الْحَالِ إلَّا هَذَا الْمِقْدَارُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ)...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه سبحانه وتعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع أنه طلب في دعائه أمورا...: [منها] طلب من الله نعمة الأمان وهو قوله: {رب اجعل هذا البلد آمنا} والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات وأنه لا يتم شيء من مصالح الدين والدنيا إلا به...

ثم قال: {فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم}... هذا الدعاء جامع للدين والدنيا. أما الدين فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى الذهاب إلى تلك البلدة بسبب النسك والطاعة لله تعالى. وأما الدنيا: فلأنه يدخل فيه ميل الناس إلى نقل المعاشات إليهم بسبب التجارات، فلأجل هذا الميل يتسع عيشهم، ويكثر طعامهم ولباسهم...

ثم قال: {وارزقهم من الثمرات}... لم يقل: وارزقهم الثمرات، بل قال: {وارزقهم من الثمرات} وذلك يدل على أن المطلوب بالدعاء إيصال بعض الثمرات إليهم. [و] يحتمل أن يكون المراد بإيصال الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات وإنما يكون المراد: عمارة القرى بالقرب منها لتحصيل الثمار منها.

ثم قال: {لعلهم يشكرون} وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإن إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات...

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :

تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها؛ لأن معنى؟ ربنا ليقيموا الصلاة؟ أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه...

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{ربنا ليقيموا الصلاة}.. تكرير النداء وتوسيطه للإشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمة، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما دعا بدرء المفاسد الناشئة من نوعي الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك مستجلباً للمصالح، فقال: {ربنا} أي يا رب وربَّ من قضيت أنه يتبعني بتربيتك لنا أحسن تربية {إني أسكنت} وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه يكثر نسله حتى يكونوا كالنجوم، وذلك بعد البشارة بإسحاق عليه السلام فقال: {من ذريتي} وساقه مؤكداً تنبيهاً على أنه -لكونه على وجه لا يسمح به أحد- لا يكاد يصدق، وللإعلام بأنه راغب فيه {بواد} هو مكة المشرفة لكونها في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول {غير ذي زرع}. ولما نفى عنه الرفد الدنيوي، أثبت له الأخروي، إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان، وكأن هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت -كما تقدمت الإشارة إليه أيضاً بتعريف البلد، فقال: {عند بيتك المحرم} أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته بالهيبة فلم يملكه أحد سواك... {ليقيموا الصلاة} ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض المنافي لعبادة غيرك، ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها إليه. ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن أسباب المعاش، تسبب عنه قوله: {فاجعل أفئدة} أي قلوباً محترقة بالأشواق {من الناس} أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب، بكون احتراقها بالشوق مانعاً من اضطرابها {تهوي} أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ينزل من حالق؛ وزاد المعنى وضوحاً وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن الشيء كلما بعد مدى مرماه اشتد وقعه فقال: {إليهم} ولما دعا لهم بالدين، دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال: {وارزقهم} أي على يد من يهوي إليهم {من الثمرات} أي التي أنبتها في بلادهم؛ وبين العلة الصالحة بقوله: {لعلهم يشكرون} أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل لولا عنايتك فيشتغلوا بعبادتك لإغنائك لهم وإحسانك إليهم، وقد أجاب الله دعوته؛ فالآية لتذكير قريش بهذه النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي نهى عن عبادة الأوثان...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

... وفي دعائه عليه السلام من مراعاة حسنِ الأدبِ والمحافظة على قوانين الضَّراعةِ وعرضِ الحاجة واستنزالِ الرحمةِ واستجلابِ الرأفة ما لا يخفى، فإنه عليه السلام بذكر كونِ الوادي غيرَ ذي زرعٍ بيّن كمالَ افتقارِهم إلى المسؤول، وبذكر كونِ إسكانِهم عند البيت المحرم أشار إلى أن جِوارَ الكريم يستوجب إفاضةَ النعيم، وبعرض كونِ ذلك الإسكانِ مع كمال إعوازِ مرافقِ المعاش لمحض إقامةِ الصلاةِ وأداء حقوقِ البيت مهّد جميعَ مبادي إجابةِ السؤال، ولذلك قُرنت دعوتُه عليه السلام بحُسنِ القبول...

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

{ربنا ليقيموا الصلاة} أي إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده ويعمروه بذكرك وعبادتك. {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} أي فاجعل قلوب بعض الناس محترقة شوقا إليهم...

وفي هذا إيماء إلى أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات وتحصيل الطاعات، وفي دعائه عليه السلام مراعاة للأدب والمحافظة على الضراعة وعرض الحاجة واجتلاب الرأفة...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

فأجاب الله دعاءه... وافترض الله حج هذا البيت الذي أسكن به ذرية إبراهيم وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه ولا تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد إليه ازداد شوقه وعظم ولعه وتوقه، وهذا سر إضافته تعالى إلى نفسه المقدسة...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

هكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام.. إنه إقامة الصلاة على أصولها كاملة لله. ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويها إلى أهل البيت ورزقهم من ثمرات الأرض.. إنه شكر الله المنعم الوهاب...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والمحرم: الممنع من تناول الأيدي إياه بما يفسده أو يضر أهله بما جعل الله له في نفوس الأمم من التوقير والتعظيم، وبما شاهدوه من هلكة من يريد فيه بإلحاد بظلم. وما أصحاب الفيل منهم ببعيد...

محبة الناس إياهم يحصل معها محبة البلد وتكرير زيارته، وذلك سبب لاستئناسهم به ورغبتهم في إقامة شعائره، فيؤول إلى الدعوة إلى الدين...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

كان دعاء إبراهيم عليه السلام بضمير المتكلم {واجنبني وبني} وذلك في العبادة، أما في طلب الرزق فقد طلبه بضمير الجمع فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم}؛ لأن الرزق يطلبه المخلص ليعم لا ليخص فهو يطلبه باسمه وباسم ذريته، ويعم مؤمنهم وكافرهم، كما قال تعالى منبها إبراهيم إلى أن يطلب لمن آمن ومن كفر، فقد قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} [البقرة 126]...

وفي هذا إشارة إلى أن المشركين من ذرية إبراهيم قد انحرفوا به عن غايته عندما أحاطوا بالأوثان التي هدمها النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة في العام الثامن من الهجرة على صاحبها أفضل السلام وأتم التسليم...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

... ما يثير العجب والدهشة، فأنت في مكة تجد بالفعل ثمرات كل شيء من زراعة أو صناعة؛ ففيها ثمرات الفصول الأربعة قادمة من كل البلاد، نتيجة أن كل البيئات تُصدّر بعضا من إنتاجها إلى مكة. وفي عصرنا الحالي نجد ثمرات النموّ الحضاري والعقول المُفكّرة وهي معروضة في سوق مكة أو جدة...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{رَّبَّنَآ إِنّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}، لا من أجل الحصول على مكاسب دنيوية مادية أو معنوية، لأن الأرض لا توفر الفرصة لذلك، {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاةَ} ليعمّروا البيت الحرام بالعبادة، وليعلّموا الناس مناسكهم، فيألف الناس من خلالهم الحج إلى هذا البيت استجابةً لنداء إبراهيم الصادر من الله إليه. وهكذا كان ترك النبي إبراهيم أهله هناك دون أيّة رعايةٍ مادّيةٍ مباشرةٍ، ليكونوا الأسرة الأولى التي تمثل قاعدة الحج للبيت الحرام، وكان ذهابه إلى أرض أخرى من أجل إكمال رسالته الشاملة لكل الناس تضحية رسالية من قبله، {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ} وتنجذب بعاطفتها الروحية إلى هذه الأرض، لتكون قاعدة تجاريةً وثقافية، بالإضافة إلى كونها قاعدةً روحيةً تدفع الناس للمجيء إليها طلباً للرزق، {وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} التي تحصل من خلال توارد الناس وتكاثر الوفود، ليطمئنوا إلى رعاية الله لهم، جزاءً لإخلاصهم وطاعتهم، وليعرفوا موقع نعمة الله عليهم، {لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} فيزدادون عبادةً لله وإخلاصاً له، من موقع الشكر العملي المتجسِّد في حركة الحياة المؤمنة المخلصة...