روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (11)

{ يُنبِتُ } أي الله عز وجل يقال نبت الشيء وأنبته الله تعالى فهو منبوت وقياس هذا منبت ، وقيل : يقال أنبت الشجر لازماً وأنشد الفراء :

رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم . . . قطيناً بها حتى إذا أنبت البقل

أي نبت ، وكان الأصمعي ينكر مجىء أنبت بمعنى نبت . وقرأ أبو بكر { *ننبت } بنون العظمة ، والزهري { تُسِيمُونَ يُنبِتُ } بالتشديد وهو للتكثير في قول ، واستظهر أبو حيان أنه تضعيف التعدية . وقرأ أبي { يُنبِتُ } بفتح الياء ورفع المتعاطفات بعد على الفاعلية ، وجملة ينبت { لَكُمْ بِهِ } أي بما أنزل من السماء { الزرع والزيتون والنخيل والاعناب } يحتمل أن تكون صفة أخرى لماء وأن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل : وهل له منافع أخر ؟ فقيل : ينبت لكم به الخ ، وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار وأن الإنبات سنته سبحانه الجارية على ممر الدهور أو لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة ، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما أشرنا إليه آنفاً مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به لإدخال المسرة ابتداءً ، وتقديم الزرع على ما عداه قيل : لأنه أصل الأغذية وعمود المعاش وقوت أكثر العالم وفيه مناسبة للكلأ المرعي ، ثم الزيتون لما فيه من الشرف من حيث أنه أدام من وجه وفاكهة من وجه ، وقد ذكر الأطباء له منافع جمة ، وذكر غير يسير منها في التذكرة ، والظاهر من كلام اللغويين أنه اسم جنس جمعي واحده زيتونة وأنه يطلق على الشجر المخصوص وعلى ثمرته .

واستظهر أن المراد به هنا الأول وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك ، وأكثر ما ينبت في المواضع التي زاد عرضها على الميل واشتد بردها وكانت جبلية ذات تربة بيضاء أو حمراء ، ثم النخيل على الأعناب لظهور دوامها بالنسبة إليها فإن الواحدة منها كثيراً ما تتجاوز مائة سنة وشجرة العنب ليست كذلك ، نعم الزيتون أكثر دواماً منهما فإن الشجرة منه قد تدوم ألف سنة مع أن ثمرتها كثيراً ما يقتات بها حتى جاء في الخبر «ما جاع بيت وفيه تمر » وأكثر ما تنبت في البلاد الحارة اليابسة التي يغلب عليها الرمل كالمدينة المشرفة والعراق وأطراف مصر ، وهي على ما قال الراغب جمع نخل وهو يطلق على الواحد والجمع ويقال للواحدة نخلة ، وأما الأعناب فجمع عنبة بكسر العين وفتح النون والباء وقد جاءت ألفاظ مفردة على هذا الوزن غير قليلة .

وقد ذكر في «القاموس » عدة منها ، ونسب الجوهري إلى قلة الاطلاع في قوله : إن هذا البناء في الواحد نادر وجاء منه العنبة والتولة والحبرة والطيبة والخيرة ولا أعرف غير ذلك ، وذكر الجوهري أنه إن أردت جمعه في أدنى العدد جمعته بالتاء وقلت عنبات وفي الكثير عنب وأعناب اه ، ولينظر هذا مع عدهم أفعالاً من جموع القلة ، ويطلق العنب كما قال الراغب على ثمرة الكرم وعلى الكرم نفسه ، والظاهر أن المراد هو الثاني .

وذكر أبو حيان في وجه تأخير الأعناب إن ثمرتها فاكهة محضة ، وفيه إنه إن أراد بثمرتها العنب ما دام طرياً قبل أن يتزبب فيمكن أن يسلم وإن أراد به المتزبب فغير مسلم ، وفي كلام كثير من الفقهاء في بحث زكاة الفطر أن في الزبيب اقتياتاً بل ظاهر كلامهم أنه في ذلك بعد التمر وقبل الأرز ، والباحث في هذا لا ينفي الاقتيات كما لا يخفى على الواقف على البحث ، وفي جمع النَّخِيلِ والأعناب إشارة إلى أن ثمارها مختلفة الأصناف ففي التذكرة عند ذكر التمر أنه مختلف كثير الأنواع كالعنب حتى سمعت أنه يزيد على خمسين صنفاً ، وعند ذكر العنب أنه يختلف بحسب الكبر والاستطالة وغلظ القشر وعدم العجم وكثرة الشحم واللون والطعم وغير ذلك إلى أنواع كثيرة كالتمر اه ، وأنا قد سمعت من والدي عليه الرحمة أنه سمع في مصر حين جاءها بعد عوده من الحج لزيارة أخيه المهاجر إليها لطلب العلم أن في نواحيها من أصناف التمر ما يقرب من ثلثمائة صنف والعهدة على من سمع منه هذا ، وللعلامة أبي السعود هنا ما يشعر ظاهره بالغفلة وسبحان من لا يغفل وكان الظاهر تقديم غذاء الإنسان لشرفه على غذاء ما يسام لكن قدم ذاك على ما قال الإمام للتنبيه على مكارم الأخلاق وأن يكون اهتمام الإنسان بمن تحت يده أقوى من اهتمامه بنفسه ، والعكس في قوله تعالى : { كُلُواْ * وارعوا أنعامكم } [ طه : 54 ] للإيذان بأن ذلك ليس بلازم وإن كان من الأخلاق الحميدة ، وهو على طبق ما ورد في الخبر «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » وقيل : لأن ذلك مما لا دخل للخلائق فيه ببذر وغرس فالامتنان به أقوى ، وقيل : لأن أكثر المخاطبين من أصحاب المواشي وليس لهم زرع ولا شيء مما ذكر ، وقال شهاب الدين في وجه ذلك . ولك أن تقول لما سبق ذكر الحيوانات المأكولة والمركوبة ناسب تعقيبها بذكر مشربها ومأكلها لأنه أقوى في الامتنان بها إذ خلقها ومعاشها لأجلهم فإن من وهب دابة مع علفها كان أحسن ، كما قيل : من الظرف هبة الهدية مع الظرف اه ولا يخلو عن حسن .

والأولى عليه أن يراد من قوله تعالى : { لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } [ النحل : 10 ] ما يشرب ، وأما ما قيل : إن ما قدم من الغذاء غذاء للإنسان أيضاً لكن بواسطة فإنه غذاء لغذائه الحيواني فلا يدفع السؤال لأنه يقال بعد : كان ينبغي تقديم ما كان غذاء له بغير واسطة ، لا يقال : هذا السؤال إنما يحسن إذا كان المراد من المتعاطفات المذكورات ثمراتها لا ما يحصل منها الثمرات لأن ذلك ليس غذاء الإنسان لأنا نقول : ليس المقصود من ذكرها إلا الامتنان بثمراتها إلا أنها ذكرت على نمط سابقها المذكور في غذاء الماشية ويرشد إلى أن الامتنان بثمراتها قوله سبحانه : { وَمِن كُلّ الثمرات } وإرادة الثمرات منها من أول الأمر بارتكاب نوع من المجاز في بعضها لهذا إهمال لرعاية غير أمر يحسن له حملها على ما قلنا دون ذلك ، منه { يُنبِتُ } إذ ظاهره يقتضي التعلق بنفس الشجرة لا بثمرتها فليعمل بما يقتضيه في صدر الكلام وإن اقتضى آخره اعتبار نحو ما قيل في :

غلفتها تبناً وماءً بارداً . . . كذا قيل وفيه تأمل ، ومنع بعضهم كون الإنبات مما يقتضي التعلق المذكور فقد قال سبحانه : { فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وفاكهة وَأَبّاً } [ عبس : 27-31 ] وجوز أن لا يكون الملحوظ فيما عد مجرد الغذائية بل ما يعمها وغيرها على معنى ينبت به لنفعكم ما ذكر والنفع يكون بما فيه غذاء وغيره ، و { مِنْ } للتبعيض والمعنى وينبت لكم بعض كل الثمرات ، وإنما قيل ذلك لما في «الكشاف » وغيره من أن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة وإنما أنبت في الأرض بعض من كل للتذكرة ، وقال بعض الأجلة : المراد بعض مما في بقاع الإمكان من ثمر القدرة الذي لم تجنه راحة الوجود ، وهو أظهر وأشمل وأنسب بما تقدم لأنه سبحانه كما عقب ذكر الحيوانات المنتفع بها على التفصيل بقوله تعالى : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 8 ] عقب ذكر الثمرات المنتفع بها بمثله { إِنَّ في ذَلِكَ } المذكور من إنزال الماء وإنزال ما فصل { لآيَةً } عظيمة دالة على تفرده تعالى بالإلهية لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإن من تفكر في أن الحبة والنواة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها فينشق أسفلها فيخرج منه عروق تنبسط في الأرض وربما انبسطت فيها وإن كانت صلبة وينشق أعلاها وإن كانت منتكسة في الوقوع فيخرج منها ساق فينمو فيخرج منه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار المشتملة على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص والطبائع وعلى نواة قابلة لتوليد الأمثال على النمط المحرر لا إلى نهاية مع اتحاد الماء والأرض والهواء وغيرها بالنسبة إلى الكل علم أن من هذه آثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال فضلاً عن أن يشاركه في أخص صفاته التي هي الألوهية واستحقاق العبادة أخس الأشياء كالجماد تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، ولله تعالى در من قال :

تأمل في رياض الورد وانظر . . . إلى آثار ما صنع المليك

عيون من لجين شاخصات . . . على أهدابها ذهب سبيك

على قضب الزبر جد شاهدات . . . بأن الله ليس له شريك

وحيث كان الاستدلال بما ذكر لاشتماله على أمر خفي محتاج إلى التفكر والتدبر لمن له نظر سديد ختم الآية بالتفكر .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (11)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{ينبت لكم به} بالمطر، {الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية}، فيما ذكر لكم من النبات لعبرة، {لقوم يتفكرون}، في توحيد الله عز وجل.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يُنبت لكم ربكم بالماء الذي أنزل لكم من السماء زرعَكم وزيتونَكم ونخيلكم وأعنابكم "ومِنْ كُلّ الثّمراتِ "يعني من كلّ الفواكه غير ذلك أرزاقا لكم وأقواتا وإداما وفاكهة، نعمة منه عليكم بذلك وتفضّلاً، وحُجة على من كفر به منكم.

"إنّ فِي ذلكَ لآيَةً" يقول جلّ ثناؤه: إن في إخراج الله بما ينزل من السماء من ماء ما وصف لكم "لآية" يقول: لدلالة واضحة وعلامة بينة، "لقومٍ يَتَفَكّرُونَ" يقول: لقوم يعتبرون مواعظ الله ويتفكّرون في حججه، فيتذكرون وينيبون.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

أي ينبت لكم بالماء الذي ذكر أنه أنزله من السماء الزرع والزيتون وجميع ما ذكر بلطفه إذ هو لقاح كل الأشياء المختلفة والمتفقة... وجعل في الماء بلطفه سرية توافق جميع الأشياء المختلفة، لو اجتمع الخلائق على إدراك ذلك، وإن اجتهدوا، لم يقدروا عليه؛ يعرفون الماء ظاهرا، ولكن لا يدركون ما فيه من اللطف والسرية الذي به تكون حياة كل أحد وموافقته.

وقوله تعالى: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} ذكر أن فيه آية {لقوم يتفكرون} ولم يذكر أنه لماذا؟ لكنه ذكر أنه آية {لقوم يتفكرون} بالتفكر يعرف أنه آية لماذا؟ وهذا يدل على الأشياء التي غابت عنا ظواهرها؛ بالتفكر والنظر تدرك.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

أي ينبت بذلك المطر هذه الأشياء التي عددها لينتفعوا بها. ثم أخبر أن في ذلك لدلالة وحجة واضحة لمن يفكر فيه، فيعرف الله به، وإنما أضاف الدلالة إليهم، لأنهم الذين انتفعوا بها، ولأن من لم يفكر فيها فكأنها لم تنصب له.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ثم قال بعده بآيات: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، ثم قال بعده: {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}، وعلى هذا الترتيب تحصل المعرفة؛ فأولاً التفكر ثم العلم ثم التذكر، أولاً يضع النظر موضعه فإذا لم يكن في نظره خَلَلٌ وجب له العلم لا محالة، ولا فرق بين العلم والعقل في الحقيقة، ثم بعده استدامة النظر وهو التذكر. ويقال إنما قال: {لآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}: على الجمع لأنه يحصل له كثير من العلوم حتى يصير عارفاً بربِّه آياتُ ودلائل، لأن دليل هذه المسألة خلاف دليل تلك المسألة، فبدليل واحد يعلم وَجْهَ النظر، وبأدلة كثيرة يصير عارفاً بربه.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: لم قيل {وَمِن كُلّ الثمرات}؟ قلت: لأنّ كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أنبت في الأرض بعضا من كلها للتذكرة...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... وخص عز وجل ذكر هذه الأربعة لأنها أشرف ما ينبت وأجمعها للمنافع، ثم عم بقوله {من كل الثمرات}..

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن الإنسان خلق محتاجا إلى الغذاء، والغذاء إما أن يكون من الحيوان أو من النبات... والغذاء الحيواني إنما يحصل من أسامة الحيوانات والسعي في تنميتها بواسطة الرعي، وهذا هو الذي ذكره الله تعالى في الأسامة، وأما الغذاء النباتي فقسمان: حبوب وفواكه؛ أما الحبوب فإليها الإشارة بلفظ الزرع وأما الفواكه فأشرفها الزيتون والنخيل والأعناب، أما الزيتون فلأنه فاكهة من وجه وإدام من وجه آخر لكثرة ما فيه من الدهن ومنافع الأدهان كثيرة في الأكل والطلي واشتعال السرج، وأما امتياز النخيل والأعناب من سائر الفواكه، فظاهر معلوم. وكما أنه تعالى لما ذكر الحيوانات التي ينتفع الناس بها على التفصيل، ثم قال في صفة البقية: {ويخلق ما لا تعلمون} فكذلك ههنا لما ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، قال في صفة البقية: {ومن كل الثمرات} تنبيها على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها لا يمكن ذكره في مجلدات، فالأولى الاقتصار فيه على الكلام المجمل.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

...يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد، على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها؛ ولهذا قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60]

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان الشجر عاماً، شرع سبحانه يفصله تنويعاً للنعم وتذكيراً بالتفاوت، إشارة إلى أن الفعل بالاختيار، فقال مبتدئاً بالأنفع في القوتية والائتدام والتفكه: {ينبت} أي هو سبحانه {لكم} أي خاصة {به} مع كونه واحداً في أرض واحدة {الزرع} الذي تشاهدونه من أقل الشجر مكثاً وأصغره قدراً، {والزيتون} الذي ترونه من أطول الأشجار عمراً وأعظمها قدراً.

ولما كانت المنافع كثيرة في شجر التمر، سماه باسمه فقال تعالى: {والنخيل} ولما كانت المنفعة في الكرم بغير ثمرته تافهة، قال تعالى: {والأعناب} وهما من أوسط ذلك {ومن كل الثمرات} وأما كلها فلا يكون إلا في الجنة، وهذا الذي في الأرض بعض من ذلك الكل مذكر به ومشوق إليه. {إن في ذلك} أي الماء العظيم المحدث عنه وعن فروعه، أو في إنزاله على الصفة المذكورة {لآية} بينة على أن فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده.

ولما كان ذلك ممن يحس، وكان شغل الحواس بمنفعته -لقربه وسهولة ملابسته- ربما شغل عن الفكر في المراد به، فكان التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل تأمل ودقة نظر، قال تعالى: {لقوم يتفكرون} أي في أن وحدته وكثرة ما يتفرع عنه دليل على وحدة صانعه وفعله بالاختيار، وأفرد الآية لوحدة المحدث عنه، وهو الماء -كما قال تعالى في آية

{تسقى بماء واحد} [الرعد:4]...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

...

بيان للنعم الفائضة عليهم من الأرض بطريق الاستئنافِ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالة على التجدد والاستمرار وأنها سنتُه الجاريةُ على مر الدهور، أو لاستحضار صورةِ الإنبات، وتقديمُ الظرفين على المفعول الصريحِ لما مر آنفاً مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به لإدخال المسرّةِ ابتداءً...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

...

في تدبير الله لهذا الكون، ونواميسه المواتية لحياة البشر، وما كان الإنسان ليستطيع الحياة على هذا الكوكب لو لم تكن نواميس الكون مواتية لحياته، موافقة لفطرته، ملبية لحاجاته. وما هي بالمصادفة العابرة أن يخلق الإنسان في هذا الكوكب الأرضي، وأن تكون النسب بين هذا الكوكب وغيره من النجوم والكواكب هي هذه النسب، وأن تكون الظواهر الجوية والفلكية على ما هي عليه، ممكنة للإنسان من الحياة، ملبية هكذا لحاجاته على النحو الذي نراه. والذين يتفكرون هم الذين يدركون حكمة التدبير، وهم الذين يربطون بين ظاهرة كظاهرة المطر وما ينشئه على الأرض من حياة وشجر وزروع وثمار، وبين النواميس العليا للوجود، ودلالتها على الخالق وعلى وحدانية ذاته ووحدانية إرادته ووحدانية تدبيره. أما الغافلون فيمرون على مثل هذه الآية في الصباح والمساء، في الصيف والشتاء، فلا توقظ تطلعهم، ولا تثير استطلاعهم ولا تستجيش ضمائرهم إلى البحث عن صاحب هذا النظام الفريد.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جملة {ينبت} حال من ضمير {أنزل} [سورة النحل: 10]، أي ينبت الله لكم. وإنما لم يعطف هذا على جملة {لكم منه شراب} [سورة النحل: 10] لأنّه ليس مما يحصل بنزول الماء وحده بل لا بدّ معه من زرع وغرس. وهذا الإنبات من دلائل عظيم القدرة الربّانية، فالغرض منه الاستدلال ممزوجاً بالتذكير بالنّعمة، كما دلّ عليه قوله: {لكم} على وزان ما تقدم في قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء} [سورة النحل: 5] الآية، وقوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها} [سورة النحل: 8] الآية. وأسند الإنبات إلى الله لأنه الملهم لأسبابه والخالق لأصوله تنبيهاً للناس على دفع غرورهم بقدرة أنفسهم، ولذلك قال: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} لكثرة ما تحت ذلك من الدقائق.

وإقحام لفظ قوم للدلالة على أن التفكّر من سجاياهم، كما تقدم عند قوله تعالى: {لآيات لقوم يعقلون} في سورة البقرة (164).

ونيطت دلالة هذه بوصف التفكير لأنها دلالة خفية لحصولها بالتدريج. وهو تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بما في ذلك من دلالة على تفرّد الله بالإلهية بأنهم قوم لا يتفكرون.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

...ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} أي: على الإنسان أن يعمل فكره في معطيات الكون، ثم يبحث عن موقفه من تلك المعطيات، ويحدد وضعه ليجد نفسه غير فاعل؛ وهو قابل لأن يفعل. وشاء الحق سبحانه أن يذكرنا أن التفكير ليس مهمة إنسان واحد بل مهمة الجميع، وكأن الحق سبحانه يريد لنا أن تتساند أفكارنا؛ فمن عنده لقطة فكرية تؤدي إلي الله لابد أن يقولها لغيره. ونجد في القرآن آيات تنتهي بالتذكر والتفكر وبالتدبر وبالتفقه، وكل منها تؤدي إلي العلم اليقيني؛ فحين يقول "يتذكرون "فالمعنى أنه سبق الإلمام بها؛ ولكن النسيان محاها؛ فكأن من مهمتك أن تتذكر. أما كلمة "يتفكرون" فهي أم كل تلك المعاني؛ لأنك حين تشغل فكرك تحتاج إلي أمرين، أن تنظر إلى معطيات ظواهرها ومعطيات أدبارها. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أفلا يتدبرون القرآن} (سورة النساء 82) وهذا يعني ألا تأخذ الواجهة فقط، بل عليك أن تنظر إلى المعطيات الخلفية كي تفهم، وحين تفهم تكون قد عرفت، فالمهمة مكونة من أربع مراحل؛ تفكر، فتدبر، فتفقه؛ فمعرفة وعلم.