روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا} (58)

{ وَإِن مّن قَرْيَةٍ } الظاهر العموم لأن إن نافية ومن زائدة لاستغراق الجنس أي وما من قرية من القرى { إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة } بإماتة أهلها حتف أنوفهم { أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا } بالقتل وأنواع البلاء ، وروي هذا عن مقاتل وهو ظاهر ما روي عن مجاهد وإليه ذهب الجبائي وجماعة ، وروي عن الأول أنه قال : الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة ، وقال أيضاً : وجدت في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها أما مكة فتخربها الحبشة وتهلك المدينة بالجوع والبصرة بالغرق والكوفة بالترك والجبال بالصواعق والرواجف ، وأما خراسان فهلاكها ضروب ثم ذكر بلداً بلداً . وروي عن وهب بن منبه أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينية على يد رجل من بني هاشم وخراب الأندلس من قبل الزنج وخراب إفريقية من قبل الأندلس وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها وخراب العراق من الجوع وخراب الكوفة من قبل عدو يحصرهم ويمنعهم الشرب من الفرات وخراب البصرة من قبل العراق وخراب الأبلة من عدو يحصرهم براً وبحراً وخراب الري من الديلم وخراب خراسان من قبل النبت وخراب النبت من قبل الصين وخراب الهند واليمن من قبل الجراد والسلطان وخراب مكة من الحبشة وخراب المدينة من قبل الجوع ، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " آخر قرية من قرى الإسلام خراباً المدينة " كذا نقله العلامة أبو السعود وما في كتاب الضحاك وكذا ما روي عن وهب لا يكاد يعول عليه ، وما روي عن أبي هريرة مقبول وقد رواه عنه بهذا اللفظ النسائي ورواه أيضاً الترمذي بنحوه وقال حسن غريب ورواه أبو حيان بلفظ " آخر قرية في الإسلام خراباً بالمدينة " وفي «البحور الزاخرة » أن سبب خرابها أن بعض أهلها يخرجون مع المهدي إلى الجهاد ثم ترجف بمنافقيها وترميهم إلى الدجال ويهاجر بعض المخلصين إلى بيت المقدس عند إمامهم ، ومن بقي منهم تقبض الريح الطيبة روحه فتبقى خاوية ، ويأبى كونها سبب خرابها الجوع حسبما سمعت عن الضحاك وابن منبه ظاهر ما أخرجه الشيخان " لتتركن المدينة على خير ما كانت مذللة ثمارها لا يغشاها إلا العوافي الطير والسباع وآخر من يحشر راعيان من مزينة " الحديث .

وأخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات " المدينة يتركها أهلها وهي مرطبة قالوا : فمن يأكلها ؟ قال : السبع والعوافي " وما ذكر من أن مكة تخربها الحبشة ثابت في «الصحيحين » وغيرهما لكن بلفظ

«يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة » وفي حديث حذيفة مرفوعاً «كأني أنظر إلى حبشي أحمر الساقين أزرق العينين أفطس الأنف كبير البطن وقد صف قدميه على الكعبة هو وأصحاب له ينقضونها حجراً حجراً ويتداولونها بينهم حتى يطرحوها في البحر » وفي حديث أحمد عن أبي هريرة أنه تجىء الحبشة فيخربونه أي البيت خراباً لا يعمر بعده أبدا ، نعم اختلف في أنه متى يكون ذلك ؟ فقيل : زمن عيسى عليه السلام ، وقيل حين لا يبقى على الآرض من يقول الله وهو آخر الآيات ، ومال إلى ذلك السفاريني ، وظاهر ما تقدم في المدينة من الأخبار بأنها آخر قرى الإسلام خراباً يقتضي أن خراب مكة قبلها والله تعالى أعلم .

وما ذكر في خبر ابن منبه من أن مصر آمنة حتى تخرب الكوفة إن صح يقتضي أن الكوفة تعمر ثم تخرب وإلا فهي قد خربت منذ مئات من السنين وبقيت إلى الآن خراباً ، ومصر آمنة عامرة على أحسن حال اليوم وبعمارتها حسبما يقتضيه الخبر جاءت آثار عديدة كما لا يخفى على من طالع الكتب المؤلفة في أمارات الساعة وأخبار المهدي والسفياني إلا أن في أكثرها لمنقر مقالاً . وزعم البوني وأضرابه أنها تعمر في أواخر القرن الثالث عشر وقد أخذوا ذلك من كلام الشيخ محي الدين قدس سره ، وأنت تعلم أنه أشبه شيء بالهندية ولا يكاد بعد من اللغة العربية ، وما ذكر من أن خراب العراق من الجوع يعم بغداد فإنها قاعدته .

وقال القاضي عياض في الشفاء : روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تنتقل إليها الخزائن يخسف بها » يعني بغداد وهذا صريح في أن هلاكها بالخسف لا بالجوع لكن ذكر المحدثون أن في سند الخبر مجهولاً ، ثم الظاهر على هذا التفسير أن قوله تعالى : { أَوْ مُعَذّبُوهَا } الخ مقيد بمثل ما قيد به المعطوف عليه فيكون كل من الإهلاك والتعذيب قبل يوم القيامة أي في الزمان القريب منه وقد شاع استعمال ذلك بهذا المعنى وستسمعه قريباً إن شاء الله تعالى في الحديث وإنكاره مكابرة غير مسموعة وكأنه سبحانه بعد أن ذكر من شأن البعث والتوحيد ما ذكر ذكر بعض ما يكون قبل يوم البعث مما يدل على عظمته سبحانه وفيه تأييد لما ذكر قبله ، وقد صح أنه بعد موت عيسى عليه السلام تجىء ريح باردة من قبل الشام فلا تبقى على وجه الآرض أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته فيبقى شرار الناس وعليهم تقوم الساعة ، وجاء في غير ما خبر ما يصيب الناس قبل قيامها من العذاب ، فمن ذلك ما أخرجه الطبراني .

وابن عساكر عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه لتقصدنكم نار هي اليوم خامدة في واد يقال له برهوت يغشى الناس فيها عذاب أليم تأكل الأنفس والأموال تدور الدنيا كلها في ثمانية أيام تطير طيران الريح والسحاب حرها بالليل أشد من حرها بالنهار ولها بين السماء والآرض دوي كدوي الرعد القاصف قيل : يا رسول الله أسليمة يومئذٍ على المؤمنين والمؤمنات ؟ قال : وأين المؤمنون والمؤمنات الناس يومئذٍ شر من الحمر يتسافدون كما يتسافد البهائم وليس فيهم رجل يقول مه مه إلى غير ذلك من الأخبار ، ولا يبعد بعد أن اعتبر العموم في القرية حمل الإهلاك والتعذيب على ما تضمنته تلك الأخبار من إماتة المؤمنين بالريح وتعذيب الباقين من شرار الناس بالنار المذكورة ، وصح أنها تسوقهم إلى المحشر وورد أنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك وأنه تلقى الآفة على الظهر حتى لا تبقى ذات ظهر حتى أن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب ليفر عليها ، وكون ذلك قبل يوم القيامة هو المعول عليه وقد اعتمده الحافظ ابن حجر وصوبه القاضي عياض وذهب إليه القرطبي والخطابي وجاء مصرحاً به في بعض الأحاديث ، فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وقال : حسن صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس الحديث ولا يبعد أن يعذبوا بغير ذلك أيضاً بل في الآثار ما يقتضيه { كَانَ ذَلِكَ } أي ما ذكر من الإهلاك والتعذيب { فِى الكتاب } أي في اللوح المحفوظ كما روي عن إبراهيم التيمي وغيره { مَسْطُورًا } مكتوباً ، وذكر غير واحد أنه ما من شيء إبين فيه بكيفياته وأسبابه الموجبة له ووقته المضروب له . واستشكل العموم بأنه يقتضي عدم تناهي الإبعاد وقد قامت البراهين النقلية والعقلية على خلاف ذلك فلا بد أن يقال بالتخصيص بأن يحمل الشيء على ما يتعلق بهذه النشأة أو نحو ذلك ، وقال بعضهم بالعموم إلا أنه التزم كون البيان على نحو يجتمع مع التناهي فاللوح المحفوظ في بيانه جميع الأشياء الدنيوية والأخروية وما كان وما يكون نظير الجفر الجامع في بيانه لما يبينه ، وقد رأيت أنا صحيفة للشيخ الأكبر قدس سره ادعى أنه يعلم منها ما يقع في أرض المحشر يوم القيامة وأخرى الجنة ، وقبول هذه الدعاوى وردها مفوض إليك ، وفسر بعضهم الكتاب بالقضاء السابق ففي الكلام تجوز لا يخفى .

هذا وذهب أبو مسلم إلى أن المراد ما من قرية من قرى الكفار واختاره المولى أبو السعود وجعل الآية بياناً لتحتم حلول عذابه تعالى بمن لا يحذره إثر بيان أنه حقيق بالحذر وأن أساطين الخلق من الملائكة والنبيين عليهم السلام على حذر من ذلك ، وذكر أن المعنى ما من قرية من قرى الكفار إلا نحن مخربوها البتة بالخسف بها أو بإهلاك أهلها بالمرة لما ارتكبوا من عظائم الموبقات المستوجبة لذلك أو معذبو أهلها عذاباً شديداً لا يكتنه كنهه والمراد به ما يعم البلايا الدنيوية من القتل والسبي ونحوهما والعقوبات الأخروية مما لا يعلمه إلا الله تعالى حسبما يفصح عنه إطلاق التعذيب عما قيد به الإهلاك من قبلية يوم القيامة ولا يخص بالبلايا الدنيوية كيف وكثير من القرى العاتية العاصية قد أخرت عقوبتها إلى يوم القيامة ، ثم أنه يحتمل أن يقال في وجه الربط على تقدير التشخيص : أنه سبحانه بعد أن أشار إلى أن الكفرة المخاطبين في بلاء وضر وأن آلهتهم لا يملكون كشف ذلك عنهم ولا تحويله أشار إلى أن مثل ذلك لا بد وأن يصيب الكفرة ولا يملك أحد كشفه ولا تحويله عنهم ، وهذا ظاهر بناءً على ما تقدم عن البعض في سبب النزول الذي بسببه فسر الضر بالقحط فتأمل .

وفي اختيار صيغة الفاعل في الموضعين وإن كانت بمعنى المستقبل من الدلالة على التحقق والتقرر ما فيه ، والتقييد بيوم القيامة لأن الإهلاك يومئذٍ غير مختص بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبة وإنما هو لانقضاء عمر الدنيا ، ثم قال : إن تعميم القرية لا يساعده السياق ولا السباق اه وفيه تأمل . ومن الناس من رجحه على ما سبق بأن فيه حمل الإهلاك على ما يتبادر منه وهو ما يكون عن عقوبة ولا كذلك فيما سبق .

وأجيب بأن ذلك سهل فقد استعمل في مقام التخويف فيما لم يكن عن عقوبة كقوله تعالى :

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا} (58)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وإن من قرية}، يقول: وما من قرية طالحة أو صالحة،

{إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا}، فأما الصالحة، فهلاكها بالموت، وأما الطالحة، فيأخذها العذاب في الدنيا،

{كان ذلك}، يعنى هلاك الصالحة بالموت، وعذاب الطالحة في الدنيا،

{في الكتاب مسطورا}، يعني: في أم الكتاب مكتوبا، يعني: اللوح المحفوظ، فتموت أو ينزل بها ذلك...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وما من قرية من القرى إلا نحن مهلكو أهلها بالفناء، فمبيدوهم استئصالاً قبل يوم القيامة، أو معذّبوها، إما ببلاء من قتل بالسيف، أو غير ذلك من صنوف العذاب عذابا شديدا...

عن قتادة، قوله:"وَإنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلاّ نَحْن مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذّبوها"؛ قضاء من الله كما تسمعون ليس منه بدّ، إما أن يهلكها بموت وإما أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره، وكذّبوا رسله...

وقوله: "كانَ ذلكَ فِي الكِتابِ مَسْطُورا "يعني في الكتاب الذي كتب فيه كلّ ما هو كائن، وذلك اللوح المحفوظ...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

أخبر الله تعالى أنه ليس من قرية إلا والله تعالى مهلكها قبل يوم القيامة بكفر من فيها من معاصيهم جزاء على أفعالهم القبيحة. "أو معذبوها عذابا شديدا "والمعنى أن يكون إما الإهلاك والاستئصال أو العذاب، والمراد بذلك قرى الكفر والضلال دون قرى الايمان...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

{وإن من قرية...}: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، هذا مع السلامة وأخذها جزءاً أو هي معذبة مأخوذة مرة واحدة فهذا عموم في كل مدينة و {من} لبيان الجنس، وقيل المراد الخصوص {وإن من قرية} ظالمة... والمعلوم أن كل قرية تهلك، إما من جهة القحوط والخسف غرقاً، وإما من الفتن، أو منهما، وصور ذلك كثيرة لا يعلمها إلا الله عزّ وجل، فأما ما هلك بالفتنة، فعن ظلم ولا بد، إما في كفر أو معاص، أو تقصير في دفاع، وحزامة، وأما القحط فيصيب الله به من يشاء، وكذلك الخسف...

{مهلكوها} الضمير لها، وفي ضمن ذلك الأهل،

{معذبوها} هو على حذف مضاف، فإنه لا يعذب إلا الأهل،

{في الكتاب} يريد في سابق القضاء، وما خطه القلم في اللوح المحفوظ، و «المسطور» المكتوب أسطاراً...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أنه تعالى لما قال: {إن عذاب ربك كان محذورا} بين أن كل قرية مع أهلها فلا بد وأن يرجع حالها إلى أحد أمرين: إما الإهلاك وإما التعذيب... ولا بد أن تكون عاقبتها أحد أمرين: إما الاستئصال بالكلية، وهو المراد من الإهلاك أو بعذاب شديد دون ذلك من قتل كبرائهم وتسليط المسلمين عليهم بالسبي واغتنام الأموال وأخذ الجزية، ثم بين تعالى أن هذا الحكم حكم مجزوم به واقع...

.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتَمَ وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها، بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم {عَذَابًا شَدِيدًا} إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال عن الأمم الماضين: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} [هود: 101] وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} [الطلاق: 7، 8].

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما كان المعنى: فاحذرونا فإنا أبدنا الأمم السالفة ودمرنا القرى المشيدة، عطف عليه قوله تعالى: {وإن} أي وما؛ وأعرق في النفي فقال تعالى: {من قرية} من القرى هذه التي أنتم بها وغيرها {إلا نحن} أي بما لنا من العظمة {مهلكوها} بنوع من الهلاك، لما هم عليه من الكفر أو العصيان، وعن مقاتل أنها عامة للصالحة بالموت والطالحة بالعذاب.

ولما كان الممكن ليس له من ذاته إلا العدم، وذلك مستغرق لزمان القبل، حذف الجار فقال تعالى: {قبل يوم القيامة} الذي أنتم به مكذبون، كما فعلنا في بيت المقدس في المرتين المذكورتين أول السورة لإفساد أهلها فاحذروا مثل ذلك {أو معذبوها} أي القرية بعذاب أهلها {عذاباً شديداَ} مع بقائها.

ولما أكد ذلك بالاسمية، زاده تأكيداً في جواب من كأنه قال: هل في ذلك من ثنيا لأن مثله لا يكاد يصدق؟ فقال تعالى: {كان ذلك} أي الأمر العظيم {في الكتاب} الذي عندنا {مسطوراً} على وجه الخبر، والأخبار لا تنسخ، فلو لم يكن حشر كان أمرنا جديراً بأن يمتثل حذراً من سطواتنا، ولا بد من أن نخيفكم بعد طول أمنكم ونهلك كثيراً من أعزائكم على يد هذا الرجل الواحد الذي أنتم كلكم متمالئون عليه مستهينون بأمره، مع أنا أرسلناه لعزكم وعلو ذكركم، ولا بد أن ندخله إلى بلدكم هذا بجنود أولي بأس شديد، لإفسادكم فيه واستهانتكم به كما فعلنا ببني إسرائيل حين أفسدوا في مسجدهم كما تقدم...

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

والمرادُ بالقرية القريةُ الكافرةُ أي ما من قرية من قرى الكفار {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} أي مُخْرِبوها البتةَ بالخسف بها أو بإهلاك أهلِها بالمرة لما ارتكبوا من عظائمِ المُوبقات المستوجبةِ لذلك، وفي صيغة الفاعلِ وإن كانت بمعنى المستقبَل ما ليس فيه من الدِلالة على التحقق والتقرّرِ وإنما قيل: {قَبْلَ يَوْمِ القيامة} لأن الإهلاكَ يومئذ غيرُ مختصَ بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبةِ وإنما هو لانقضاء عمرِ الدنيا {أَوْ مُعَذّبُوهَا} أي معذبو أهلِها على الإسنادِ المجازيِّ {عَذَاباً شَدِيداً} لا بالقتل والسبْي ونحوِهما من البلايا الدنيويةِ فقط، بل بما لا يُكتَنه كُنهُه من فنون العقوبات الأخرويةِ أيضاً حسبما يُفصح عنه إطلاقُ التعذيبِ عما قُيد به الإهلاكُ من قَبْلية يومِ القيامة، كيف لا وكثيرٌ من القرى العاتية العاصيةِ قد أُخّرت عقوباتُها إلى يوم القيامة {كَانَ ذَلِكَ} الذي ذكر من الإهلاك والتعذيب {في الكتاب} أي اللوح المحفوظ {مَسْطُورًا} مكتوباً لم يغادَرْ منه شيءٌ إلا بُيِّن فيه بكيفياته وأسبابِه الموجبةِ له ووقتِه المضروبِ له.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

انتهى الدرس السابق بتقرير أن الله وحده هو المتصرف في مصائر العباد، إن شاء رحمهم وإن شاء عذبهم؛ وأن الآلهة التي يدعونها من دونه لا تملك كشف الضر عنهم ولا تحويله إلى سواهم. فالآن يستطرد السياق إلى بيان المصير النهائي للبشر جميعا -كما قدره الله في علمه وقضائه- وهو انتهاء القرى جميعها إلى الموت والهلاك قبل يوم القيامة، أو وقوع العذاب ببعضها إن ارتكبت ما يستحق العذاب. فلا يبقى حي إلا ويلاقي نهايته على أي الوجهين:الهلاك حتف أنفه أو الهلاك بالعذاب. وبمناسبة ذكر العذاب الذي يحل ببعض القرى يشير السياق إلى ما كان يسبقه من الخوارق على أيدي الرسل -قبل رسالة محمد [صلى الله عليه وسلم]- هذه الخوارق التي امتنعت في هذه الرسالة، لأن الأولين الذين جاءتهم كذبوا بها ولم يهتدوا فحق عليهم الهلاك. والهلاك لم يقدر على أمة محمد لذلك لم يرسله بالخوارق المادية، وما كانت الخوارق إلا تخويفا للأمم الخالية مما يحل بها من الهلاك إذا كذبت بعد مجيئها. وقد كف الله الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعصمه منهم فلا يصلون إليه. وأراه الرؤيا الصادقة في الإسراء لتكون ابتلاء للناس، ولم يتخذ منها خارقة كخوارق الرسالات من قبل، وخوفهم الشجرة الملعونة في القرآن -شجرة الزقوم- التي رآها في أصل الجحيم، فلم يزدهم التخويف إلا طغيانا. وإذن فما كانت الخوارق إلا لتزيدهم طغيانا. وفي هذا الموضع من السياق تجيء قصة إبليس مع آدم، وإذن الله لإبليس في ذرية آدم إلا الصالحين من عباده فقد عصمهم من سلطانه وإغوائه.. فتكشف القصة عن أسباب الغواية الأصيلة التي تقود الناس إلى الكفر والطغيان، وتبعدهم عن تدبر الآيات. ويلمس السياق في هذا الموضع وجدان الإنسان بذكر فضل الله على بني آدم، ومقابلتهم هذا الفضل بالبطر والجحود، فلا يذكرون الله إلا في ساعات الشدة. فإذا مسهم الضر في البحر لجأوا إليه. فإذا أنجاهم إلى البر أعرضوا. والله قادر على أن يأخذهم في البر وفي البحر سواء! ولقد كرمهم الله وفضلهم على كثير ممن خلقه، ولكنهم لا يشكرون ولا يذكرون. ويختم هذا الدرس بمشهد من مشاهد القيامة؛ يوم يلقون جزاءهم على ما قدمت أيديهم، فلا مجال للنجاة لأحد إلا بما قدمت يداه.

فقد قدر الله أن يجيء يوم القيامة ووجه هذه الأرض خال من الحياة، فالهلاك ينتظر كل حي قبل ذلك اليوم الموعود. كذلك قدر العذاب لبعض هذه القرى بما ترتكب من ذنوب. ذلك ما ركز في علم الله. والله يعلم ما سيكون علمه بما هو كائن. فالذي كان والذي سيكون كله بالقياس إلى علم الله سواء...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

جاء بصريح التهديد على مسمع منهم بأن كل قرية مثل قريتهم في الشرك لا يعدوها عذاب الاستئصال وهو يأتي على القرية وأهلها، أو عذاب الانتقام بالسيف والذل والأسر والخوف والجوع وهو يأتي على أهل القرية مثل صرعى بدر، كل ذلك في الدنيا. فالمراد: القرى الكافرُ أهلُها لقوله تعالى: {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} في سورة [هود: 117]،.. وليس المقصود شمول ذلك القرى المؤمنة، على معنى أن لا بد للقرى من زوال وفناء في سنة الله في هذا العالم، لأن ذلك معارض لآيات أخرى، ولأنه مناف لغرض تحذير المشركين من الاستمرار على الشرك. فلو سلمنا أن هذا الحكم لا تنفلت منه قرية من القرى بحكم سنّة الله في مصير كل حادث إلى الفناء لما سلمنا أن في ذكر ذلك هنا فائدة. والتقييد بكونه قبل {يوم القيامة} زيادة في الإنذار والوعيد، كقوله: {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} [طه: 127]...

.