وقوله تعالى : { أَفَلاَ يَرَوْنَ } إلى آخره إنكار وتقبيح من جهته تعالى الضالين والمضلين جميعاً وتسفيه لهم فيما أقدموا عليه من المنكر الذي لا يشتبه بطلانه واستحالته على أحد وهو اتخاذ ذلك العجل الها ، ولعمري لو لم يكونوا في البلادة كالبقر لما عبدوه ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي ألا يتفكرون فلا يعلمون { أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } أي إنه لا يرجع اليهم كلاماً ولا يرد عليهم جواباً بل يخور كسائر العجاجيل فمن هذا شأنه كيف يتوهم أنه اله .
وقرأ الإمام الشافعي . وأبو حيوة . وأبان . وابن صبيح . والزعفراني { يُرْجَعُ } بالنصب على أن أن هي الناصبة لا المخففة من الثقيلة ، والرؤية حينئذ بمعنى الأبصار لا العلم بناء على ما ذكره الرضي . وجماعة من أن الناصبة لا تقع بعد إفعال القلوب مما يدل على يقين أو ظن غالب لأنها لكونها للاستقبال تدخل على ما ليس بثابت مستقر فلا يناسب وقوعها بعدما يدل على يقين ونحوه ، والعطف أيضاً كما سبق أي ألا ينظرون فلا يبصرون عدم رجعه إليهم قولاً من الأقوال ، وتعليق الإبصار بما ذكر مع كونه أمراً عدمياً للتنبيه على كمال ظهوره المستدعي لمزيد تشنيعهم وتركيك عقولهم ، وقيل : إن الناصبة لا تقع بعد رأي البصرية أيضاً لأنها تفيد العلم بواسطة إحساس البصر كما في إيضاح المفصل . وأجاز الفراء . وابن الأنباري وقوعها بعد إفعال العلم فضلاً عن أفعال البصر ، وقوله تعالى : { وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } عطف على { لاَ يَرْجِعُونَ } داخل معه في حيز الرؤية أي فلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضراً ويجلب لهم نفعاً أو لا يقدر على أن يضرهم إن لم يعبدوه أو ينفعهم إن عبدوه .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره موبخا عَبَدة العجل، والقائلين له "هَذَا إلهُكُمْ وَإلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ"، وعابهم بذلك، وسفّه أحلامهم بما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلهكم وإله موسى لا يكلمهم، وإن كلّموه لم يردّ عليهم جوابا، ولا يقدر على ضرّ ولا نفع، فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها؟
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لا قول له لا يتكلم، ومن لا يملك الضر والنفع لا يستحق العبادة.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
ثم قرن تعالى مواضع خطأهم بقوله تعالى: {أفلا يرون} المعنى: أفلم يتبين هؤلاء الذين ضلوا أن هذا العجل إنما هو جماد لا يتكلم ولا يرجع قولاً ولا يضر ولا ينفع، وهذه خلال لا يخفى معها الحدوث والعجز، لا أن هذه الخلال لو حصلت له أوجبت كونه إلهاً.
ثم إنه سبحانه بين المعنى الذي يجب الاستدلال به وهو قوله: {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا} أي لم يخطر ببالهم أن من لا يتكلم ولا يضر ولا ينفع لا يكون إلها ولا يكون للإله تعلق به في الحالية والمحلية... فهذا استدلال على عدم إلهيتها بأنها لا تتكلم ولا تنفع ولا تضر وهذا يدل على أن الإله لا بد وأن يكون موصوفا بهذه الصفات، وهو كقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: {لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا}.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
{أَفَلاَ يَرَوْنَ...}، إنكار وتقبيحٌ من جهته تعالى لحال الضالّين والمُضلّين جميعاً وتسفيهٌ لهم فيما أقدموا عليه من المنكَر الذي لا يشتبه بطلانُه واستحالتُه على أحد وهو اتخاذُه إلها، والفاءُ للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ، أي ألا يتفكرون فلا يعلمون {أَن لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} أي أنه لا يرجِعُ إليهم كلاماً ولا يرد عليهم جواباً، فكيف يتوهّمون أنه إله؟... وتعليقُ الإبصار بما ذُكر مع كونه أمراً عدمياً للتنبيه على كمال ظهورِه المستدعي لمزيد تشنيعِهم وتركيكِ عقولِهم..
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ذلك فضلا على وضوح الخدعة: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا) والمقصود أنه حتى لم يكن عجلا حيا يسمع قولهم ويستجيب له على عادة العجول البقرية! فهو في درجة أقل من درجة الحيوانية. وهو بطبيعة الحال لا يملك لهم ضرا ولا نفعا في أبسط صورة. فهو لا ينطح ولا يرفس ولا يدير طاحونة ولا ساقية!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
يجوز أن يكون اعتراضاً وليس من حكاية كلام القوم، فهو معترض بين جملة {فكذلك ألقى السامريّ} [طه: 87] وجملة {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألاّ تتبعن} [طه: 92، 93] الخ، فتكون الفاء لتفريع كلامِ متكلم على كلام غيره، أي لتفريع الإخبار لا لتفريع المخبر به، والمخبِر متعدد. ويجوز أن يكون من حكاية كلام الذين تصدّوا لخطاب موسى عليه السلام من بين قومه وهم كبراؤهم وصلحاؤهم ليعلم أنهم على بصيرة من التوحيد.
والاستفهام: إنكاري، نزلوا منزلة من لا يرى العجل لعدم جَرْيهم على موجب البصر، فأُنكر عليهم عدم رؤيتهم ذلك مع ظهوره، أي كيف يدّعون الإلهية للعجل وهم يرون أنه لا يتكلم ولا يستطيع نفعاً ولا ضراً.
والرؤية هنا بصرية مكنى بها أو مستعملةً في مطلق الإدراك فآلت إلى معنى الاعتقاد والعلم، ولا سيما بالنسبة لجملة {ولاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَراً ولا نَفْعاً} فإن ذلك لا يُرى بالبصر بخلاف {لا يرجع إليهم قولاً}. ورؤية انتفاء الأمرين مراد بها رؤية أثر انتفائهما بدوام عدم التكلّم وانتفاءِ عدم نفعهم وضرهم، لأنّ الإنكار مسلّط على اعتقادهم أنه إلههم فيقتضي أن يملكَ لهم ضرّاً ونفعاً.
ومعنى {يَرْجِعُ} يَرُدّ، أي يجيب القول، لأن ذلك محل العبرة من فقدانه صفات العاقل لأنهم يَدْعُونه ويُثنون عليه ويمجدونه وهو ساكت لا يشكر لهم ولا يَعِدهم باستجابة، وشأن الكامل إذا سمع ثناء أو تلقّى طِلبة أن يجيب. t ولا شك أن في ذلك الجمع العظيم من هو بحاجة إلى جلب نفع أو دفع ضرّ، وأنهم يسألونه ذلك فلم يجدوا ما فيه نفعهم أو دفع ضر عنهم مثل ضر عدّو أو مرض. فهم قد شاهدوا عدم غنائه عنهم، ولأن شواهد حاله من عدم التحرك شاهدة بأنه عاجز عن أن ينفع أو يضر، فلذلك سلط الإنكار على عدم الرؤية لأنّ حاله مما يُرى.
ولامَ {لَهُمْ} متعلّق ب {يَمْلِكُ} الذي هو في معنى يستطيع كما تقدّم في قوله تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً} في سورة العقود. (76).
وقدم الضرّ على النفع قطعاً لعُذرهم في اعتقاد إلهيته، لأن عذر الخائف من الضرّ أقوى من عذر الراغب في النفع.
...أي: أخبرونا بالطريق الذي يحملكم على الكفر، كأنها مسألة عجيبة لا يقبلها العقل ولا يقرها. ألم يخطر ببال هؤلاء الذين عبدوا العجل أنه لا يرد عليهم إن سألوه، ولا يملك لهم ضرا إن كفروا به، ولا نفعا إن آمنوا به وعبدوه.
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
وهكذا ابتدأت رواسبهم الوثنية تتحرك، فهم يرون، لأول مرة، بعد هذه الرحلة الطويلة مع موسى، وثناً ينطلق في دائرتهم الاجتماعية، وقد كانوا سألوا موسى سابقاً عندما خرجوا من البحر فشاهدوا قوماً يعكفون على أصنام لهم، أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، ولكن موسى قال لهم، {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138]. وها هم يسقطون أمام التجربة في غياب موسى (عليه السلام) الذي يخافونه ويخشون غضبه، {فَقَالُواْ هَذَآ إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى} ربما قالها السامري ومساعدوه، وربما قالها بعضهم لبعض، {فَنَسِىَ} في حكايتهم عن موسى الذي نسي إلهه هنا، فمضى يطلبه في الطور، أو عن السامري الذي نسي حقيقة الوحدانية في الإله الذي هو رب كل شيء. ويتدخل الوحي القرآني ليثير الإيحاءات التي تكشف زيف الموقف، لفقدان الأساس العقلي الذي يرتكز عليه في ما يملكه الإله من خصائص ذاتية من قدرة التحرك ووعي الأشياء، والتمكن من النطق على الأقل. ولكن هذا العجل لا يستطيع أن يستجيب، ولو بالإشارة، إلى من يدعوه، ولا يملك لهم أيّة قدرة على النفع والضرر، فكيف يتصورونه إلهاً لهم ولموسى بدلاً من الله الواحد الذي دعاهم موسى إليه ودلّهم عليه، {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} بل هو مجرد شيء جامد لا حياة فيه، مصنوع للإنسان، فكيف يكون صانعاً له؟ أو أن مسألة الإله لديهم تختلف عمّا هو في الوعي الدقيق للمسألة.
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.