روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي} (96)

{ قَالَ } أي السامري مجيباً له عليه السلام { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } بضم الصاد فيهما أي علمت ما لم يعلمه القوم وفطنت لما لم يفطنوا له ، قال الزجاج يقال : بصر بالشيء إذا علمه وأبصر إذا نظر ، وقيل : بصره وأبصره بمعنى واحد ؛ وقال الراغب : البصر يقال : للجارحة الناظرة وللقوة التي فيها ويقال : لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر ويقال من الأول أبصرت . ومن الثاني أبصرته وبصرت به . وقلما يقال : بصرت في الحاسة إذا لم يضامه رؤية القلب اه .

/ وقرأ الأعمش . وأبو السمال { بَصُرْتُ } بكسر الصاد { بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ } بفتح الصاد . وقرأ عمرو بن عبيد { بَصُرْتُ } بضم الباء وكسر الصاد { بِمَا لَمْ } بضم التاء المثناة من فوق وفتح الصاد على البناء للمفعول .

وقرأ الكسائي . وحمزة وأبو بحرية . والأعمش . وطلحة . وابن أبي ليلى . وابن مناذر . وابن سعدان . وقعنب { بِمَا لَمْ تبصروا } بالتاء الفوقانية المفتوحة وبضم الصاد . والخطاب لموسى عليه السلام وقومه . وقيل : له عليه السلام وحده وضمير الجمع للتعظيم كما قيل في قوله تعالى : { رَبّ ارجعون } [ المؤمنون : 99 ] وهذا منقول عن قدماء النحاة وقد صرح به الثعالبي في سر العربية ، فما ذكره الرضي من أن التعظيم إنما يكون في ضمير المتكلم مع الغير كفعلنا غير مرتضى وإن تبعه كثير . وادعى بعضهم أن الأنسب بما سيأتي إن شاء الله تعالى من قوله : { وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } تفسير بصر برأي لاسيما على القراءة بالخطاب فإن ادعاء علم ما لم يعلمه موسى عليه السلام جراءة عظيمة لا تليق بشأنه ولا بمقامه بخلاف ادعاء رؤية ما لم يره عليه السلام فإنه مما يقع بحسب ما يتفق . وقد كان فيما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رأى جبريل عليه السلام يوم فلق البحر على فرس فعرفه لما أنه كان يغذوه صغيراً حين خافت عليه أمه فألقته في غار فأخذ قبضة من تحت حافر الفرس وألقى في روعه أنه لا يلقيها على شيء فيقول : كن كذا إلا كان .

وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه رآه عليه السلام راكباً على فرس حين جاء ليذهب بموسى عليهما السلام إلى الميقات ولم يره أحد غيره من قوم موسى عليه السلام فأخذ من موطئ فرسه قبضة من التراب . وفي بعض الآثار أنه رآه كلما رفع الفرس يديه أو رجليه على التراب اليبس يخرج النبات فعرف أن له شأناً فأخذ من موطئه حفنة ، وذلك قوله تعالى : { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول } أي من أثر فرس الرسول . وكذا قرأ عبد الله ، فالكلام على حذف مضاف كما عليه أكثر المفسرين .

وأثر الفرس التراب الذي تحت حافره . وقيل : لا حاجة إلى تقدير مضاف لأن أثر فرسه أثره عليه السلام .

ولعل ذكر جبريل عليه السلام بعنوان الرسالة لأنه لم يعرفه إلا بهذا العنوان أو للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه القوم من الأسرار الإلهية تأكيداً لما صدر به مقالته والتنبيه كما قيل على وقت أخذ ما أخذ .

والقبضة المرة من القبض أطلقت على المقبوض مرة ، وبذلك يرد على القائلين بأن المصدر الواقع كذلك لا يؤنث بالتاء فيقولون : هذه حلة نسيج اليمن ولا يقولون : نسيجة اليمن . والجواب بأن الممنوع إنما هو التاء الدالة على التحديد لا على مجرد التأنيث كما هنا والمناسب على هذا أن لا تعتبره المرة كما لا يخفى .

وقرأ عبد الله . وأبي . وابن الزبير . والحسن . وحميد { قبصت } قبصة بالصاد فيهما ؛ وفرقوا بين القبض بالضاد المعجمة والقبص بالصاد بأن الأول الأخذ بجميع الكف والثاني الأخذ بأطراف الأصابع ونحوهما الخضم بالخاء للأكل بجميع الفم والقضم بالقاف للأكل بأطراف الأسنان . وذكر أن ذلك مما غير لفظه لمناسبة معناه فإن الضاد المعجمة للثقل واستطالة مخرجها جعلت فيما يدل على الأكثر والصاد لضيق محلها وخفائه جعلت فيما يدل على القليل .

وقرأ الحسن بخلاف عنه . وقتادة . ونصر بن عاصم بضم القاف والصاد المهملة وهو اسم للمقبوض كالمضغة اسم للممضوغ { الرسول فَنَبَذْتُهَا } أي ألقيتها في الحلي المذاب . وقيل : في جوف العجل فكان ما كان .

/ { وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } أي زينته وحسنته إلى والإشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعد . وذلك على حد قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة : 143 ] وحاصل جوابه أن ما فعله إنما صدر عنه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة بالسوء لا لشيء آخر من البرهان العقلي أو النقلي أو من الإلهام الإلهي . هذا ثم ما ذكر من تفسير الآية هو المأثور عن الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم وتبعهم جل أجلة المفسرين ، وقال أبو مسلم الأصبهاني : ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكروه . وهنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى عليه السلام وأثره سنته ورسمه الذي أمر به ودرج عليه فقد يقول الرجل : فلأن يقفو أثر فلان ويقتص أثره إذا كان يمتثل رسمه ، وتقرير الآية على ذلك أن موسى عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم بالعجل قال : بصرت بما لم يبصروا به أي عرفت أن الذي عليه القوم ليس بحق وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أي شيئاً من دينك فنبذتها أي طرحتها ولم أتمسك بها . وتعبيره عن موسى عليه السلام بلفظ الغائب على نحو قول من يخاطب الأمير ما قول الأمير في كذا . ويكون إطلاق الرسول منه عليه عليه السلام نوعاً من التهكم حيث كان كافراً مكذباً به على حد قوله تعالى حكاية عن الكفرة : { يا أَيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } [ الحجر : 6 ] انتهى ، وانتصر له بعضهم بأنه أقرب إلى التحقيق . ويبعد قول المفسرين أن جبريل عليه السلام ليس معهوداً باسم الرسول ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تكون اللام في الرسول لسابق في الذكر وأن ما قالوه لا بد له من تقدير المضاف والتقدير خلاف الأصل وأن اختصاص السامري برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته من بين سائر الناس بعيد جداً . وأيضاً كيف عرف أن أثر حافر فرسه يؤثر هذا الأمر الغريب العجيب من حياة الجماد وصيرورته لحماً ودماً على أنه لو كان كذلك لكان الأثر نفسه أولى بالحياة . وأيضاً متى اطلع كافر على تراب هذا شأنه فلقائل أن يقول لعل موسى عليه السلام اطلع شيء آخر يشبه هذا فلأجله أتى بالمعجزات فيكون ذلك فيما أتى به المرسلون عليهم السلام من الخوارق ، وأيضاً يبعد الكفر والإقدام على الإضلال بعد أن عرف نبوة موسى عليه السلام بمجيء هذا الرسول الكريم إليه انتهى .

وأجيب بأنه قد عهد في القرآن العظيم إطلاق الرسول على جبريل عليه السلام فقد قال سبحانه : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } [ الحاقه : 40 ] وعدم جريان ذكر له فيما تقدم لا يمنع من أن يكون معهوداً ، ويجوز أن يكون إطلاق الرسول عليه عليه السلام شائعاً في بني إسرائيل لاسيما إن قلنا بصحة ما روي أنه عليه السلام كان يغذي من يلقى من أطفالهم في الغار في زمان قتل فرعون لهم ، وبأن تقدير المضاف في الكلام أكثر من أن يحصى وقد عهد ذلك في كتاب الله تعالى غير مرة ، وبأن رؤيته جبريل عليه السلام دون الناس كان ابتلاء منه تعالى ليقضي الله أمراً كان مفعولا . وبأن معرفته تأثير ذلك الأثر ما ذكر كانت لما ألقى في روعه أنه لا يلقيه على شيء فيقول كن كذا إلا كان كما في خبر ابن عباس أو كانت لما شاهد من خروج النبات بالوطء كما في بعض الآثار . ويحتمل أن يكون سمع ذلك من موسى عليه السلام ، وبأن ما ذكر من أولوية الأثر نفسه بالحياة غير مسلم ألا ترى أن الإكسير يجعل ما يلقى هو عليه ذهباً ولا يكون هو بنفسه ذهباً . وبأن المعجزة مقرونة بدعوى الرسالة من الله تعالى والتحدي وقد قالوا : متى ادعى أحد الرسالة وأظهر الخارق وكان لسبب خفي يجهله المرسل إليهم قيض الله تعالى ولا بد من يبين حقيقة ذلك بإظهار مثله غير مقرون بالدعوى أو نحو ذلك أو جعل المدعي بحيث لا يقدم على فعل ذلك الخارق بذلك السبب بأن يسلب قوة التأثير أو نحو ذلك لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وتكون له عز وجل الحجة البالغة ، وجوزوا ظهور الخارق لا عن سبب أو عن سبب خفي على يد مدعي الألوهية لأن كذبه ظاهر عقلاً ونقلاً .

ولا تتوقف إقامة الحجة على تكذيبه بنحو ما تقدم . وبان ما ذكر من بعد الكفر والإضلال من السامري بعد أن عرف نبوة موسى عليه السلام في غاية السقوط فقد قال تعالى : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } [ النمل : 14 ] وليس كفر السامري بأبعد من كفر فرعون وقد رأى ما رأى . ويرد على ما ذكره أبو مسلم مع مخالفته للمأثور عن خير القرون مما لا يقال مثله من قبل الرأي فله حكم المرفوع أن التعبير عن موسى عليه السلام بلفظ الغائب بعيد . وإرادة وقد كنت قبضت قبضة الخ من النظم الكريم أبعد . وأن نبذ ما عرف أنه ليس بحق لا يعد من تسويل النفس في شيء فلا يناسب ختم جوابه بذلك . فزعم أن ما ذكره أقرب إلى التحقيق باطل عند أرباب التدقيق .

وزعمت اليهود أن ما ألقاه السامري كان قطعة من الحلي منقوشاً عليها بعض الطلسمات وكان يعقوب عليه السلام قد علقها في عنق يوسف عليه السلام إذ كان صغيراً كما يعلق الناس اليوم في أعناق أطفالهم التمائم وربما تكون من الذهب والفضة منقوشاً عليها شيء من الآيات أو الأسماء أو الطلسمات وقد ظفر بها من حيث ظفر فنبذها مع حلي بني إسرائيل فكان ما كان لخاصية ما نقش عليها فيكون على هذا قد أراد بالرسول رسول بني إسرائيل في مصر من قبل وهو يوسف عليه السلام . ولم يجيء عندنا خبر صحيح ولا ضعيف بل ولا موضوع فيما زعموا . نعم جاء عندنا أن يعقوب كان قد جعل القميص المتوارث في تعويذ وعلقه في عنق يوسف عليه السلام .

وفسر بعضهم بذلك قوله تعالى : { اذهبوا بِقَمِيصِى هذا } [ يوسف : 93 ] الخ . وما أغفل أولئك البهت عن زعم أن الأثر هو ذلك القميص فإنه قد عهد منه ما تقدم في أحسن القصص في قوله تعالى : { اذهبوا بِقَمِيصِى هذا فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } فبين معافاة المبتلي وحياة الجماد مناسبة كلية فهذا الكذب لو ارتكبوه لربما كان أروج قبولاً عند أمثال الأصبهاني الذين ينبذون ما روي عن الصحابة مما لا يقال مثله بالرأي وراء ظهورهم نعوذ بالله تعالى من الضلال .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي} (96)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ" يقول: قال السامريّ: علمت ما لم يعلموه، وهو فعلت من البصيرة: أي صرت بما عملت بصيرا عالما...

وقال آخرون: هي بمعنى: أبصرت ما لم يبصروه... عن قَتادة قال "بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ "يعني فرس جبرئيل عليه السلام.

وقوله: "فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرّسُولِ" يقول: قبضت قبضة من أثر حافر فرس جبرئيل...

وقوله: "فَنَبَذْتُها" يقول: فألقيتها، "وكَذَلَكَ سَوّلَتْ لي نَفْسِي "يقول: وكما فعلت من إلقائي القبضة التي قبضت من أثر الفرس على الحلية التي أوقد عليها حتى انسبكت فصارت عجلاً جسدا له خوار. "سَوّلَتْ لِي نَفْسِي" يقول: زينت لي نفسي أنه يكون ذلك كذلك... قال ابن زيد: "وكَذَلِكَ سَوّلَتْ لِي نَفْسِي" قال: كذلك حدثتني نفسي.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{بصرت بما لم يبصروا به} بالياء والتاء جميعا. ثم بين ما الذي بصر هو ما لم يبصروا هم، فقال: {فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها}.

أما عامة أهل التأويل فإنهم يقولون: إنه قبض من تراب من أثر فرس جبريل، فنبذها. وليس في الآية ذكر التراب ولا ذكر الفرس ولا أن ذلك الرسول جبريل أو غيره. ويشبه أن يكون الذي قبضه هو تراب من أثر الفرس على ما قاله أهل التأويل. وقد ذُكر في حرف أبي: فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول.

فإن ثبت ما قالوا، وإلا لم نزد على ما ذكر في الكتاب... لذلك وجب حفظ ما حكي في الكتاب من الأنباء والأخبار من غير زيادة ولا نقصان مخافة الكذب إلا أن يثبت شيء يذكر عن رسول الله أنه كان، فعند ذلك يقال، وإلا فالكف أولى... قوله تعالى: {وكذلك سولت لي نفسي} هذا يحتمل وجهين:

أحدهما: أي كذلك سولت لي نفسي: أنك متى تأخذ قبضة من أثر الرسول، فتنبذها في الحلي، يحيى.

[والثاني]: أن يكون سولت له نفسه على ما كانت عادتهم وطبيعتهم أنهم لا يعبدون إلها لا يرونه، ولا يقع بصرهم عليه حين {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} [الأعراف: 138] وقالوا {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} [البقرة: 55] فقال: {سولت لي نفسي} أن أتخد لهم عجلا يرونه، فيعبدونه، أو {سولت لي نفسي} أن في أخذ قبضة من أثر الرسول نبأ عظيما أو قال ذلك اعتذارا لجميع ما كان منه من أول الأمر إلى آخره أمره، والله أعلم.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

ثم ذكر السامري عذره في ذلك فقال: {بصرت بما لم يبصروا به}:... في الإبصار قولان:

قال أبو عبيدة: علمت بما لم يعلموا به، ومنه قولهم: رجل بصير أي عالم وهذا، قول ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الزجاج في تقريره: أبصرته بمعنى رأيته وبصرت به بمعنى صرت به بصيرا عالما.

وقال آخرون: رأيت ما لم يروه فقوله بصرت به بمعنى أبصرته وأراد أنه رأى دابة جبريل عليه السلام فأخذ من موضع حافر دابته قبضة من تراب ثم قال: {فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها}:... عامة المفسرين قالوا: المراد بالرسول جبريل عليه السلام وأراد بأثره التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته... فعلى هذا قوله: {بصرت بما لم يبصروا به} بمعنى رأيت ما لم يروه. ومن فسر الكلمة بالعلم فهو صحيح ويكون المعنى علمت أن تراب فرس جبريل عليه السلام له خاصية الإحياء.

قال أبو مسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصريح بهذا الذي ذكره المفسرون، فههنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالرسول موسى عليه السلام وبأثره سنته ورسمه الذي أمر به فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر فلان ويقبض أثره إذا كان يمتثل رسمه، والتقدير أن موسى عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم والمسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في باب العجل، فقال: بصرت بما لم يبصروا به، أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي شيئا من سنتك ودينك فقذفته أي طرحته، فعند ذلك أعلمه موسى عليه السلام بما له من العذاب في الدنيا والآخرة... وأما دعاؤه موسى عليه السلام رسولا مع جحده وكفره فعلى مثل مذهب من حكى الله عنه قوله: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} وإن لم يؤمنوا بالإنزال.

واعلم أن هذا القول الذي ذكره أبو مسلم ليس فيه إلا مخالفة المفسرين ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه؛

أحدها: أن جبريل عليه السلام ليس بمشهور باسم الرسول ولم يجر له فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبريل عليه السلام كأنه تكليف بعلم الغيب.

وثانيها: أنه لا بد فيه من الإضمار وهو قبضة من أثر حافر فرس الرسول والإضمار خلاف الأصل.

وثالثها: أنه لا بد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبريل عليه السلام ومعرفته ثم كيف عرف أن لتراب حافر فرسه هذا الأثر والذي ذكروه من أن جبريل عليه السلام هو الذي رباه فبعيد، لأن السامري إن عرف جبريل حال كمال عقله عرف قطعا أن موسى عليه السلام نبي صادق فكيف يحاول الإضلال وإن كان ما عرفه حال البلوغ فأي منفعة لكون جبريل عليه السلام مربيا له في الطفولية في حصول تلك المعرفة.

ورابعها: أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه لكان لقائل أن يقول: فلعل موسى عليه السلام اطلع على شيء آخر يشبه ذلك فلأجله أتى بالمعجزات ويرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات ويقول: لم لا يجوز أن يقال إنهم لاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن تفيد حصول تلك المعجزة، أتوا بتلك المعجزة، وحينئذ ينسد باب المعجزات بالكلية.

أما قوله: {وكذلك سولت لي نفسي} فالمعنى فعلت ما دعتني إليه نفسي وسولت مأخوذ من السؤال فالمعنى لم يدعني إلى ما فعلته أحد غيري بل اتبعت هواي فيه.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{قال} السامري مجيباً له: {بصرت} من البصر والبصيرة {بما لم يبصروا به} من أمر الرسول الذي أجاز بنا البحر {فقبضت} أي فكان ذلك سبباً لأن قبضت {قبضة} أي مرة من القبض، أطلقها على المقبوض تسمية للمفعول بالمصدر {من أثر} فرس ذلك {الرسول} أي المعهود {فنبذتها} في الحلي الملقى في النار، أو في العجل {وكذلك} أي وكما سولت لي نفسي أخذ اثره {سولت} أي حسنت وزينت {لي نفسي} نبذها في الحلي فنبذتها، فكان منها ما كان، ولم يدعني إلى ذلك داع ولا حملني عليه حامل غير التسويل.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

{قال بصرت بما لم يبصروا به} أي قال السامري: إني عرفت ما لم يعرفه القوم ولم تعرفه أنت، وعرفت أن ما أنتم عليه ليس بالحق.

{فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها} أي وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول أي شيئا من سنتك ودينك فطرحته وخلاصة هذا: إن موسى عليه السلام لما أقبل على السامري باللوم والتعنيف والسؤال عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم رد عليه بأنه كان استن بسنته، واقتفى أثره وتبع دينه، ثم استبان له أن ذلك هو الضلال بعينه، وأنه ليس من الحق في شيء، فطرحه وراءه ظهريا وسار على النهج الذي رأى. وفي التعبير بكلمة "الرسول "على هذا نوع من التهكم والسخرية، لأنه جاحد مكذب له، فهو على نحو ما حكى الله عن بعض الجاحدين بقوله: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} [الحجر:6] وهم لا يؤمنون بالإنزال عليه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وتتكاثر الروايات حول قول السامري هذا. فما هو الذي بصر به؟ ومن هو الرسول الذي قبض قبضة من أثره فنبذها؟ وما علاقة هذا بعجل الذهب الذي صنعه؟ وما أثر هذه القبضة فيه؟ والذي يتردد كثيرا في هذه الروايات أنه رأى جبريل -عليه السلام- وهو في صورته التي ينزل بها إلى الأرض؛ فقبض قبضة من تحت قدمه، أو من تحت حافر فرسه، فألقاها على عجل الذهب، فكان له هذا الخوار. أو إنها هي التي أحالت كوم الذهب عجلا له خوار. والقرآن لا يقرر هنا حقيقة ما حدث، إنما هو يحكي قول السامري مجرد حكاية.. ونحن نميل إلى اعتبار هذا عذرا من السامري وتملصا من تبعة ما حدث. وأنه هو صنع العجل من الذهب الذي قذفه بنو إسرائيل من زينة المصريين التي أخذوها معهم، وأنه صنعه بطريقة تجعل الريح تصوت في فراغه فتحدث صوتا كالخوار. ثم قال حكاية أثر الرسول يبرر بها موقفه، ويرجع الأمر إلى فطنته إلى أثر الرسول!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

قوله {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِه} إلى قوله {فَنَبَذْتُهَا} إن حُملت كلمات (بَصُرت بما لم يبصروا به. وقبضت قبضة، وأثر، ونبذتها) على حقائق مدلولاتها كما ذهب إليه جمهور المفسرين كان المعنى أبصرت ما لم يُبصروه، أي نظرت ما لم ينظروه، بناء على أن بَصُرت، وأبصرت كلاهما من أفعال النظر بالعين، إلا أن بصُر بالشيء حقيقته صار بصيراً به أو بصيراً بسببه، أي شديد الإبصار، فهو أقوى من أبصرت، لأنّه صيغ من فَعُل بضم العين الذي تشتق منه الصفات المشبهة الدالة على كون الوصف سجية، قال تعالى: {فبصرت به عن جنب} في سورة القصص (11).

ولما كان المعنى هنا جليّاً عن أمر مرئيّ تعيّن حمل اللفظ على المجاز باستعارة بصُر الدال على قوّة الإبصار إلى معنى العِلم القويّ بعلاقة الإطلاق عن التقييد، كما في قوله تعالى: {فبصرك اليوم حديد} [ق: 22]، وكما سميت المعرفة الراسخة بَصيرة في قوله {أدعوا إلى الله على بصيرة} [يوسف: 108]. وحكى في « لسان العرب» عن اللحياني: إنه لبصير بالأشياء، أي عالم بها، وبصرت بالشيء: علمته. وجعل منه قوله تعالى: {بصرت بما لم يبصروا به}، وكذلك فسرها الأخفش في نقل « لسان العرب» وأثبته الزجاج. فالمعنى: علمتُ ما لم يعلموه وفطنت لما لم يفطنوا له، كما جعله في « الكشاف» أول وجهين في معنى الآية. ولذلك طريقتان: إما جعل بصُرت مجازاً، وإما جعله حقيقة...

والأثر: حقيقته: ما يتركه الماشي من صورة قَدَمِه في الرمل أو التراب. وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: {قال هم أولاء على أثري} [طه: 84].

وعلى حمل هذه الكلمات على حقائقها يتعين صرف الرسول عن المعنى المشهور، فيتعين حمله على جبريل فإنه رسول من الله إلى الأنبياء. فقال جمهور المفسرين: المراد بالرسول جبريل، ورووا قصة قالوا: إن السامري فتنهُ الله، فأراه الله جبريل راكباً فرساً فوطئ حافر الفرس مكاناً فإذا هو مخضَرّ بالنبات. فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حياً، فأخذ قَبضة من ذلك التراب وصنَع عجلاً وألقى القبضة عليه فصار جسداً، أي حياً، له خوار كخوار العجل، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ. وهذا الذي ذكروه لا يوجد في كتب الإسرائيليين ولا ورد به أثر من السنّة وإنما هي أقوال لبعض السلف ولعلها تسربت للناس من روايات القصاصين.

فإذا صُرفت هذه الكلمات الستُّ إلى معان مجازية كان {بصُرت} بمعنى علمتُ واهتديت، أي اهتديت إلى علم ما لم يعلموه، وهو علم صناعة التماثيل والصور الذي به صنع العجل، وعلم الحِيل الذي أوجد به خُوار العجل، وكانت القبضة بمعنى النصيب القليل، وكان الأثر بمعنى التعليم، أي الشريعة، وكان "نبذت "بمعنى أهملت ونقضت، أي كنت ذا معرفة إجمالية من هدي الشريعة فانخلعت عنها بالكفر. وبذلك يصح أن يحمل لفظ الرسول على المعنى الشائع المتعارف وهو مَن أوحي إليه بشرع من الله وأُمر بتبليغه.

وكان المعنى: إني بعملي العجل للعبادة نقضت اتباع شريعة موسى. والمعنى: أنه اعترف أمام موسى بصنعِهِ العجل واعترف بأنه جَهِل فَضَلّ، واعتذر بأن ذلك سوّلته له نفسه.

والتسويل: تزيين ما ليس بزين.

والتشبيه في قوله {وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} تشبيه الشيء بنفسه، كقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً} [البقرة: 143]، أي كذلك التسويل سولت لي نفسي، أي تسويلاً لا يقبل التعريفَ بأكثر من ذلك.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{فقبضت قبضة من أثر الرسول} والأثر ليس هو أثر جبريل، ولا فرس جبريل، ولكنه أثر معنوي، والرسول ليس هو جبريل، فلم يجئ ذكر لجبريل في هذا الموضوع حتى يراد بالمعرف ب"أل"، إنما الرسول الذي تكرر ذكره بالرسالة هو موسى كليم الله، وأثر موسى كليم الله تعالى هو دعوته إلى التوحيد، وإلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فذلك هو أثر موسى وهو أثر كل رسول برسالة سماوية من الله تعالى {فنبذتها}، أي ألقاها في مهب الريح، كما تلقى النواة وترمى، واستبدل بالتوحيد الشرك والكفر، وأن يكون على دين من يعبدوه البقر لعنهم الله تعالى، وقد بين بعد ذلك أن هذا من هوى النفس وليس قائما على منطق من عقل، ولذا قال: {وكذلك سولت لي نفسي}، أي كذلك الذي رأيتم من فتنة بني إسرائيل بهذا التضليل زينت لي نفسي، ومعنى التسويل أنه تردد في هذا الأمر بتساؤل نفسي حتى أختار ما أختار وزينته وحسنته. كان لابد له من عقاب يكون به عبرة في الدنيا، وعقاب الآخرة ثابت له. ولذا ذكره موسى الكليم بعقاب في الدنيا، وترك عقاب الآخرة لربه الأعلى.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

... وقد أدى به اجتهاده إلى صناعة العجل؛ لأنه رأى قومه يحبون الأصنام. وسبق أن طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها لما رأوا قوما يعبدون الأصنام، فانتهز السامري فرصة غياب موسى، وقال لهم: سأصنع لكم ما لم يستطع موسى صناعته، بل وأزيدكم فيه. لقد طلبتم مجرد صنم من حجارة إنما أنا سأجعل لكم عجلا جسدا من الذهب، وله صوت وخوار مسموع...

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} فليس هناك سر خفي أدّعيه من وحي أو غيب، بل كل ما هناك أني استسلمت لبعض رغبات النفس الأمّارة بالسوء، في ما سولت لي بأن أثير في المجتمع أوضاعاً قلقة تربك الجو، وتنحرف بالمسيرة، وتقوده إلى الضلال،