روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ} (16)

{ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ } ممن اخترعه أو المتابع له { قُلْتُمْ } تكذيباً له وتهويلاً لما ارتكبه { مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ } أي ما يمكننا وما يصدر عنا بوجه من الوجوه التكلم { بهذا } إشارة إلى القول الذي سمعوه باعتبار شخصه .

وجوز أن يكون إشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس المتصفين بالإحصان محرم شرعاً ، وجاء عن حذيفة مرفوعاً أنه يهدم عمل مائة سنة فضلاً عن تعريض الصديقة حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والكلام في توسيط الظرف على نحو ما مر { سبحانك } تعجب ممن تفوه به ، وأصله أن يذكر عند معاينة العجيب من صنائعه تعالى شأنه تنزيهاً له سبحانه من أن يصعب عليه أمثاله ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه واستعماله فيما ذكر مجاز متفرع على الكناية ، ومثله في استعماله للتعجب لا إله إلا الله ، والعوام يستعملون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام أيضاً ولم يسمع في لسان الشرع بل قد صرح بعض الفقهاء بالمنع منه .

وجوز أن يكون { سبحانك } هنا مستعملاً في حقيقته والمراد تنيه الله تعالى شأنه من أن يصم نبيه عليه الصلاة والسلام ويشينه فإن فجور الزوجة وصمة في الزوج تنفر عنه القلب وتمنع عن اتباعه النفوس ولداً صان الله تعالى أزواج الأنبياء عليهم السلام عن ذلك ، وهذا بخلاف الكفر فإن كفر الزوجة ليس وصمة في الزوج ، وقد ثبت كفر زوجتي نوح عليهما السلام كذا قيل ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً ما يتعلق به ، وعلى هذا يكون { سبحانك } تقريراً لما قبله وتمهيداً لقوله سبحانه { هذا بهتان } أي كذب يبهت ويحير سامعه لفظاعته { عظِيمٌ } لا يقدر قدره لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها كثيراً ما يكونان باعتبار متعلقاتها ، والظاهر أن التوبيخ للسامعين الخائضين لا للسامعين مطلقاً ، فقد روي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها قال : سبحانك هذا بهتان عظيم . وعن سعيد بن المسيب أنه قال : كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئاً من ذلك قالا ما ذكر أسامة بن زيد بن حارثة . وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهما . وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : إن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له : يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث به الناس ؟ فقال : ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ، ومنشأ هذا الجزم على ما قاله الإمام الرازي العلم بأن زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن تكون فاجرة ، وعلل بأن ذلك ينفر عن الاتباع فيخل بحكمة البعثة كدناءة الآباء وعهر الأمهات ، وقد نص العلامة الثاني على أن من شروط النبوة السلامة عن ذلك بل عن كل ما ينفر عن الاتباع .

واستشكل ذلك بأنه إذا كان ما ذكر شرطاً فكيف علمه من سمعت حتى قالوا ما قالوا وخفي الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال كما في «صحيح البخاري » وغيره : " يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاسغفري الله تعالى وتوبى إليه " .

وجاء في بعض الروايات " يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله تعالى لك " وكذا خفي على صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، فقد أخرج البزار بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه رأسها فقالت : ألا عذرتني فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم ؟

وأجيب بأن ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوة كالأمانة والصدق بل هو من الشروط الشرعية والعادية كما قال اللقاني فيجوز أن يقال : إنه لم يكن معلوماً قبل وإنما علم بعد نزول آيات براءة عائشة رضي الله تعالى عنها ، وعدم العلم بمثل ذلك لا يقدح في منصب النبوة ، وأما دعوى علم من ذكر به فلا دليل عليها ، وقولهم ذلك يجوز أن يكون ناشئاً عن حسن الظن لا عن علم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة ، ويشهد لهذا نظراً إلى بعض القائلين والظاهر تساويهم ما أخرجه ابن إسحق . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه . وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله تعالى عنها ؟ قال : بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة يا أم أيوب ؟ قالت : لا والله فقال : فعائشة رضي الله تعالى عنها والله خير منك وأطيب هذا كذب وإفك باطل ، وروى قريباً منه الحاكم . وابن عساكر عن أفلح مولى أبي أيوب ، ولعله المعنى ببعض الأنصار في الخبر السابق ، ولم يقل صلى الله عليه وسلم نحو ذكل لحسن الظن لشدة غيرته عليه الصلاة والسلام والغيور لا يكاد يعود في مثل ذلك على حسن الظن ، ويمكن أن يكون قولهم ذلك ناشئاً عن العلم بكون السلامة من المنفر عن الاتباع من شروط النبوة بأن يكونوا قد تفطنوا لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامة وقد يتفطن العالم لما لا يتفطن له من هو أعلم منه .

وجوز أن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بعدم جواز فجور نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما فيه من النفرة المخلة بحكمة البعثة لكن أراد عليه الصلاة والسلام أن يظهر أمر براءة الصديقة رضي الله تعالى عنها ظهور الشمس في رابعة النهار بحيث لا يبقى فيها خفاء عند أحد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ، وما عراه من الهم إنما هو أمر طبيعي حصل بسبب خوض المنافقين ومن تبعهم وشيوع ما لا أصل له من الباطل بين الناس ، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان عالماً بأن السلامة من المنفر من شروط النبوة لكن خشي من الله عز وجل الذي لا يجب عليه شيء أن لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعهم فيه من المنفر بأن لا يرتب سبحانه خلق النفرة في القلوب عليه ليمنع من الاتباع فتختل حكمة البعثة فداخله عليه الصلاة والسلام من الهم ما داخله وجعل يتتبع الأمر على أتم وجه وما ذلك إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم ، ونظيره من وجه خوفه عليه الصلاة والسلام من قيام الساعة عند اشتداد الريح بحيث لا يستطيع أن ينام ما دام الأمر كذلك حتى تمطر السماء .

وقيل : يجوز أن لا يعد فجور الزوجة منفراً إلا إذا أمسكت بعدم العلم به فلم لا يجوز أن يقع فيجب طلاقها وإذا طلقت لا يتحقق المنفر المخل بالحكمة ، هذا ولا يخفى عليك ما في بعض الاحتمالات من البحث بل بعضها في غاية البعد عن ساحة القبول ، ولعل الحق أنه عليه الصلاة والسلام قد أخفى عليه أمر الشرطية إلى أن اتضح أمر البراءة ونزلت الآيات فيها لحكمة الابتلاء وغيره مما الله تعالى أعلم به . وأن قول أولئك الأصحاب رضي الله تعالى عنهم : سبحانك هذا بهتان عظيم لم يكن ناشئاً إلا عن حسن الظن ، ولم يتمسك به صلى الله عليه وسلم لأنه لا يحسم القال والقيل ولايرد به شيء من الأباطيل ، ولا ينبغي لمن يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن ، ونسب للشيعة قذف عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله تعالى منه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار وليس في كتبهم المعول عليها عندهم عين منه ولا أثر أصلاً ، وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وليس له أيضاً في كتبهم عين ولا أثر .

والظاهر أنه ليس في الفرق الإسلامية من يختلج في قلبه ذلك فضلاً عن الإفلاك الذي برأها الله عز وجل منه .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ} (16)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة، رضي الله عنها، فقال سبحانه: {ولولا} يعني: هلا {إذ سمعتموه} يعني: القذف {قلتم ما يكون لنا} يعني: ما ينبغي لنا {أن نتكلم بهذا} الأمر... ثم قال عز وجل: ألا قلتم {سبحانك} يعني: ألا نزهتم الرب جل جلاله عن أن يعصى، وقلتم {هذا} القول {بهتان عظيم}، لشدة قولهم، والبهتان الذي يبهت، فيقول ما لم يكن من قذف أو غيره.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فَلَوْلا أيها الخائضون في الإفك الذي جاءت به عصبة منكم، "إذْ سَمِعْتُمُوهُ "ممن جاء به، قلتُمْ ما يحلّ لنا أن نتكلم بهذا، وما ينبغي لنا أن نتفوّه به "سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ"، تنزيها لك يا ربّ وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء، "هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ" يقول: هذا القول بهتان عظيم.

أحكام القرآن للجصاص 370 هـ :

{سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} أي: تنزيهاً لك من أن نغضبك بسماع مثل هذا القول في تصديق قائله، وهو كذب وبهتان في ظاهر الحكم.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

فالبهتان الكذب الذي فيه مكابرة تحير، يقال: بهته يبهته بهتا وبهتانا إذا حيره بالكذب عليه.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

استماعُ الغيبةِ نوعٌ من الغيبة، بل مستمِعُ الغيبة شَرُّ المغتابين؛ إذ بسماعه يَتِمُّ قَصْدُ صاحِبه. وإذا سمِع المؤمنُ ما هو سوءُ قالةٍ في المسلمين -مما لا صِحَّةَ له في التحقيق- فالواجبُ الردُّ على قائله، ولا يكفي في ذلك السكوتُ دون النكير، ويجب ردُّ قائله بأحسنِ نصيحةٍ، وأدقِّ موعظةٍ..

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

عتاب لجميع المؤمنين، أي: كان ينبغي عليكم أن تنكروه ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه عليه السلام وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها {بهتان}، وحقيقة البهتان أَن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة أن يقال في الإنسان ما فيه.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

هذا تأديب آخر بعد الأول، الأمر بالظن خيرا أي: إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيرا، وألا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن عَلِق بنفسه شيء من ذلك -وسوسةً أو خيالا- فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله تجاوز لأمتي عما حدَّثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" أخرجاه في الصحيحين. وقال الله تعالى: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} أي: ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} أي: سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة [نبيه و] رسوله وحليلة خليله.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما بين فحشه وشناعته، وقبحه وفظاعته، عطف على التأديب الأول في قوله {لولا إذ سمعتموه} تأديباً فقال: {ولولا إذ} أي وهلا حين {سمعتموه قلتم} أي حين السماع من غير توقف ولا تلعثم، وفصل بين آلة التحضيض والقول المحضض عليه بالظرف لأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها، وأنها لا انفكاك لها عنه، ولأن ذكره منبه على الاهتمام به لوجوب المبادرة إلى المحضض عليه: {ما يكون} أي ما ينبغي وما يصح {لنا أن نتكلم} حقيقة بالنطق ولا مجازاً بالسكوت عن الإنكار {بهذا} أي بمثله في حق أدنى الناس فكيف بمن اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق، ثم دللتم على شدة نفرتكم منه بأن وصلتم بهذا النفي قولكم: {سبحانك} تعجباً من أن يخطر بالبال، في حال من الأحوال.

ولما كان تنزيه الله تعالى في مثل ذلك وإن كان للتعجب إشارة إلى تنزيه المقام الذي وقع فيه التعجب تنزيها عظيماً، حسن أن يوصل بذلك قوله تعليلاً للتعجب والنفي: {هذا بهتان} أي كذب يبهت من يواجه به، ويحيره لشدة ما يفعل في القوى الباطنة، لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه أبعد الناس منه؛ ثم هوله بقوله: {عظيم} والمراد أن الذي ينبغي للإنسان أولاً أن لا يظن بإخوانه المؤمنين ولا يسمع فيهم إلا خيراً، فإن غلبه الشيطان وارتسم شيء من ذلك في ذهنه فلا يتكلم به، ويبادر إلى تكذيبه.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه، وأن تتحرج من مجرد النطق به، وأن تنكر أن يكون هذا موضوعا للحديث؛ وأن تتوجه إلى الله تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا؛ وأن تقذف بهذا الإفك بعيدا عن ذلك الجو الطاهر الكريم:

(ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. سبحانك! هذا بهتان عظيم)..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ومعنى {قلتم ما يكون لنا} أن يقولوا للذين أخبروهم بهذا الخبر الإفك. أي قلتم لهم زجراً وموعظة.

وضمير {لنا} مراد به القائلون والمخاطبون. فأما المخاطبون فلأنهم تكلموا به حين حدثوهم بخبر الإفك. والمعنى: ما يكون لكم أن تتكلموا بهذا، وأما المتكلمون فلتنزههم من أن يجري ذلك البهتان على ألسنتهم.

وإنما قال: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} دون أن يقول: ليس لنا أن نتكلم بهذا، للتنبيه على أن الكلام في هذا وكينونة الخوض فيه حقيق بالانتفاء. وذلك أن قولك: ما يكون لي أن أفعل، أشد في نفي الفعل عنك من قولك: ليس لي أن أفعل. ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} [المائدة: 116].

وهذا مسوق للتوبيخ على تناقلهم الخبر الكاذب وكان الشأن أن يقول القائل في نفسه: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، ويقول ذلك لمن يجالسه ويسمعه منه. فهذا زيادة على التوبيخ على السكوت عليه في قوله تعالى: {وقالوا هذا إفك مبين} [النور: 12].

و {سبحانك} جملة إنشاء وقعت معترضة بين جملة: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} وجملة: {هذا بهتان عظيم}. و {سبحانك} مصدر وقع بدلاً من فعله، أي نسبح سبحاناً لك. وإضافته إلى ضمير الخطاب من إضافة المصدر إلى مفعوله، وهو هنا مستعار للتعجب كما تقدم عند قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} [الإسراء: 1] وقوله: {وسبحان الله وما أنا من المشركين} في سورة يوسف (108). والأحسن أن يكون هنا لإعلان المتكلم البراءة من شيء بتمثيل حال نفسه بحال من يشهد الله على ما يقول فيبتدئ بخطاب الله بتعظيمه ثم بقول: {هذا بهتان عظيم} تبرّؤاً من لازم ذلك وهو مبالغة في إنكار الشيء والتعجب من وقوعه.

وتوجيه الخطاب إلى الله في قوله: {سبحانك} للإشعار بأن الله غاضب على من يخوض في ذلك فعليهم أن يتوجهوا لله بالتوبة منه لمن خاضوا فيه وبالاحتراز من المشاركة فيه لمن لم يخوضوا فيه.

وجملة: {هذا بهتان عظيم} تعليل لجملة: {ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} فهي داخلة في توبيخ المقول لهم.

ووصف البهتان بأنه {عظيم} معناه أنه عظيم في وقوعه، أي بالغ في كنه البهتان مبلغاً قوياً.

وإنما كان عظيماً لأنه مشتمل على منكرات كثيرة وهي: الكذب، وكون الكذب يطعن في سلامة العرض، وكونه يسبب إحناً عظيمة بين المفترين والمفترى عليهم بدون عذر، وكون المفترى عليهم من خيرة الناس وانتمائهم إلى أخير الناس من أزواج وآباء وقرابات، وأعظم من ذلك أنه اجتراء على مقام النبي صلى الله عليه وسلم ومقام أم المؤمنين رضي الله عنها.

والبهتان: الخبر الكذب الذي يُبهت السامع لأنه لا شبهة فيه.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

وفي الآية نفي للكينونة {ما يكون}، وهي أبلغ لمثل هذا القول، وأبلغ من النفي المؤكد، وأنه غير سائغ في ذاته لأمرين: أولهما: تقديس الله تعالى، لتأكيد النفي عن زوج نبيه، ومن لها مكان الاختصاص بمحبة فوق محبة غيرها من أزواجه، وهذا في معنى التعجب من أن يكون هذا الفعل وهذا القول مرددا بين المؤمنين، ولم يوقفوه حتى تفاقم الأمر، وآذى النبي، إذ وصل إلى سمعه الكريم، وأن التنزيه لله سبحانه في هذا المقام إشعار بأنه وحده المنزه، ويقال ذلك في كل موضع يتفاقم فيه الإثم.

{هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} الإشارة إلى الإفك، والبهتان: الكذب الذي تدهش له العقول وتتحير لفظاعته وغرابته، وبعده عن كل معقول، وهذا هو الكذب على زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا ما ينبغي للمؤمن إذا نقل له خبر السوء الذي لا يعقل ولا يقبل، فيجب عليه أمران.

أولهما: ألا يردده لأنه لا يليق بالكامل أن يجعله موضع أحاديثه، لأنه منكر لا يردد، وفحش لا ينطق.

الثاني: أن يسارع إلى التكذيب إذا كانت عنده أدلة التكذيب من مقام المفتري عليه بين قومه، ومقام من ينتسب إليه، وبذلك يقف الكذب، ولا يسير في وسط الجماعات، والله بعباده رءوف رحيم.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لنا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا}، لأننا لا نملك أيّ أساسٍ له، فلا يكفي للإنسان أن يخوض في شؤون الناس، وأن يحرك الإشاعات التي تتحدث عنهم بالسوء، بل لا بد له من إثبات ذلك بالبيّنة الشرعية، فإذا لم نستطع منع الناس من التكلم عن الآخرين بطريقة سيئة، فلا بد لنا على الأقل عدم مشاركتهم في ما يخوضون فيه، ليرجع إلى الله قائلاً: {سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} في إعلان إيمانيٍّ بتعظيم الله وتنزيهه. وتنزيه الله هنا لون من ألوان الأدب القرآني الذي يعمل على تنزيه الله عند إرادة تنزيه أحدٍ، ثم التأكيد على صفة البهتان العظيم في هذا الحديث القاذف، الذي يسيء للأبرياء وللنبيّ بشكل غير مباشر، لأن القائلين لم يقدموا شيئاً لإثبات ذلك.