روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (11)

{ وَقَالَتْ لأخْتِهِ } مريم وقيل : كلثمة وقيل : كلثوم . والتعبير عنها بأخوته دون أن يقال لبنتها للتصريح بمدار المحبة الموجبة للامتثال بالأمر { قُصّيهِ } أي اتبعي أثره وتتبعي خبره ، والظاهر أن هذا القول وقع منها بعد أن أصبح فؤادها فارغاً فإن كانت لم تعرف مكانه إذ ذاك فظاهر وإن كانت قد عرفته فتتبع الخبر ليعرف هل قتلوه أم لا ولينكشف ما هو عليه من الحال { فَبَصُرَتْ بِهِ } أي أبصرته والفاء فصيحة أي فقصت أثره فبصرت ، وقرأ قتادة فبصرت بفتح الصاد وعيسى بكسرها { عَن جُنُبٍ } أي عن بعد ، وقيل : أي عن شوق إليه حكاه أبو عمرو بن العلاء وقال هي لغة جذام يقولون جنبت إليك أي اشتقت ، وقال الكرماني جنب صفة لموصوف محذوف أي عن مكان جنب أي بعيد وكأنه من الأضداد فإنه يكون بمعنى القريب أيضاً كالجار الجنب ، وقيل : أي عن جانب لأنها كانت تمشي على الشط ، وقيل : النظر عن جنب أن تنظر إلى الشيء كأنك لا تريده .

وقرأ قتادة . والحسن . وزيد بن علي رضي الله تعالى عنه ، والأعرج عن جنب بفتح الجيم وسكون النون وعن قتادة أنه قرأ بفتحهما أيضاً ، وعن الحسن أنه قرئ بضم الجيم وإسكان النون ، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب والكل على ما قيل : بمعنى واحد ، وفي البحر » الجنب والجانب والجنابة والجناب بمعنى { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنها تقصه وتتعرف حاله أو أنها أخته .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (11)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وقالت} أم موسى {لأخته} يعني: أخت موسى... {قصيه} يعني: قصي أثره في البحر، وهو في التابوت يجري في الماء، حتى تعلمي علمه من يأخذه {فبصرت به عن جنب} يعني: كأنها مجانبة له بعيدا من أن ترقبه... {وهم لا يشعرون} أنها ترقبه.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"وَقالَتْ" أمّ موسى لأخت موسى حين ألقته في اليم "قُصّيهِ "يقول: قصي أثر موسى، اتبعي أثره... فقصت أخت موسى أثره، "فبصرت به عن جُنُب"، يقول: فبصرت بموسى عن بُعد لم تدن منه ولم تقرب، لئلا يعلم أنها منه بسبيل... وقوله: "وَهُمْ لا يَشْعَرُونَ" يقول: وقوم فرعون لا يشعرون بأخت موسى أنها أخته.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

ثم قالت لأخت موسى طمعاً منها وطلباً، {قصيه}، والقص: طلب الأثر، فيروى أن أخته خرجت في سكك المدينة تبحث مختفية بذلك فرأته عند قوم من حاشية امرأة فرعون يطلبون به امرأة ترضعه حين لم يقبل المراضع.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

{فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أي: أبصرته على وجه، كأنها مارة لا قصد لها فيه. وهذا من تمام الحزم والحذر، فإنها لو أبصرته، وجاءت إليهم قاصدة، لظنوا بها أنها هي التي ألقته، فربما عزموا على ذبحه، عقوبة لأهله.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وذهبت أخته تقص أثره في حذر وخفية، وتتلمس خبره في الطرق والأسواق. فإذا بها تعرف أين ساقته القدرة التي ترعاه؛ وتبصر به عن بعد في أيدي خدم فرعون يبحثون له عن ثدي للرضاع.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

ظاهر ترتيب الأخبار أنها على وفق ترتيب مضامينها في الحصول، وهذا يرجح أن يكون حصول مضمون {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً} [القصص: 10] سابقاً على حصول مضمون {وقالت لأخته قصيه}، أي قالت لأخته ذلك بعد أن اطمأن قلبها لما ألهمته من إلقائه في اليم، أي لما ألقته في اليم قالت لأخته: انظري أين يلقيه اليم ومتى يستخرج منه، وقد علمت أن اليم لا يلقيه بعيداً عنها لأن ذلك مقتضى وعد الله برده إليها... والجُنُب: بضمتين البعيد. وهو صفة لموصوف يعرف من المقام، أي عن مكان جنب. و {عن} للمجاوزة والمجرور في موضع حال من ضمير (بصرت) لأن المجاوزة هنا من أحوال أخته لا من صفات المكان. و {هم} أي آل فرعون حين التقطوه لا يشعرون بأن أخته تراقب أحواله وذلك من حذق أخته في كيفية مراقبته.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

{وهم لا يشعرون} أي لم يكونوا يشعرون بما تنطوي عليه أخته من اهتمام بأمره، وتتبع لحركاته، وقلق على مصيره، وأنه أخوها وهي أخته، وهكذا يتولى الله بحفظه ورعايته من أعدهم لتحمل رسالته، في مختلف المراحل والعهود، وفاء منه سبحانه وتعالى بما واثقهم عليه من المواثيق والعهود.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

وحين سمعت الأخت هذا الأمر سارعت إلى التنفيذ؛ لذلك استخدم الفاء الدالة على التعقيب وسرعة الاستجابة {فبصرت به} ولم يقل: فقصته؛ لأن البصر وإن كان بمعنى الرؤية إلا أنه يدل على العناية والاهتمام بالمرئي...

ونلحظ هنا أن أخت موسى أخذت الأمر من أمها {قصيه} فقط ولم تلفت نظرها إلى هذا الاحتياط {عن جنب} مما يدل على ذكاء الفتاة وقيامها بمهمتها على أكمل وجه، وإن لم تكلف بذلك، وهذا من حكمة المرسل الحريص على أداء رسالته على وجهها الصحيح.