{ وَقَالَتِ امرأت فِرْعَوْنَ } آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق عليه السلام وعلى هذا لم تكن من بني إسرائيل ، وقيل : كانت منهم من سبط موسى عليه السلام ، وحكى السهيلي أنها كانت عمته عليه السلام وهو قول غريب ، والمشهور القول الأول .
والجملة عطف على جملة { فالتقطه آل فرعون } [ القصص : 8 ] أي وقالت امرأة فرعون له حين أخرجته من التابوت .
{ قُرَّةُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ } أي هو قرة عين كائنة لي ولك على أن قرة خبر مبتدأ محذوف ، والظرف في موضع الصفة له ويبعد كما في البحر أن يكون مبتدأ خبره جملة قوله تعالى : قوله تعالى : { لاَ تَقْتُلُوهُ } وقالت ذلك لما ألقى الله تعالى من محبته في قلبها أو لما كشف لها فرأته من النور بين عينيه أو لما شاهدته من برء بنت فرعون من البرص بريقه أو بمجرد النظر إلى وجهه ، ولتفخيم شأن القرة عدلت عن لنا إلى لي ولك وكأنها لما تعلم من مزيد حب فرعون إياها وأن مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه قدمت نفسها عليه فيكون ذلك أبلغ في ترغيبه بترك قتله ، فلا يقال إن الأظهر في الترغيب بذلك العكس وقد يستأنس لكون مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه ما أخرجه النسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها حين قالت له ذلك قال لك لا لي ولو قال لي كما هو لك لهداه الله تعالى كما هداها ، وهذا أمر فرضي فلا ينافي ما ورد من أنه عليه اللعنة طبع كافراً ، والخطاب في لا تقتلوه قيل : لفرعون وإسناد الفعل إليه مجازي لأنه الآمر والجمع للتعظيم ، وكونه لا يوجد في كلام العرب الموثوق بهم إلا في ضمير المتكلم كفعلنا مما تفرد به الرضى وقلده فيه من قلده وهو لا أصل له رواية ودراية قال أبو علي الفارسي في فقه اللغة من سنن العرب مخاطباً الواحد بلفظ الجمع فيقال للرجل العظيم انظروا في أمري ، وهكذا في سر الأدب وخصائص ابن جني وهو مجاز بليغ وفي القرآن الكريم منه ما التزام تأويله سفه ، وقيل : هو لفرعون وأعوانه الحاضرين ورجح بما روى أن غواة قومه قالوا وقت إخراجه هذا هو الصبي الذي كنا نحذر منه فأذن لنا في قتله .
وقيل : هو له ولمن يخشى منه القتل وإن لم يحضر على التغليب ، واختار بعضهم كونه للمأمورين بقتل الصبيان كأنها بعد أن خاطبت فرعون وأخبرته بما يستعطفه على موسى عليه السلام أمنت منه بإدارة أمن جديد بقتله فالتفتت إلى خطاب المأمورين قبل فنهتهم عن قتله معللة ذلك بقوله تعالى المحكي عنها :
{ عسى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } وهو أوفق باختلاف الأسلوب حيث فصلت أولاً في قولها : لي ولك وأفردت ضمير خطاب فرعون ثم خاطبت وجمعت الضمير في لا تقتلوه ثم تركت التفصيل في { عسى أَن يَنفَعَنَا } الخ ولم تأت به على طرز قرة عين لي ولك بأن تقول ؛ عسى أن ينفعني وينفعك مثلاً فتأمل .
ورجاء نفعه لما رأت فيه من مخايل البركة ودلائل النجاة :
في المهد ينطق عن سعادة جده *** أثر النجابة ساطع البرهان
واتخاذه ولداً لأنه لائق لتبني الملوك لما فيه من الأبهة وعطف هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام أو تعتبر بينهما المغايرة وهو الأنسب بأو { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } حال من آل فرعون والتقدير فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً وقالت امرأته له كيت وكيت ، وهم لا يشعرون بأنهم على خطأ عظيم فيما صنعوا . وقال : قتادة لا يشعرون أنه الذي يفسد ملكهم على يده . وقال مجاهد أنه عدو لهم . وقال محمد بن إسحق : أني أفعل ما أريد لا ما يريدون والتقدير الأول أجمع ، وجوز كونه حالاً من القائلة والمقول له معاً . والمراد بالجمع اثنان على احتمال كون الخطاب في لا تقتلوه لفرعون فقط وكونه حالاً من القائلة فقط أي قالت امرأة فرعون له ذلك والذين أشاروا بقتله لا يشعرون بمقالتها له واستعطاف قلبها عليه لئلا يغروه بقتله وعلى الاحتمالات الثلاثة هو من كلام الله تعالى ، وجوز كونه حالاً من أحد ضميري نتخذه على أن الضمير للناس لا لذي الحال إذ يكفي الواو للربط أي نتخذه ولداً والناس لا يعلمون أنه لغيرنا وقد تبنيناه فيكون من كلام آسية رضي الله تعالى عنها .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وقالت امرأت فرعون} واسمها آسية بنت مزاحم، عليها السلام: {قرت عين لي ولك لا تقتلوه}... {عسى أن ينفعنا} فنصيب منه خيرا {أو نتخذه ولدا} يقول الله عز وجل: {وهم لا يشعرون} أن هلاكهم في سببه.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره:"وَقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ" له هذا "قُرةُ عَيْنٍ لي ولَكَ "يا فرعون... وقوله: "لا تَقْتُلُوهُ" مسألة من امرأة فرعون أن لا يقتله...
وقوله: "وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" اختلف أهل التأويل في تأويله؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: وهم لا يشعرون هلاكهم على يده... وقال آخرون: بل معنى ذلك: "وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" بما هو كائن من أمرهم وأمره...وقال آخرون: بل معنى قوله "وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ" بنو إسرائيل لا يشعرون أنّا التقطناه...
والصواب من القول في ذلك، قول من قال: معنى ذلك: وفرعون وآله لا يشعرون بما هو كائن من هلاكهم على يديه.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات به لأنه عُقَيب قوله: "وَقالَتِ امْرأةُ فِرْعَوْنَ قُرّةُ عَيْنٍ لي ولَكَ، لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتّخِذَهُ وَلَدا" وإذا كان ذلك عقبه، فهو بأن يكون بيانا عن القول الذي هو عقبه أحقّ من أن يكون بيانا عن غيره.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
أحدهما: أنه بردها بالسرور، مأخوذ من القر وهو البرد.
الثاني: أنه قر فيها دمعها فلم يخرج بالحزن، مأخوذ من قر في المكان إذا أقام فيه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما أخبر تعالى عن آخر أمرهم معه، تخفيفاً على السامع بجمع طرفي القصة إجمالاً وتشويقاً إلى تفصيل ذلك الإجمال، وتعجيلاً بالتعريف بخطائهم ليكون جهلهم الذي هو أصل شقائهم مكتنفاً لأول الكلام وآخره، أخبر عما قيل عند التقاطه فقال عاطفاً على {فالتقطه}: {وقالت امرأة فرعون} أي لفرعون لما أخرجته من التابوت، وهي التي قضى الله أن يكون لها سعادة، وهي آسية بنت مزاحم...
ولما أثبت له أنه ممن تقر به العيون، أنتج ذلك استبقاءه، ولذلك نهت عن قتله وخافت أن تقول: لا تقتله، فيجيبها حاملاً له على الحقيقة ثم يأمر بقتله، ويكون مخلصاً له عن الوقوع في إخلاف الوعد، فجمعت قائلة: {لا تقتلوه} أي أنت بنفسك ولا أحد ممن تأمره بذلك، ثم عللت ذلك أو استأنفت فقالت: {عسى} أي يمكن، وهو جدير وخليق {أن ينفعنا} أي لما أتخيل فيه من النجابة ولو كان له أبوان معروفان {أو نتخذه ولداً} إن لم يعرف له أبوان، فيكون نفعه أكثر، فإنه أهل لأن يتشرف به الملوك.
ولما كان هذا كله فعل من لا يعلم، فلا يصح كونه إلهاً، صرح بذلك تسفيهاً لمن أطاعه في ادعاء ذلك فقال: {وهم} أي تراجعوا هذا القول والحال أنهم {لا يشعرون} أي لا شعور لهم أصلاً، لأن من لا يكون له علم إلا بالاكتساب فهو كذلك، فكيف إذا كان لا يهذب نفسه باكتسابه، فكيف إذا كان مطبوعاً على قلبه وإذا كانوا كذلك فلا شعور لهم بما يؤول إليه أمرهم معه من الأمور الهائلة المؤدية إلى هلاك المفسدين ليعلموا لذلك أعماله من الاحتراز منه بما ينجيهم.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أي: لا يخلو، إما أن يكون بمنزلة الخدم، الذين يسعون في نفعنا وخدمتنا، أو نرقيه منزلة أعلى من ذلك، نجعله ولدا لنا، ونكرمه، ونجله. فقدَّر اللّه تعالى، أنه نفع امرأة فرعون، التي قالت تلك المقالة، فإنه لما صار قرة عين لها، وأحبته حبا شديدا، فلم يزل لها بمنزلة الولد الشفيق حتى كبر ونبأه اللّه وأرسله، فبادرت إلى الإسلام والإيمان به، رضي اللّه عنها وأرضاها.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
لقد اقتحمت به يد القدرة على فرعون قلب امرأته، بعد ما اقتحمت به عليه حصنه. لقد حمته بالمحبة. ذلك الستار الرقيق الشفيف. لا بالسلاح ولا بالجاه ولا بالمال. حمته بالحب الحاني في قلب امرأة. وتحدت به قسوة فرعون وغلظته وحرصه وحذره.. وهان فرعون على الله أن يحمي منه الطفل الضعيف بغير هذا الستار الشفيف! (قرة عين لي ولك).. وهو الذي تدفع به يد القدرة إليهم ليكون لهم -فيما عدا المرأة- عدوا وحزنا! (لا تقتلوه).. وهو الذي على يده مصرع فرعون وجنده! (عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا).. وهو الذي تخبئ لهم الأقدار من ورائه ما حذروا منه طويلا! (وهم لا يشعرون).. فيا للقدرة القادرة التي تتحداهم وتسخر منهم وهم لا يشعرون!
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
و (قرة العين) كناية عن السرور وهي كناية ناشئة عن ضدها وهو سُخْنة العين التي هي أثر البكاء اللازم للأسف والحزن، فلما كُني عن الحزن بسخنة العين في قولهم في الدعاء بالسوء: أسخن الله عينه... أتبعوا ذلك بأن كنّوا عن السرور بضد هذه الكناية فقالوا: قرة عين، وأقر الله عينه، فحكى القرآن ما في لغة امرأة فرعون من دلالة على معنى المسرّة الحاصلة للنفس ببليغ ما كنّى به العرب عن ذلك وهو {قرة عين}، ومن لطائفه في الآية أن المسرة المعنية هي مسرة حاصلة من مرأى محاسن الطفل كما قال تعالى {وألقيت عليك محبة مني} [طه: 39].