روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ} (28)

{ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ } مبتدأ وخبر أي ذلك الذي قلت وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم وثابت بيننا جميعاً لا يخرج عنه واحد منا لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك ، وقوله سبحانه : { أَيَّمَا الاجلين } أي أطولهما أو أقصرهما { قُضِيَتِ } أي وفيتك بأداء الخدمة فيه { فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ } تصريح بالمراد وتقرير لأمر الخيار أي لا عدوان كائن على بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين وتعميم انتفاء العدوان بكلا الأجلين بصدد المشارطة مع تحقق عدم العدوان في أطولهما رأساً للقصد إلى التسوية بينهما في الانتفاء أي كما لا أطالب بالزيادة على العشر لالا أطالب بالزيادة على الثمان أو أيما الأجلين قضيت فلا إثم كائن علي كما لا إثم علي في قضاء الأطول لا إثم علي في قضاء الأقصر فقط .

وقرأ عبد الله { أَيُّ الأجلين مَا قُضِيَتِ } فما مزيدة لتأكيد القضاء أي أي الأجلين صممت على قضائه وجردت عزيمتي له كما أنها في القراءة الأولى مزيدة لتأكيد إبهام أي وشياعها ، وجعلها نافية لا يخفى ما فيه ؛ وقرأ الحسن ، والعباس عن أبي عمرو { أَيَّمَا } بتسكين الياء من غير تشديد كما في قول الفرزدق :

تنظرت نصراً والسماكين أيهما *** على من الغيث استهلت مواطره

وأصلها المشددة وحذفت الياء تخفيفاً وهي مما عينه واو ولامه ياء ، ونص ابن جني على أنها من باب أويت قياساً واشتقاقاً وقد نقل كلامه في بيان ذلك العلامة الطيبي في «شرح الكشاف » فليرجع إليه من شاء .

وقرأ أبو حيوة . وابن قطيب { فَلاَ عدوان } بكسر العين { والله على مَا نَقُولُ } من الشروط الجارية بيننا { وَكِيلٌ } أي شهيد على ما روى عن ابن عباس ، وقال قتادة : حفيظ ، وفي «البحر » الوكيل الذي وكل إليه الأمر ولما ضمن معنى شاهد ونحوه عدي بعلي ومن هنا قيل : أي شاهد حفيظ ، والمراد توثيق العهد وأنه لا سبيل لأحد منهما إلى الخروج عنه أصلاً ، وهذا بيان لما عزما عليه واتفقا على إيقاعه إجمالاً من غير تعرض لبيان مواجب عقدي النكاح والإجارة في تلك الشريعة تفصيلاً . وقول شعيب عليه السلام : { إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ } [ القصص : 27 ] الخ ظاهر في أنه عرض لرأيه على موسى عليه السلام واستدعاء منه للعقد لا إنشاء وتحقيق له بالفعل ، ولم يجزم القائلون باتفاق الشريعتين في ذلك بكيفية ما وقع ، فقيل لعلم النكاح جرى على معينة بمهر غير الخدمة المذكورة وهي إنما ذكرت على طريق المعاهدة لا المعاقدة فكأنه قال : أريد أن أنكحك إحدى ابنتي بمهر معين إذا أجرتني ثماني حجج بأجرة معلومة فما تقول في ذلك فرضي فعقد له على معينة منهما ، فلا يريد أن الإبهام في المرأة المزوجة غير صحيح ، وعلى الخدمة ومنافع الحر عندنا أيضاً خصوصاً إذا قيل : إن مدتها غير معينة وهي أيضاً ليست للزوجة بل لأبيها فكيف صح كونها مهراً ، وقيل : يجوز أن يكون جرى على معينة بمهر الخدمة المذكورة ولا فساد في جعل الرعية مهراً فإنه جائز عند الشافعي عليه الرحمة وكذا عند الحنفية كما يفهم من الهداية ونقل عن «صاحب المدارك » أنه قال : التزوج على رعي الغنم جائز بالإجماع لأنه قيام بأمر الزوجية لا خدمة صرفة ، وفي دعوى الإجماع أن أريد به إجماع الأئمة مطلقاً بحث ، ففي «المحيط البرهاني » لو تزوجها على أن يرعى غنمها سنة لم يجز على رواية الأصل ، وروى ابن سماعة عن محمد أنه يجوز في الرعي ، وفي «الانتصاف » مذهب مالك في ذلك على ثلاثة أقوال المنع والكراهة والجواز ، ويقال على الجواز كانت الغنم للمزوجة لا لأبيها وليس في المدة إبهام إذ هي الحجج الثمان والزائدة قد وعد موسى عليه السلام الوفاء به إن تيسر له على أن الإبهام في المهر يجوز كما هو مبين في الفروع ، وقال بعضهم يجوز أن تكون الشرائع مختلفة في أمر الإنكاح فلعل إنكاح المبهمة جائز في شريعة شعيب عليه السلام ويكون التعيين للولي أو للزوج ، وكذا جعل خدمة الولي صداقاً ونحو ذلك مما لا يجوز في شريعتنا .

ولا يرد أن ما قص من الشرائع السالفة من غير إنكار فهو شرع لنا لأنه على الإطلاق غير مسلم . وفي الأكليل عن مكي أنه قال : في الآية خصائص في النكاح . منها أنه لم يعين الزوجة ، ولا حد أول المدة ، وجعل المهر إجارة ، ودخل ولم ينفذ شيئاً . والذي يميل إليه القلب اختلاف الشرائع في مواجب النكاح وربما يستأنس له بما في الفصل التاسع والعشرين من السفر الأول من التوراة أن يعقوب عليه السلام مضى إلى بلد أهل الشرق فإذا بئر في الصحراء على فمها صخرة عظيمة وعندها ثلاثة قطعان من الغنم فقال لرعاتها : من أين أنتم يا إخوة ؟ قالوا : من حران . فقال لهم : أتعرفون لأبان بن ناحور ؟ فقالوا : نعم . فقال : أحي هو ؟ قالوا : نعم وهذه راحيل ابنته مع الغنم . ثم قال : ليس هذا وقت انضمام الماشية فاسقوا الغنم وامضوا بها فارعوها . قالوا : لا نطيق ذلك إلى أن تجتمع الرعاة ويدحرجوا الصخرة عن فم البئر فبينما هو يخاطبهم جاءت راحيل مع غنم أبيها فلما رأى ذلك تقدم ودحرج الصخرة وسقى غنم خاله لأبان ثم قبل راحيل وبكى وأخبرها أنه ابن عمتها ربقاً فأخبرت أباها فخرج للقائه فعانقه وقبله وأدخله إلى منزله ثم قال لأبان له : أما أنت فعظمي ولحمي ومكث عنده شهراً فقال له لأبان : أنت وإن كنت ذا قرابة مني لا أستحسن أن تخدمني مجاناً فأخبرني بما تريد من الأجرة ؟ وكان له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وعينا ليا حسنتان وراحيل حسنة الحلية والمنظر فأحبها يعقوب فقال : أخدمك سبع سنين براحيل فقال : لأبان : إعطائي إياها لك أصلح من إعطائي إياها لرجل آخر فأقم عندي فخدمه براحيل سبع سنين ثم قال : أعطني زوجتي فقد كملت أيامي فجمع لأبان أهل الموضع وصنع لهم مجلساً فلما كان العشاء أخذ ليا بنته فزفها إليه ودخل عليها فأعطاها لأبان أمته زلفا لتكون لها أمة فلما كانت الغداة فإذا هي ليا فقال للأبان : ماذا صنعت بي أليس براحيل خدمتك ؟ قال : نعم لكن لا تزوج الغرى قبل الكبرى في بلدنا فأكمل أسبوع هذه وأعطيك اختها راحيل أيضاً بالخدمة التي تخدمها عندي سبع سنين أخر فكمل يعقوب أسبوع ليا ثم أعطاه ابنته راحيل زوجة وأعطاها أمته بلها لتكون لها أمة ، فلما دخل عليها يعقوب أحبها أكثر من حبه ليا ثم خمه سبع سنين أخر اه .

وأخبرني بعض أهل الكتاب أنه يجوز أن تكون خدمة الأب مهراً لابنته ويلزم الأب إرضاؤها بشيء إذا كانت كبيرة وأن ما التزم من الخدمة لا يجب فعله قبل الدخول ويكفي الالتزام والتعهد ، وأن المهر عندهم كل شيء له قيمة أو ما في حكمها ، وأن تسليم المرأة نفسها للزوج راضية بما يحصل لها منه من قضاء الوطر والانتفاع بدلاً عن المهر قد يقوم مقام المهر ، وأن حل الجمع بين الأختين كان ليعقوب عليه السلام خاصة ، وهذا الأخير مما ذكره علماء الإسلام والله تعالى أعلم بصحة غيره مما ذكر من الكلام ، هذا وللعلماء في الآية استدلالات قال في الإكليل : فيها استحباب عرض الرجل موليته على أهل الخير والفضل أن ينكحوها ، واعتبار الولي في النكاح ، وأن العمى لا يقدح في الولاية فإنه عليه السلام كان أعمى ، واعتبار الإيجاب والقبول في النكاح وقال ابن الغرس : استدل مالك بهذه الآية على إنكاح الأب البكر البالغة بغير استئمار لأنه لم يذكر فيها استئمار . قال : واحتج بعضهم على جواز أن يكتب في الصداق أنكحه إياها خلافاً لمن اختار أنكحها إياه قائلاً لأنه إنما يملك النكاح عليها لا عليه . وقال ابن العربي : استدل بها أصحاب الشافعي على أن النكاح موقوف على لفظ الإنكاح والتزويج . قال : واستدل بها قوم على جوار الجمع بين نكاح وإجارة في صفقة واحدة فعدوه إلى كل صفقة تجمع عقدين وقالوا بصحتها . قال : واستدل بها علماؤنا على أن اليسار لا يعتبر في الكفاءة فإن موسى عليه السلام لم يكن حينئذ موسراً . قال : وفي قوله : { والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } اكتفاء بشهادة الله عز وجل إذا لم يشهد أحداً من الخلق فيدل على عدم اشتراط الإشهاد في النكاح اه .

واستدل بها الأوزاعية على صحة البيع فيما إذا قال بعتك بألف نقداً أو ألفين نسيئة اه ما في الإكليل مع حذف قليل .

ولا يخفى ما في هذه الاستدلالات من المقالات والمنازعات . ثم إن ما تقدم عن مكي من أنه عليه السلام دخل ولم ينفذ شيئاً مما قاله غيره أيضاً . وقد روى أيضاً من طريق الإمامية عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ، وقيل : إنه عليه السلام لم يدخل حتى أتم الأجل ، وجاء في بعض الآثار أنهما لما أتما العقد قال شعيب لموسى عليهما السلام : ادخل ذلك البيت فخذ عصى من العصي التي فيه وكان عنده عصى الأنبياء عليهم السلام فدخل وأخذ العصا التي هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الأنبياء عليهم السلام يتوارثونها حتى وقعت إلى شعيب فقال له شعيب : خذ غير هذه فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأناً . وعن عكرمة أنه قال : خرج آدم عليه السلام بالعصا من الجنة فأخذها جبرائيل عليه السلام بعد موته وكانت معه حتى لقى بها موسى ليلاً فدفعها إليه . وفي «مجمع البيان » عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال : كانت عصا موسى قضيب آس من الجنة أتاه بها جبرائيل عليه السلام لما توجه تلقاء مدين . وقال السدي : كانت تلك العصا قد أودعها شعيباً ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتي بعصا فدخلت وأخذت العصا فأتته بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فردها سبع مرات فلم يقع في يدها غيرها فدفعها إليه ثم ندم لأنها وديعة فتبعه فاختصما فيها ورضيا أن يحكم بينهما أول طالع : فأتاهما الملك فقال ألقياها فمن رفعها فهي له فعالجها الشيخ فلم يقطها ورفعها موسى عليه السلام . وعن الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضاً . وعن الكلبي الشجرة التي نودي منها شجرة العوسج ومنها كانت عصاه .

وروى أنه لما شرع عليه السلام بالخدمة والرعي قال له شعيب : إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فإن الكلأ وإن كان بها أكثر إلا أن فيها تنيناً أخشاه عليك وعلى الغنم ، فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها ومشى على أثرها فإذا عشب وريف لم ير مثله فنام فإذا بالتنين قد أقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى عليه السلام دامية فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا ارتاح لذلك ولما رجع إلى شعيب وجد الغنم ملأى البطون غزيرة اللبن فأخبره موسى عليه السلام بما كان ففرح وعلم أن لموسى العصا شأناً وقال له : إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع وردعاء فأوحى الله تعالى إليه في المنام أن أضرب بعصاك مستقى الغنم ففعل ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع أو درعاء فوفى له شعيب بما قال .

وحكى يحيى بن سلام أنه جعل له كل سخلة تولد على خلاف شية أمها فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام في المنام أن ألق عصاك في الماء الذي تسقى منه الغنم ففعل فولدت كلها على خلاف شيتها . وأخرج ابن ماجه . والبزار . وابن المنذر . والطبراني وغيرهم من حديث عتبة السلمي مرفوعاً «أنه عليه السلام لما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت غنمه من قالب لون من ذلك العام وكانت غنمه سوداء حسناء فانطلق موسى إلى عصاه فسماها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة فأنمت وانثنت ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش أي واسعة الشخب ولا ضبوب أي طويلة الضرع تجره ولا غزور أي ضيقة الشخب ولا ثعول أي لا ضرع لها إلا كهيئة حلمتين ولا كمشة تفوت الكف أي صغيرة الضرع لا يدرك الكف » وظاهر هذا الخبر أن الهبة كانت لزوجته عليه السلام وأنه كان ذلك لما أراد فراق شعيب عليهما السلام وهو خلاف ما يقتضيه ظاهر ما تقدم .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ} (28)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال} موسى: {ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت} ثماني سنين أو عشر سنين {فلا عدوان} يعني فلا سبيل {علي والله على ما نقول وكيل} يعني شهيد فيما بيننا... فأتم موسى، عليه السلام، عشر سنين.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره:"قالَ" موسى لأبي المرأتين "ذلكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ "أي هذا الذي قلت من أنك تزوّجني أحدى ابنتيك على أن آجرك ثماني حِجَج، واجب بيني وبينك، على كل واحد منا الوفاء لصاحبه بما أوجب له على نفسه.

وقوله: "أيّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ" يقول: أيّ الأجلين من الثماني الحجج والعشر الحجج "قضيت"، يقول: فرغت منها فوفيتكها رعي غنمك وماشيتك "فَلا عُدْوَانَ عَليّ" يقول: فليس لك أن تعتدي عليّ، فتطالبني بأكثر منه... وقوله: "وَاللّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ" كان ابن إسحاق يرى هذا القول من أبي المرأتين... عن ابن إسحاق، قال: قال موسى "ذلكَ بَيْني وبَيْنَكَ أيّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَليّ"، قال: نعم. "واللّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ" فزوّجه، وأقام معه يكفيه، ويعمل له في رعاية غنمه، وما يحتاج إليه منه... وقوله: "وَاللّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ" يقول: والله على ما أوجب كلّ واحد منا لصاحبه على نفسه بهذا القول، شهيد وحفيظ... فرعَى له عشر سنين. قال عبد الله بن عباس. كان موسى أحقّ بالوفاء.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فلا عدوان علي} يقول: لا سبيل لك علي بعد ذلك، ولا تبعة. والعدوان: هو الظلم والمجاوزة عن الحد الذي جعل له؛ يقول: لا ظلم علي، ولا مجاوزة علي، أي الاختيار إلي، "قضيت "أي الأجلين: اخترت، وشئت أنا.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَلاَ عُدْوَانَ عَلَىَّ} أي لا يعتدي عليّ في طلب الزيادة عليه. فإن قلت: تصوّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو الأقصر وهو المطالبة بتتمة العشر، فما معنى تعليق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه كما أني إن طولبت بالزيادة على العشر كان عدواناً لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثمان. أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقرّ، وأن الأجلين على السواء: إما هذا وإما هذا من غير تفاوت بينهما في القضاء وأما التتمة فموكولة إلى رأيي: إن شئت أتيت بها، وإلا لم أجبر عليها. وقيل: معناه فلا أكون متعدّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه، كقولك: لا إثم عليّ، ولا تبعة عليّ.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

وهذا الرجل، أبو المرأتين، صاحب مدين، ليس بشعيب النبي المعروف، كما اشتهر عند كثير من الناس، فإن هذا، قول لم يدل عليه دليل، وغاية ما يكون، أن شعيبا عليه السلام، قد كانت بلده مدين، وهذه القضية جرت في مدين، فأين الملازمة بين الأمرين؟ وأيضا، فإنه غير معلوم أن موسى أدرك زمان شعيب، فكيف بشخصه؟ "ولو كان ذلك الرجل شعيبا، لذكره اللّه تعالى، ولسمته المرأتان، وأيضا فإن شعيبا عليه الصلاة والسلام، قد أهلك اللّه قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا من آمن به، وقد أعاذ اللّه المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم، بمنعهما عن الماء، وصد ماشيتهما، حتى يأتيهما رجل غريب، فيحسن إليهما، ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيب، ليرضى أن يرعى موسى عنده ويكون خادما له، وهو أفضل منه وأعلى درجة، والله أعلم، [إلا أن يقال: هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم].

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وقبل موسى العرض وأمضى العقد؛ في وضوح كذلك ودقة، وأشهد الله:

(قال ذلك بيني وبينك. أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي. والله علي ما نقول وكيل).

إن مواضع العقد وشروط التعاقد لا مجال للغموض فيها، ولا اللعثمة، ولا الحياء. ومن ثم يقر موسى العرض، ويبرم العقد، على ما عرض الشيخ من الشروط. ثم يقرر هذا ويوضحه: (أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي).. سواء قضيت ثماني سنوات أو أتممت عشرا، فلا عدوان في تكاليف العمل، ولا عدوان في تحتيم العشر؛ فالزيادة على الثمانية اختيار.. (والله على ما نقول وكيل). فهو الشهيد الموكل بالعدل بين المتعاقدين. وكفى بالله وكيلا.

بين موسى -عليه السلام- هذا البيان تمشيا مع استقامة فطرته، ووضوح شخصيته، وتوفية بواجب المتعاقدين في الدقة والوضوح والبيان. وهو ينوي أن يوفي بأفضل الأجلين كما فعل. فقد روي أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] أخبر أنه:"قضى أكثرهما وأطيبهما".

وهكذا اطمأن بموسى -عليه السلام- المقام في بيت حميه؛ وقد أمن من فرعون وكيده. ولحكمة مقدرة في علم الله كان هذا الذي كان.. فلندع الآن هذه الحلقة تمضي في طريقها حتى تنقضي. فقد سكت السياق فيها عند هذا الحد وأسدل الستار..

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... والعبرة من سياقة هذا الجزء من القصة المفتتح بقوله تعالى {ولما توجه تلقاء مدين} [القصص: 22] إلى قوله {والله على ما نقول وكيل} [القصص: 28] هو ما تضمنته من فضائل الأعمال ومناقب أهل الكمال وكيف هيأ الله تعالى موسى لتلقي الرسالة بأن قلّبه في أطوار الفضائل، وأعظمها معاشرة رسول من رسل الله ومصاهرته، وما تتضمنه من خصال المروءة والفتوة التي استكنت في نفسه من فعل المعروف، وإغاثة الملهوف، والرأفة بالضعيف، والزهد، والقناعة، وشكر ربه على ما أسدى إليه، ومن العفاف والرغبة في عشرة الصالحين، والعمل لهم، والوفاء بالعقد، والثبات على العهد حتى كان خاتمة ذلك تشريفه بالرسالة وما تضمنته من خصال النبوءة التي أبداها شعيب من حب القرى، وتأمين الخائف، والرفق في المعاملة، ليعتبر المشركون بذلك إن كان لهم اعتبار في مقايسة تلك الأحوال بأجناسها من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم فيهتدوا إلى أن ما عرفوه به من زكي الخصال قبل رسالته وتقويم سيرته، وزكاء سريرته، وإعانته على نوائب الحق، وتزوجه بأفضل امرأة من نساء قومه، إن هي إلا خصال فاذة فيه بين قومه وإن هي إلا بوارق لانهطال سحاب الوحي عليه.

والله أعلم حيث يجعل رسالاته وليأتسي المسلمون بالأسوة الحسنة من أخلاق أهل النبوءة والصلاح.

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

تعليق وتحقيق حول الرجل الذي لقيه موسى وبقي اسمه "مبهما "في طي الكتمان من دون أن يكشف عنه القرآن: والآن وبعد أن فرغنا من تفسير الآيات الكريمة المتعلقة بهجرة موسى من مصر وحلوله بأرض مدين، وما جرى له مع بنتي "شيخ مدين الكبير" وما انتهى إليه أمره معه من مؤاجرة ومصاهرة، وإقامة بجواره خلال عشر سنوات، من حق أي سائل أن يتساءل: من هو ذلك "الشيخ الكبير" الذي لم يصرح كتاب الله باسمه، وإنما تركه "مبهما "؟ هل صحيح ما جرى على كثير من الألسنة والأقلام، من أن المراد به هو نفس النبي شعيب عليه السلام؟ أم ان ذلك مجرد تخمين أو التباس، أوقع فيه ما هو متعارف من كون" مدين "هي وطن النبي" شعيب"، وكون "شعيب" هو "أخ مدين" المرسل إلى أهلها، حتى أصبح اسم "مدين" مقرونا باسم "شعيب" واسم "شعيب" مقرونا باسم "مدين"، من باب" تداعي الخواطر والمعاني والأفكار "؟ وجوابا على هذا السؤال الملح نقدم الملاحظات التالية التي انتهينا إليها، بعد أن أعدنا النظر في هذا الموضوع، ودققنا البحث فيه بقدر المستطاع. ـ أولا: إن شعيبا عليه السلام ـ حسبما حكى عنه كتاب الله ـ لم يكن فريدا ولا وحيدا دون أتباع ولا أنصار، بل كان له ـ كبقية الأنبياء ـ "رهط" من قومه المومنين به يقفون بجانبه في الشدة والرخاء، والسراء والضراء، حتى أن كفار مدين ـ رغما عن مهاجمتهم إياه وتحديهم له ـ لم يسعهم إلا الاعتراف بأن له عصبة قوية تقف في وجوههم، وتدفع عنه أذاهم، وهم يتفادون المواجهة معها، بدليل قولهم لشعيب وهم يخاطبونه: {ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز} كما حكى عنهم كتاب الله في سورة هود [الآية: 91]، بينما "الشيخ الكبير" الذي سقى موسى لبناته يصوره كتاب الله فريدا وحيدا عاجزا عن القيام بشؤونه، ولذلك لجأ إلى تكليف بناته برعي غنمه وسقيها، وعندما يرد بناته "ماء مدين" يقفن منتظرات، من دون أن يبادر أحد من الرعاة الأشداء إلى مساعدتهن، اللهم إلا هذا الغريب و "عابر السبيل" الذي وفد من مصر إلى مدين ذات يوم، قبل أن ينبأ، واسمه "موسى"، ولو كان" الشيخ الكبير "الذي لقي موسى بناته هو نفس النبي شعيب عليه السلام لما وكله" رهطه "والمؤمنون برسالته إلى نفسه، ولما تركوا بناته يقمن بهذا العمل المضنى، ولكان نبيهم هو أول من يسقون له ويرعون غنمه، ويقومون بخدمته، ولاسيما وهم يرون انه بلغ سن الشيخوخة والكبر، الذي يعجز فيه أغلب الناس عن كثير من الأعمال، ويحتاجون إلى المزيد من البرور والإحسان. ـ

ثانيا: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه"، وفي لفظ آخر: "ما بعث الله نبيا إلا وهو في عز من قومه ومنعة في بلده" ـ رواه الإمام أحمد في مسنده. وهذا الحديث يتفق معناه مع الآية السابقة الواردة في سورة هود، التي تثبت أن لشعيب عليه السلام "رهطا" ينصرونه ويقفون بجانبه، وبذلك كان شعيب عليه السلام فعلا في "عز قومه ومنعة في بلده"، بينما" الشيخ الكبير "الذي لقي موسى بناته لما" ورد ماء مدين "يصوره كتاب الله في عزلة تامة لا يأخذ بيده إلا بناته المحتشمات من دون غيرهن، ولا يأخذ بيدهن أحد، لولا المفاجأة التي حصلت لهن عند حلول موسى بأرض مدين. ـ

ثالثا: إن كتاب الله وضح في سور عديدة المآل الذي آل إليه أمر شعيب عليه السلام، بعد أن بذل كل جهوده في تبليغ الرسالة إلى قومه ومحاجته لهم، ولم يبق له أمل في إيمانه الكثرة الساحقة منهم، وهو أنه" تولى عنهم "وفارقهم بالمرة، غير" آسف عليهم ولا محزون"، ووكلهم إلى عقاب الله وعذابه، فأصاب كفار مدين من العذاب ثلاثة ألوان: عذاب "يوم الظلة"، وهي سحابة اظلتهم، فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، وعذاب" الصيحة "التي جاءتهم من فوق رؤوسهم، وعذاب" الرجفة "التي جاءتهم من تحت أرجلهم، فزهقت منهم الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام، {فأصبحوا في دارهم جاثمين}. ومعنى هذا أن قوم مدين الذي أرسل الله إليهم أخاهم شعيبا فكفروا به بادوا وانقرضوا. وإذن" فالأمة من الناس "الذين وجدهم موسى يسقون لما" ورد ماء مدين "لا يمكن أن يكونوا هم قوم شعيب الذين عاقبهم الله وقطع دابرهم، ولا يعقل أن يكونوا من الفئة القليلة التي آمنت به، إذ لو كانوا من المؤمنين برسالة شعيب، وشعيب لا يزال حيا يرزق بين أظهرهم، لما أهملوا أمره وأمر أهله إلى هذا الحد، بل لا شك أنهم قوم آخرون عمروا هذا المكان، واستقروا به بعد ذهاب أهله وانقراضهم، وانتهاء عصر شعيب ورسالته، ودخولهما في ذمة التاريخ. ـ

رابعا: على فرض أن النبي شعيبا عليه السلام عاش ولم يفارق مدين حتى ادركه موسى، وأنه هو الذي استضافه وصاهره واستأجره، فقضى موسى بجانبه عشر سنوات كاملة، هل يعقل أن لا يتحدث كتاب الله عن عشرتهما الطويلة ـ والحال ان الأول نبي ورسول، والثاني مرشح في علم الله للنبوة والرسالة ـ إلا حديثا مقتضبا لا يتجاوز سبع آيات، من الآية 21 إلى الآية 28 في هذا الثمن، ومن دون أن يمس في الصميم أي جانب من جوانب الدين الأساسية، التي طالما حاور شعيب قومه في شأنها، والتي سيحاور موسى في شأنها فرعون وملأه بعد فترة من الزمن، عندما يفارق مدين ويبعث من ربه رسولا. بينما نجد كتاب الله يطيل النفس في الحديث عن لقاء موسى، بعد نبوءته، بعبد من عباد الله آتاه الله من لدنه علما، ويفصل القول في تسجيل حوارهما الممتع والمثير، ويصف المفاجآت التي فوجئ بها موسى من طرف محاوره الصالح الحكيم أدق وصف وأغربه. وها هي سورة الكهف شاهدة على ذلك، فقد خصصت للقائهما اثنتين وعشرين آية، من الآية 60 إلى الآية 72، هذا وموسى وقتئذ هو الرسول، ومحاوره إنما هو رجل صالح علمه الله ما لم يكن يعلم، وليس في عداد الأنبياء، ألا يدل هذا كله على أن" الشيخ الكبير "الذي لقيه موسى بمدين لم يكن هو النبي شعيبا عليه السلام؟ ـ

خامسا: إن كتاب الله عندما قص في سورة الأعراف قصة آدم في ست عشرة آية أتبعها بقصص مجموعة من الأنبياء والمرسلين على التتابع، فبدأ بقصة نوح مع قومه، التي استغرقت خمس آيات، أولها: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه}، ثم ثنى بقصة هود مع عاد، التي استغرقت سبع آيات، أولها: {وإلى عاد أخاهم هودا}، ثم ثلث بقصة صالح مع ثمود، التي استغرقت سبع آيات أيضا، أولها: {وإلى ثمود أخاهم صالحا}، ثم ربع بقصة لوط مع قومه، التي استغرقت أربع آيات، أولها: {ولوطا إذ قال لقومه}، ثم خمس بقصة شعيب مع مدين، التي استغرقت ثمان آيات، أولها: {وإلى مدين أخاهم شعيبا}، وعقب على قصص هذه المجموعة من الرسل بقوله تعالى: {تلك القرى نقص عليك من أنبائها، ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليومنوا} إلى قوله تعالى تعقيبا على الجميع، وإلحاقا بكل ما سبق من أخبار أولئك الرسل وأقوامهم: {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه}، واستغرقت قصة موسى التي جاءت مستقلة عما سبقها من قصص الرسل السابقين أربعا وخمسين آية.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

1 ـ شرطان أساسيان للإدارة الصحيحة

في العبارة القصيرة التي وردت في الآيات المتقدمة على لسان بنت شعيب في شأن استئجار موسى، كان من أهم الشروط وأكثرها أصالةً شرطان لخّصا في «القوّة» و«الأمانة».

ومن البديهي أنّ القوّة المذكورة ـ آنفاً ـ ليس المراد منها قوّة الجسم فحسب، بل القدرة على تحمّل المسؤولية أيضاً.

فالطبيب «القوي الأمين» هو الطبيب الذي له معرفة جيدة وكافية في عمله، وله تسلّط عليه أيضاً.

والمدير القوى هو الذي يعرف «أصول الإدارة» ويعرف الأهداف المطلوبة.. وله تسلط في وضع الخطط و«البرامج»، وله سهم وافر في الابتكار وتنظيم الأعمال.. ويعبي القوى في سبيل الوصول للهدف المعين.

وفي الوقت ذاته يكون مشفقاً وناصحاً وأميناً وصادقاً في العمل.

والأشخاص الذين يقنعون في تحمل المسؤولية وجود الأمانة والطهارة فحسب، هم مخطئون بمقدار خطأ من يعتمد على سمة التخصص والعلم فحسب.

فالمتخصصون الخونة والعلماء المنحرفون يضربون ضربتهم كما يضربها المخلصون الذين لاحظ لهم من الاطلاع والمهارة في العمل.

وإذا أردنا أن نخرّب دولة ما فينبغي أن نوكل الأُمور إلى إحدى هاتين الطائفتين.. إلى مدراء خائنين لـ «الأمانة»، إلى المخلصين الذين لاحظ لهم من العلم والإدارة والنتيجة واحدة.

إنّ منطق الإسلام هو أن يوكل كل عمل إلى شخص قوي أمين مقتدر، ليصل نظام المجتمع إلى الكمال، وإذا ما تأمّلنا في سبب زوال الحكومات في طول التأريخ، وفكّرنا في الأمر، وجدنا العامل الأصلي هو إيكال الأمر إلى إحدى هاتين الطائفتين اللتين تكلمنا عنهما آنفاً.

ومن الطريف أنّ منهج الإسلام في جميع الأُمور أنّه يقرن «العلم مع التقوى» جنباً إلى جنب.

فمرجع التقليد لابدّ أن يكون «مجتهداً عادلا» والقاضي وكذلك القائد يجب أن يكون «مجتهداً عادلا».. وبالطبع فإن شروطاً أُخرى ينبغي توفرها أيضاً، ولكن أساس هذه الشروط جميعاً شرطان هما «العلم المقترن بالتقوى والعدل».