روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (27)

{ قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي } استئناف بياني كأنه قيل : فما قال أبوها بعد أن سمع كلامها ؟ فقيل : قال إني . وفي تأكيد الجملة إظهار لمزيد الرغبة فيما تضمنته الجملة ، وفي قوله : { ابنتى هَاتَيْنِ } إيماء إلى أنه كانت له بنات أخر غيرها ، وقد أخرج ابن المنذر عن مجاهد أن لهما أربع أخوات صغار ، وقال البقاعي : إن له سبع بنات كما في التوراة وقد قدمنا نقل ذلك . وفي «الكشاف » فيه دليل على ذلك .

واعترض بأنه لا دلالة له فيه على ما ذكر إذ يكفي في الحاجة إلى الإشارة عدم علم المخاطب بأنه ما كانت له غيرهما . وتعقب بأنه على هذا تكفي الإضافة العهدية ولا يحتاج إلى الإشارة فهذا يقتضي أن يكون للمخاطب علم بغيرهما معهود عندهم أيضاً ، وإنما الإشارة لدفع إرادة غيرهما من ابنتيه الأخريين له من بينهن ؛ ونعم ما قال الخفاجي لا وجه للمشاحة في ذلك فإن مثله زهرة لا يحتمل الفرك .

وقرأ ورش . وأحمد بن موسى عن أبي عمرو { أُنكِحَكَ إِحْدَى } بحذف الهمزة ، وقوله تعالى : { على أَن } في موضع الحال من مفعول { أَنْ أُنكِحَكَ } أي مشروطاً عليك أو واجباً أو نحو ذلك ، ويجوز أن يكون حالاً من فاعله قاله أبو البقاء ، وتأجرني من أجرته كنت له أجيراً كقولك أبوته كنت له أبا ، وهو بهذا المعنى يتعدى إلى مفعول واحد ، وقوله تعالى : { ثَمَانِىَ حِجَجٍ } ظرف له ، ويجوز أن يكون تأجرني بمعنى تثيبني من أجره الله تعالى على ما فعل أي أثابه فيتعدى إلى اثنين ثانيهما هنا ثماني حجج . والكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أي تثيبني رعية ثماني حجج أي اجعلها ثوابي وأجرى على الإنكاح ويعني بذلك المهر .

وجوز على هذا المعنى أن يكون ظرفاً لتأجرني أيضاً بحذف المفعول أي تعوضني خدمتك أو عملك في ثماني حجج ، ونقل عن المبرد أنه يقال : أجرت داري ومملوكي غير ممدود وآجرت ممدوداً ، والأول أكثر فعلى هذا يتعدى إلى مفعولين ، والمفعول الثاني محذوف ، والمعنى على أن تأجرني نفسك ، وقد يتعدى إلى واحد بنفسه ، والثاني بمن فيقال : أجرت الدار من عمرو ، وظاهر كلام الأكثرين أنه لا فرق بين آجر بالمد وأجر بدونه ، وقال الراغب : يقال أجرت زيداً إذا اعتبر فعل أحدهما ، ويقال : آجرته إذا اعتبر فعلاهما وكلاهما يرجعان إلى معنى ، ويقال كما في «القاموس » أجرته أجراً وآجرته إيجاراً ومؤاجرة .

وفي «تحفة المحتاج » آجره بالمد إيجاراً وبالقصر يأجره بكسر الجيم وضمها أجراً ، وفيها أن الإجارة بتثليث الهمزة والكسر أفصح لغة اسم للآجرة ثم اشتهرت في العقد ، والحجج جمع حجة بالكسر السنة { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً } في الخدمة والعمل { فَمِنْ عِندِكَ } أي فهو من عندك من طريق التفضل لا من عندي بطريق الإلزام { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } بإلزام إتمام العشر والمناقشة في مراعاة الأوقات واستيفاء الأعمال ، واشتقاق المشقة وهي ما يصعب تحمله من الشق بفتح الشين وهو فصل الشيء إلى شقين فإن ما يصعب عليه يشق عليه رأيك في أمره لتردده في تحمله وعدمه { سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصالحين } في حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالعهد ومراد شعيب عليه السلام بالاستثناء التبرك به وتفويض أمره إلى توفيقه تعالى لا تعليق صلاحه بمشيئته سبحانه بمعنى أنه إن شاء الله تعالى استعمل الصلاح وإن شاء عز وجل استعمل خلافه لأنه لا يناسب المقام . وقيل : لأن صلاحه عليه السلام متحقق فلا معنى للتعليق ، ونحوه قول الشافعي : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ} (27)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ف {قال} شعيب لموسى، عليهما السلام: {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي} يعني أن أزوجك إحدى ابنتي {هاتين على أن تأجرني} نفسك {ثماني حجج فإن أتممت عشرا} يعني عشر سنين، {فمن عندك وما أريد أن أشق عليك} في العشر {ستجدني إن شاء الله من الصالحين} يعني من الرافقين بك.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قالَ أبو المرأتين اللتين سقى لهما موسى لموسى:"إنّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتيّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ" يعني بقوله: "عَلى أن تَأْجُرَنِي": على أن تثيبني من تزويجها رعي ماشيتي ثماني حِجَج، من قول الناس: آجرك الله فهو يَأجُرُك، بمعنى: أثابك الله، والعرب تقول: أَجَرت الأجير آجُره، بمعنى: أعطيته ذلك... وكأن أباها عندي جعل صداق ابنته التي زوّجها موسى رَعْي موسى عليه ماشيته ثمانيَ حجج، والحِجَج: السنون.

وقوله: "فإنْ أتمَمْتَ عَشْرا فَمِنْ عِنْدِكَ "يقول: فإن أتممت الثماني الحجج عشرا التي شرطتها عليك بإنكاحي إياك أحدى ابنتيّ، فجعلتها عشر حجج، فإحسان من عندك، وليس مما اشترطته عليك بسبب تزويجك ابنتي. "وَما أُرِيدُ أنْ أشُقّ عَلَيْكَ" باشتراط الثماني الحِجَج عَشْرا عليك "سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللّهُ مِنَ الصّالِحِينَ" في الوفاء بما قلت لك.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ستجدني إن شاء الله من الصالحين} في جميع ما يجري بينك وبيني من المعاملة والصحبة.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَإِنْ أَتْمَمْتَ} عمل عشر حجج {فَمِنْ عِندِكَ} فإتمامه من عندك. ومعناه: فهو من عندك لا من عندي، يعني: لا ألزمكه ولا أحتمه عليك، ولكنك إن فعلته فهو منك تفضل وتبرع، وإلا فلا عليك {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} بإلزام أتمّ الأجلين وإيجابه. فإن قلت: ما حقيقة قولهم: شققت عليه، وشق عليه الأمر؟ قلت: حقيقته أن الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين، تقول تارة: أطيقه، وتارة: لا أطيقه. أو وعده المساهلة والمسامحة من نفسه، وأنه لا يشق عليه فيما استأجره له من رعي غنمه، ولا يفعل نحو ما يفعل المعاسرون من المسترعين، من المناقشة في مراعاة الأوقات، والمداقة في استيفاء الأعمال، وتكليف الرعاة أشغالاً خارجة عن حدّ الشرط، وهكذا كان الأنبياء عليهم السلام آخذين بالأسمح في معاملات الناس...

{سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحين} يدل على ذلك، يريد بالصلاح: حسن المعاملة ووطأة الخلق ولين الجانب. ويجوز أن يريد الصلاح على العموم. ويدخل تحته حسن المعاملة، والمراد باشتراط مشيئة الله بما وعد من الصلاح: الاتكال على توفيقه فيه ومعونته، لا أنه يستعمل الصلاح إن شاء الله، وإن شاء استعمل خلافه..

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

واستجاب الشيخ لاقتراح ابنته. ولعله أحس من نفس الفتاة ونفس موسى ثقة متبادلة، وميلا فطريا سليما، صالحا لبناء أسرة. والقوة والأمانة حين تجتمعان في رجل لا شك تهفو إليه طبيعة الفتاة السليمة التي لم تفسد ولم تلوث ولم تنحرف عن فطرة الله. فجمع الرجل بين الغايتين وهو يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ويرعى ماشيته ثماني سنين. فإن زادها إلى عشر فهو تفضل منه لا يلزم به. (قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، على أن تأجرني ثماني حجج. فإن أتممت عشرا فمن عندك. وما أريد أن أشق عليك. ستجدني إن شاء الله من الصالحين). وهكذا في بساطة وصراحة عرض الرجل إحدى ابنتيه من غير تحديد -ولعله كان يشعر كما أسلفنا- أنها محددة، وهي التي وقع التجاوب والثقة بين قلبها وقلب الفتى. عرضها في غير تحرج ولا التواء. فهو يعرض نكاحا لا يخجل منه. يعرض بناء أسرة وإقامة بيت وليس في هذا ما يخجل، ولا ما يدعو إلى التحرج والتردد والإيماء من بعيد، والتصنع والتكلف مما يشاهد في البيئة التي تنحرف عن سواء الفطرة، وتخضع لتقاليد مصطنعة باطلة سخيفة، تمنع الوالد أو ولي الأمر من التقدم لمن يرتضي خلقه ودينه وكفايته لابنته أو أخته أو قريبته؛ وتحتم أن يكون الزوج أو وليه أو وكيله هو الذي يتقدم، أو لا يليق أن يجيء العرض من الجانب الذي فيه المرأة! ومن مفارقات مثل هذه البيئة المنحرفة أن الفتيان والفتيات يلتقون ويتحدثون ويختلطون ويتكشفون بعضهم لبعض في غير ما خطبة ولا نية نكاح. فأما حين تعرض الخطبة أو يذكر النكاح، فيهبط الخجل المصطنع، وتقوم الحوائل المتكلفة وتمتنع المصارحة والبساطة والإبانة!

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ويأتي دور الأب، وما ينبغي له من الحزم في مثل هذه المواقف، فالرجل سيكون أجيرا عنده، وفي بيته بنتان، سيتردد عليهما ذهابا وإيابا، ليل نهار، والحكمة تقتضي إيجاد علاقة شرعية لوجوده في بيته؛ لذلك رأى أن يزوجه إحداهما ليخلق وضعا، يستريح فيه الجميع: {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين}... وقوله: {على أن تأجرني ثماني حجج} أي: تكون أجيرا عندي ثماني سنوات، وهذا مهر الفتاة، أراد به أن يغلي من قيمة بنته، حتى لا يقول زوجها: إنها رخيصة، أو أن أباها رماها عليه. {فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين} يعني: حينما تعايشني ستجدني طيب المعاملة، وستعلم أنك موفق في هذا النسب، بل وستزيد هذه المدة محبة في البقاء معنا...