روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ} (20)

{ وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ } أي خرجوا عن الطاعة فكفروا وارتكبوا المعاصي { فَمَأْوَاهُمُ } أي فمسكنهم ومحلهم { النار } وذكر بعضهم أن المأوى صار متعارفاً فيما يكون ملجأ للشخص ومستراحاً يستريح إليه من الحر والبرد ونحوها فإذا أريد هنا يكون في الكلام استعارة تهكمية كما في قوله تعالى : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٌ } [ آل عمران : 1 2 ] ، وجوز أن يكون استعمال ذلك من باب المشاكلة لأنه لما ذكر في أحد القسمين فلهم جنات المأوى ذكر في الآخر { فَمَأْوَاهُمُ النار } { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ } استئناف لبيان كيفية كون النار مأواهم والكلام على حد قوله تعالى : { جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } [ الكهف : 77 ] على ما قيل ، والمعنى كلما شارفوا الخروج منها وقربوا منه أعيدوا فيها ودفعوا إلى قعرها ، فقد روي أنهم يضربهم لهب النار فيرتفعون إلى أعلاها حتى إذا قربوا من بابها وأرادوا أن يخرجوا منها يضربهم اللهب فيهوون إلى قعرها وهكذا يفعل بهم أبداً ، وقيل : الكلام على ظاهره إلا أن فيه حذفاً أي كلما أرادوا أن يخرجوا منها فخرجوا من معظمها أعيدوا فيها ، ويشير إلى أن الخروج من معظمها قوله تعالى : { فِيهَا } دون إليها ، أن يكون الكلام هنا عبارة عن خلودهم فيها ، وأياً ما كان لا منافاة بين هذه الآية وقوله تعالى : { وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار } [ البقرة : 167 ] { وَقِيلَ لَهُمْ } تشديداً عليهم وزيادة في غيظهم .

{ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ } أي بعذاب النار { تُكَذّبُونَ } على الاستمرار في الدنيا وأظهرت النار مع تقدمها قبل لزيادة التهديد والتخويف وتعظيم الأمر ، وذكر ابن الحاجب في أماليه وجهاً آخر للإظهار وهو أن الجملة الواقعة بعد القول حكاية لما يقال لهم يوم القيامة عند إرادتهم الخروج من النار فلا يناسب ذلك وضع الضمير إذ ليس القول حينئذٍ مقدماً عليه ذكر النار وإنما ذكرها سبحانه قبل إخباراً عن أحوالهم ، ونظر فيه الطيبي عليه الرحمة بأن هذا القول داخل أيضاً في حيز الإخبار لعطفه على { أُعِيدُواْ } الواقع جواباً لكلما فكما جاز الإضمار في المعطوف عليه جاز فيه أيضاً إن لم يقصد زيادة التهديد والتخويف .

ورد بأن المانع أنه حكاية لما يقال لهم يوم القيامة والأصل في الحكاية أن تكون على وفق المحكي عنه دون تغيير ولا إضمار في المحكي لعدم تقدم ذكر النار فيه . وتعقب بأنه قد يناقش فيه بأن مراده أنه يجوز رعاية المحكي والحكاية وكما أن الأصل رعاية المحكي الأصل الإضمار إذا تقدم الذكر فلا بد من مرجح .

وقال بعض المحققين : أراد ابن الحاجب أن الإظهار هو المناسب في هذه الجملة نظراً إلى ذاتها ونظراً إلى سياقها أما الأول : فلأنها تقال من غير تقدم ذكر النار ، وأما الثاني : فلأن سياق الآية للتهديد والتخويف وتعظيم الأمر وفي الإظهار جائز وأنه رجح الإظهار اقتضاء السياق لذلك .

ونقل عن الراغب ما يدل على أن المقام في هذه الآية مقام الضمير حيث ذكر عنه أنه قال في «درة التنزيل » : إنه تعالى قال ههنا { ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } وقال سبحانه في آية أخرى : { عَذَابَ النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } [ سبأ : 2 4 ] فذكر جل وعلا ههنا وأنث سبحانه هناك والسر في ذلك أن النار ههنا وقعت موقع الضمير والضمير لا يوصف فأجرى الوصف على العذاب المضاف إليها وهو مذكر وفي تلك الآية لم يجر ذكر النار في سياقها فلم تقع النار موقع الضمير فأجرى الوصف عليها وهي مؤنثة دون العذاب فتأمل .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ} (20)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وأما الذين فسقوا} عصوا، يعني الكفار.

{فمأواهم}: فمصيرهم.

{النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم} وذلك أن جهنم إذا جاشت ألقت الناس في أعلى النار، فيريدون الخروج فتلقاهم الملائكة بالمقامع فيضربونهم، فيهوي أحدهم من الضربة إلى قعرها، وتقول الخزنة إذا ضربوهم: {ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} بالبعث وبالعذاب بأنه ليس كائنا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"وأمّا الّذِينَ فَسَقُوا" يقول تعالى ذكره: وأما الذين كفروا بالله، وفارقوا طاعته "فَمأْوَاهُمُ النّارُ "يقول: فمساكنهم التي يأوون إليها في الآخرة النار، "كُلّما أرَادوا أنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النّارِ الّذِي كُنْتُمْ بِهِ" في الدنيا "تُكَذّبُونَ" أن الله أعدّها لأهل الشرك به.

أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي 685 هـ :

{كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} عبارة عن خلودهم فيها. {وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} إهانة لهم وزيادة في غيظهم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{وأما الذين فسقوا} أي خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل للمصاحبة والملازمة {فمأواهم النار} أي التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه من الوجوه أصلاً.

ولما كان السامع جديراً بالعلم بأنهم مجتهدون في الخلاص منها، قال مستأنفاً لشرح حالهم: {كلما أرادوا} أي وهم مجتهدون فكيف إذا أراد بعضهم {أن يخرجوا منها}، وهذا يدل على أنه يزاد في عذابهم بأن يخيل إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون بفسوقهم من محيط الأدلة و من دائرة الطاعات إلى بيداء المعاصي والزلات، فيعالجون الخروج فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها {أعيدوا} بأيسر أمر وأسهله من أيّ من أمر بذلك {فيها} إلى المكان الذي كانوا فيه أولاً، ولا يزال هذا دأبهم أبداً.

{وقيل} أي من أيّ قائل وكل بهم {لهم} أي عند الإعادة إهانة لهم: {ذوقوا عذاب النار}.

تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :

وفي هذا ضرب من التهكم بهم، إذ جعلت النار ملجأ ومستراحا لهم يستريحون إليها، فهو كقوله: {فبشرهم بعذاب أليم} (الانشقاق: 24).

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ذلك مصير الفاسقين في الآخرة. وليسوا مع هذا متروكين إلى ذلك الموعد. فالله يتوعدهم بالعذاب في هذه الدنيا قبل عذاب الآخرة.

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

ثم يصوّر لنا الحق سبحانه ما فيه أهل النار من اليأس: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا.. وفي موضع آخر قال عنهم {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)} [الزخرف] إذن: لا أمل لهم في الخروج، ولا حتى في الموت الذي يريحهم مما هم فيه، بل تردهم الملائكة في العذاب، ويقولون لهم: {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}.فالإذاقة تعدّت اللسان واستولت على كل الأعضاء، فكل ذرة فيه تذوق عذاب النار جزاء ما كانوا يكذبون بها في الدنيا، حيث كذّبوا بالأصل، وهو الرجوع إلى الله يوم القيامة.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

مرّة اُخرى نرى هنا العذاب الإلهي قد جعل في مقابل «الكفر والتكذيب»، والثواب والجزاء في مقابل «العمل»، وهذا إشارة إلى أنّ الإيمان لا يكفي لوحده، بل يجب أن يكون حافزاً وباعثاً على العمل، إلاّ أنّ الكفر كاف لوحده للعذاب، وإن لم يرافقه ويقترن به عمل.