{ وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون } وهم القائلون : { أَءذَا ضَلَلْنَا في الأرض } [ السجدة : 10 ] أو جنس المجرمين وهم من جملتهم { نَاكِسُواْ رُءوسِهِمْ } مطرقوها من الحياء والخزي { عِندَ رَبّهِمْ } حين حسابهم لمايظهر من قبائحهم التي اقترفوها في الدنيا . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { نُكِسُواْ رُؤُوسَهُمْ } فعلاً ماضياً ومفعولاً { رَبَّنَا } بتقدير القول الواقع حالاً والعامل فيه { نَاكِسُواْ } أي يقولون ربنا الخ وهو أولى من تقدير يستغيثون بقولهم : ربنا { أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } أي صرنا ممن يبصر ويسمع وحصل لنا الاستعداد لإدراك الآيات المبصرة والآيات المسموعة وكنا من قبل عمياً صماً لا ندرك شيئاً { فارجعنا } إلى الدنيا { نَعْمَلْ صالحا } حسبما تقتضيه تلك الآيات وهذا على ما قيل ادعاء منهم لصحة مشعري البصر والسمع ، وقوله تعالى : { إِنَّا مُوقِنُونَ } استئناف لتعليل ما قبله ، وقيل : استئناف لم يقصد به التعليل ، وعلى التقديرين هو متضمن لادعائهم صحة الأفئدة والاقتدار على فهم معاني الآيات والعمل بما يوجبها ، وفيه من إظهار الثبات على الإيقان وكمال رغبتهم فيه ما فيه ، وكأنه لذلك لم يقولوا : أبصرنا وسمعنا وأيقنا فارجعنا الخ ، ولعل تأخير السمع لأن أكثر العمل الصالح الموعود يترتب عليه دون البصر فكان عدم الفصل بينهما بالبصر أولى ، ويجوز أن يقدر لكل من الفعلين مفعول مناسب له مما يبصرونه ويسمعونه بأن يقال : أبصرنا البعث الذي كنا ننكره وما وعدتنا به على إنكاره وسمعنا منك ما يدل على تصديق رسلك عليهم السلام ويراد به نحو قوله تعالى : { يَكْسِبُونَ يا معشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } [ الأنعام : 130 ] لا الإخبار الصريح بلفظ أن رسلي صادقون مثلاً أو يقال أبصرنا البعث وما وعدتنا به وسمعنا قول الرسل أي سمعناه سمع طاعة وإذعان أو يقال : أبصرنا قبح أعمالنا التي كنا نراها في الدنيا حسنة وسمعنا قول الملائكة لنا إن مردكم إلى النار ، وقيل : أرادوا أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم حين كنا في الدنيا أو أبصرنا آياتك التكوينية وسمعنا آياتك التنزيلية في الدنية فلك الحجة علينا وليس لنا حجة فارجعنا الخ ، ولا يخفي حال هذا القيل ، وعلى سائر هذه التقادير وجه تقديم الأبصار على السماع ظاهر ، و { لَوْ } هي التي سماها غير واحد امتناعية وجوابها محذوف تقديره لرأيت أمراً فظيعاً لا يقادر قدره .
والخطاب في { تَرَى } لكل أحد ممن يصح منه الرؤية إذ المراد بيان كمال سوء حالهم وبلوغها من الفظاعة إلى حيث لا يختص استغرابها واستفظاعها براء دون راء ممن اعتاد مشاهدة الأمور البديعة والدواهي الفظيعة بل كل من يتأتى منه الرؤية يتعجب من هولها وفظاعته ، وقيل : لأن القصد إلى بيان أنحالهم قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها البتة فلا يختص برؤيتها راء دون راء ، والجواب المقدر أوفق بما ذكر أولاً ، والفعل منزل منزلة اللازم فلا يقدر له مفعول أي لو تكن منك رؤية في ذلك الوقت لرأيت أمراً فظيعاً ، وجوز أن يكون الخطاب خاصاً بسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم و { لَوْ } للتمنى كأنه قيل : ليتك إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم لتشمت بهم ، وحكم التمني منه تعالى حكم الترجي وقد تقدم ، ولا جواب لها حينئذ عند الجمهور ، وقال أبو حيان .
وابن مالك : لا بد لها من الجواء استدلالاً بقول مهلهل في حرب البسوس :
فلو نبش المقابر عن كليب *** فيخبر بالذنائب أي زير بيوم الشعثمين لقرعينا
وكيف لقاء من تحت القبور *** فإن لو فيه للتمنى بدليل نصب فيخبر وله جواب وهو قوله لقر ، ورد بأنها شرطية ويخبر عطف على مصدر متصيد من نبش كأنه قيل : لو حصل نبش فإخبار ، ولا يخفي ما فيه من التكلف ، وقال الخفاجي عليه الرحمة : لو قيل : إنها لتقدير التمني معها كثيراً أعطيت حكمه واستغنى عن تقدير الجواب فيها إذا لم يذكر كما في الوصلية ونصب جوابها كان أسهل مما ذكر ، وجوز أن يقدر لترى مفعول دل عليه ما بعد أي لو ترى المجرمين أو لو ترى نكسهم رؤسهم والمضي في لو الامتناعية وإذ لأن إخباره تعالى عما تحقق في علمه الأزلي لتحققه بمنزلة الماضي فيستعمل فيه ما يدل على المضي مجازاً كلو وإذ ، هذا ومن الغريب قول أبي العباس في الآية : المعنى قل يا محمد للمجرم ولو ترى وقد حكاه عنه أبو حيان ثم قال : رأى أن الجملة معطوفة على { يتوفاكم } داخلة تخت { قُلْ } السابق ولذا لم يجعل الخطاب فيه للرسول عليه الصلاة والسلام انتهى كلامه فلا تغفل .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{ولو ترى} يا محمد {إذ المجرمون} يعني عز وجل كفار مكة.
{ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا} إلى الدنيا.
{نعمل صالحا إنا موقنون} بالبعث.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لو ترى يا محمد هؤلاء القائلين "أئِذَا ضَلَلْنا فِي الأرْضِ أئِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ "إذ هم ناكسوا رؤوسهم عند ربهم حياء من ربهم، للذي سلف منهم من معاصيه في الدنيا، يقولون: يا "رَبّنَا أبْصَرْنَا" ما كنا نكذّب به من عقابك أهل معاصيك "وَسَمِعْنَا" منك تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا، "فارجعنا" يقول: فارددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك، وذلك العمل الصالح "إنّا مُوقِنُونَ" يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالاً من وحدانيتك، وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون ربّ سواك، وأنك تحيي وتميت، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء وتفعل ما تشاء.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
لو ترى يا محمد ما نزل بالمجرمين يومئذ من العذاب، وفي ما هم فيه من الحال الشديدة والهوان، بالتكذيب الذي كان منهم وإساءتهم إليك، لرحمتهم ولم تتكلف مكافأة إساءتهم وتكذيبهم لعظم ما نزل من العذاب والشدائد.
{ناكسوا رءوسهم عند ربهم} ندامة وحسرة وحزنا على ما كان منهم.
{ربنا أبصرنا وسمعنا} هذا يخرج على وجهين: أحدهما: قوله: {أبصرنا} بالحجج والبراهين عيانا بعد ما كنا أبصرناها في الأولى بالدلالة {وسمعنا} أي قبلنا، وأجبنا {فارجعنا} إلى الأولى إذ المحنة {نعمل صالحا إنا موقنون}.
الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :
"نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ" أي: مطأطئوا رؤوسهم.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
مَلَكَتْهُم الدهشةُ وغَلَبتهم الخَجْلَةُ، فاعتذروا حينَ لا عذْرَ، واعترفوا ولا حينَ اعتراف.
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
{ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم} فبين أنهم عند ربهم إلا أنهم منكوسون، قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل، وذلك حكم الله فيمن حرمه توفيقه ولم يهده طريقه.
{ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون} أي علمنا أنه لا يولد إلا بوقاع ونكاح، و لا ينبت زرع إلا بحراثة وبث بذر، فكذلك لا يحصل في الآخرة ثواب وأجر إلا بعمل صالح.
{فارجعنا نعمل صالحا} فقد علمنا الآن صدقك في قولك، {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى}، عوذ بالله من الضلال والنزول إلى منازل الجهال. (الإحياء: 4/31)
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَلَوْ تَرَى} يجوز أن يكون خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه وجهان: أن يراد به التمني، كأنه قال: وليتك ترى فجعل الله له تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الحياء والخزي والغم ليشمت بهم، وأن تكون لو الامتناعية قد حذف جوابها، وهو: لرأيت أمراً فظيعاً. أو: لرأيت أسوأ حال ترى. ويجوز: أن يخاطب به كل أحد، كما تقول: فلان لئيم يستغيثون بقولهم {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} فلا يغاثون.
{إنا موقنون} معناه إنا في الحال آمنا، ولكن النافع الإيمان والعمل الصالح، ولكن العمل الصالح لا يكون إلا عند التكليف به، وهو في الدنيا، فارجعنا للعمل، وهذا باطل منهم، فإن الإيمان لا يقبل في الآخرة كالعمل الصالح.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء فيه ولا لبس، شرع يقص بعض أحوالهم عند ذلك، فقال عادلاً عن خطابهم استهانة بهم وإيذاناً بالغضب، وخطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية له، أو لكل من يصح خطابه، عاطفاً على ما تقديره: فلو رأيتهم وقد بعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وهناك أمور أيّ أمور، موقعاً المضارع في حيز ما من شأنه الدخول على الماضي، لأنه لتحقق وقوعه كأنه قد كان، واختير التعبير به لترويح النفس بترقب رؤيته حال سماعه، تعجيلاً للسرور بترقب المحذور لأهل الشرور: {ولو ترى} أي تكون أيها الرائي من أهل الرؤية لترى حال المجرمين.
{إذ المجرمون} أي القاطعون لما أمر الله به أن يوصل بعد أن وقفوا بين يدي ربهم.
{عند ربهم} المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم {إنا موقنون} أي ثابت الآن لنا الإيقان بجميع ما أخبرنا به عنك مما كشف عنه العيان، أي لو رأيت ذلك لرأيت أمراً لا يحتمله من هوله و عظمه عقل ولا يحيط به وصف. ولما لم يذكر لهم جواباً، علم أنه لهوانهم، لأنه ما جرأهم على العصيان إلا صفة الإحسان، فلا يصلح لهم إلا الخزي والهوان، ولأن الإيمان لا يصح إلا بالغيب قبل العيان.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
{إِنَّا مُوقِنُونَ}... وصفوا أنفسهم بالإيقان الآن طمعاً فيما طلبوه من إرجاعهم إلى الدنيا، وأنى لهم ذلك فقد حقت عليهم كلمة الله فإنهم {لَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لكاذبون} [الأنعام: 28]
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ} الذين أصروا على الذنوب العظيمة.
{رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا}: بان لنا الأمر، ورأيناه عيانًا، فصار عين يقين. أي: لرأيت أمرا فظيعًا، وحالاً مزعجة، وأقوامًا خاسرين، وسؤلًا غير مجاب، لأنه قد مضى وقت الإمهال.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وبمناسبة البعث الذي يعترضون عليه والرجعة التي يشكون فيها، يقفهم وجها لوجه أمام مشهد من مشاهد القيامة؛ مشهد حي شاخص حافل بالتأثرات والحركات والحوار كأنه واقع مشهود:
ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم. ربنا أبصرنا وسمعنا، فارجعنا نعمل صالحا، إنا موقنون -ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين- فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا، إنا نسيناكم، وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون..
إنه مشهد الخزي والاعتراف بالخطيئة، والإقرار بالحق الذي جحدوه، وإعلان اليقين بما شكوا فيه، وطلب العودة إلى الأرض لإصلاح ما فات في الحياة الأولى.. وهم ناكسو رؤوسهم خجلا وخزيا.. (عند ربهم).. الذي كانوا يكفرون بلقائه في الدنيا.. ولكن هذا كله يجيء بعد فوات الأوان حيث لا يجدي اعتراف ولا إعلان.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
أردف ذكر إنكارهم البعث بتصوير حال المنكرين أثر البعث وذلك عند حشرهم إلى الحساب، وجيء في تصوير حالهم بطريقة حذف جواب {لو} حذفاً يرادفه أن تذهب نفس السامع كل مذهب من تصوير فظاعة حالهم وهول موقفهم بين يدي ربهم، وبتوجيه الخطاب إلى غير معيّن لإفادة تناهي حالهم في الظهور حتى لا يختصّ به مخاطب. والمعنى: لو ترى أيها الرائي لرأيت أمراً عظيماً.
و {المجرمون هم الذين قالوا {أإذا ضللنا في الأرض إنّا لفي خلق جديد} [السجدة: 10]، فهو إظهار في مقام الإضمار لقصد التسجيل عليهم بأنهم في قولهم ذلك مُجرمون، أي آتون بجُرم وهو جُرم تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وتعطيل الدليل.
والناكس: الذي يجعل أعلى شيء إلى أسفل، يقال: نكس رأسه، إذا طأطأه لأنه كمن جعل أعلى الشيء إلى أسفل. ونكْس الرؤوس علامة الذلّ والندامة، وذلك مما يُلاقون من التقريع والإهانة.
والعندية عندية السلطة، أي وهم في حكم ربهم لا يستطيعون محيداً عنه، فشبه ذلك بالكون في مكان مختص بربهم في أنهم لا يفلتون منه.
وجملة {ربنا أبصرنا وسمعنا} إلى آخرها مقول قول محذوف دلّ عليه السياق هو في موضع الحال، أي ناكسو رؤوسهم يقولون أو قائلين: أبصرْنا وسمعنا، وهم يقولون ذلك ندامة وإقراراً بأن ما توعدهم القرآن به حق.
وحذف مفعول {أبصرنا} ومفعول {سمعنا} لدلالة المقام، أي أبصرنا من الدلائل المبصرَة ما يصدّق ما أُخبرنا به فقد رأوا البعث من القبور ورأوا ما يعامل به المكذبون، وسمعنا من أقوال الملائكة ما فيه تصديق الوعيد الذي توعدنا به، أي: فعلمنا أن ما دعانا إليه الرسول هو الحق الذي به النجاة من العذاب فأرجِعْنا إلى الدنيا نعمل صالحاً كما قالوا في موطن آخر {ربنا أخِّرْنا إلى أجل قريب نُجِبْ دعوتك ونتبع الرسل} [إبراهيم: 44].
وقوله {إنا موقنون} تعليل لتحقيق الوعد بالعمل الصالح بأنهم صاروا موقنين بحقية ما يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فكانت {إنَّ} مغنية غناء فاء التفريع المفيدة للتعليل، أي ما يمنعنا من تحقيق ما وُعدنا به شك ولا تكذيب، إنَّا أيقنا الآن أن ما دُعينا إليه حق. فاسم الفاعل في قوله {موقنون} واقع زمان الحال كما هو أصله.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
والجدير بالذكر أنّ طلب المجرمين الوحيد هو الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحاً، ومن هنا يتّضح جيّداً أنّ رأس مال النجاة الوحيد في القيامة هو الأعمال الصالحة.. تلك الأعمال التي تنبع من قلب طاهر مليء بالإيمان، وتتمّ بخالص النيّة.