روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا} (73)

{ لّيُعَذّبَ الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } أي حملها الإنسان ليعذب الله تعالى بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة على أن اللام للعاقبة فإن التعذيب وإن لم يكن غرضاً من الحمل لكن لما ترتب عليه بالنسبة إلى بعض أفراده ترتب الأغراض على الأفعال المعلقة بها أبرز في معرض الغرض أي كان عاقبة حمل الإنسان لها أن يعذب الله تعالى هؤلاء من أفراده لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة بالكلية ، وإلى الفريق الثاني أشير بقوله سبحانه : { وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات } أي كان عاقبة حمله لها أن يتوب الله تعالى على هؤلاء من أفراده أي يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة الطاعة عن رقابهم بالمرة وتلافيهم لما فرط منهم من فرطات قلما يخلو عنها الإنسان بحكم جبلته وتداركهم لها بالتوبة والإنابة والالتفات إلى الاسم الجليل أولاً لتهويل الخطاب وتربية المهابة ، والإظهار في موضع الإضمار ثانياً لإبراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه كذا قال بعض الأجلة في تفسير الآية . ووراء ذلك أقوال فقيل الأمانة الطاعة لأنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة الأداء والكلام تقرير الوعد الكريم الذي ينبئ عنه قوله تعالى : { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } [ الأحزاب : 1 7 ] بجعل تعظيم شأن الطاعة ذريعة إلى ذلك بأن من قام بحقوق مثل هذا الأمر العظيم الشأن وراعاه فهو جدير بأن يفوز بخير الدارين . وتعقب بأن جعل الأمانة التي شأنها أن تكون من جهته تعالى عبارة عن الطاعة التي هي من أفعال المكلفين التابعة للتكليف بمعزل عن التقريب وإن حمل الكلام على التقرير بالوجه الذي قرر يأباه وصف الإنسان بالظلم والجهل أولاً وتعليل الحمل بتعذيب فريق والتوبة على فريق ثانياً ، وقد يقال : مراد ذلك القائل أن الأمانة هي الطاعة من حيث أمره عز وجل بها وأن قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ } الخ على معنى أنه كان كذلك إن لم يراع حقها فتأمل . وأخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس أن الأمانة الفرائض وروى نحوه عن سعيد بن جبير . وهو غير ما ذكر أولاً بناء على أن التكليفات الشرعية مراد بها المعنى المصدري دون اسم المفعول ، وقيل : الصلاة فقد روى عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان إذا دخل وقت الصلاة اصفر وجهه الشريف وتغير لونه فسئل عن ذلك فقال : إنه دخل على وقت أمانة عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وقد حملتها أنا مع ضعفي فلا أدري كيف أؤديها ، وحكى السفيري أنها الغسل من الجنابة ، وقيل : الصلاة والصيام والغسل من الجنابة فقد أخرج عبد الرزاق .

وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأمانة ثلاثة الصلاة والصيام والغسل من الجنابة " وفي رواية عن السدي والضحاك أنها أمانات الناس المعروفة والوفاء بالعهود . وقيل هي أن لا تغش مؤمناً ولا معاهداً في شيء قليل ولا كثير ، وقيل : هي كلمة التوحيد لأنها المدار الأعظم للتكليفات الشرعية . وقيل هي الأعضاء والقوى ، فقد أخرج ابن أبي الدنيا في الورع . والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر ورضي الله تعالى عنهما قال : «أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه ثم قال هذه أمانتي عندك فلا تضعها إلا في حقها فالفرج أمانة والسمع أمانة والبصر أمانة » .

ولا يخفى أن تفسير الأمانة في الآية بالأعضاء مما لا ينبغي أن يلتفت إليه ، والخبر المذكور إن صح لا يدل عليه ، ومثله بل دونه بكثير أنها حروف التهجي ولا يكاد يقول به إلا أطفال المكاتب ، وأقرب الأقوال المذكورة للقبول القول بأنها الفرائض أي من فعل وترك ، وتخصيص شيء منها بالذكر في خبر إن صح لا يدل على أنه الأمانة في الآية لا غيره وكم يخص بعض أفراد العام بالذكر لنكتة ، وقال أبو حيان : الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا ، ويعم هذا المعنى جميع ما تقدم ، وفيها أقوال أخر ستأتي إن شاء الله تعالى ، واختلفت كلمات الذاهبين إلى أنها الفرائض في تحقيق ما بعد فقيل الكلام على حذف مضاف والتقدير إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات الخ .

وحكى ذلك عن الجبائي وليس بشيء ، وقيل الكلام على ظاهره وكذا العرض والإباء وذلك أنه عز وجل خلق للسماوات والأرض والجبال فهماً وتمييزاً فخيرت في الحمل فأبت وروى ذلك عن ابن عباس .

/ وأخرج ابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن الأنباري عن ابن جريج قال : بلغني أن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض والجبال قال : إني فارض فريضة وخالق جنة وناراً وثوباً لمن أطاعني وعقاباً لمن عصاني فقالت السماوات خلقتني فسخرت في الشمس والقمر والنجوم والسحاب والريح فأنا مسخرة على ما خلقتني لا أتحمل فريضة ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً ونحو ذلك قالت الأرض والجبال ، ويعلم مما ذكر أن الاباء لم يكن معصية لأنه لم يكن هناك تكليف بل تخيير ، وأما كونها استحقرت أنفسها عن أن تكون محل الأمانة فلا ينفي عنهن العصيان بالإباء لو كان هناك تكليف بالحمل ، وقيل : لا حذف والكلام من باب التمثيل على ما سمعت أولاً .

وذهب كثير إلى أن المراد بحملها التزام القيام بها وبالإنسان آدم عليه السلام ، واختلف في حمله إياها هل كان بعد عرضها عليه أو بدونه فقيل كان بعد العرض .

فقد أخرج ابن جرير .

وابن المنذر . وابن أبي حاتم «أن الله تعالى عرض الأمانة على السماء الدنيا فأبت ثم التي تليها فأبت حتى فرغ منها ثم الأرضين ثم الجبال ثم عرضها على آدم عليه السلام فقال نعم بين أذني وعاتقي » الخبر وقيل : بدونه .

قال ابن الجوزي : لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح مثلت له الأمانة بصخرة ثم قال : للسماوات احملي هذه فأبت وقالت : إلهي لا طاقة لي بها وقال سبحانه : للأرض احمليها فقالت : لا طاقة لي بها وقال تعالى للجبال : احمليها فقالت : لا طاقة لي بها فأقبل آدم عليه السلام فحركها بيده وقال لو شئت لحملتها فحملها حتى بلغت حقويه ثم وضعها على عاتقه فلما أهوى ليضعها نودي من جانب العز يا آدم مكانها لا تضعها فهذه الأمة قد بقيت في عنقك وعنق أولادك إلى يوم القيامة ولكم عليها ثواب في حملها وعقاب في تركها ، وهذا ظاهر في أن الحمل على حقيقته وفي أن العرض على السماوات والأرض والجبال كان بمسمع من آدم عليه السلام وإلى هذا ذهب ابن الأنباري ، وفي بعض الآثار ما يدل على أن العرض عليهن قبل خلقه عليه السلام .

أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : لما خلق الله تعالى السماوات والأرض عرض عليهن الأمانة فلم يقبلنها فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه فقال : يا رب وما هي ؟ قال سبحانه : هي إن أحسنت أجرتك وأن أسأت عذبتك قال : فقد تحملت يا رب فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج إلا قدر ما بين الظهر والعصر ، وكأني بك تختار من هذه الأقوال أن العرض على تقدير كونه بعد إعطائهم الفهم والتمييز كان بمسمع من آدم عليه السلام وأنه بعد أن سمع الاباء حملته الغيرة على الحمل ، وربما يفضي بك هذا إلى اختيار القول بأنه حمل الأمانة بدون عرضها عليه كما هو ظاهر الآية وبه يتأكد وصفه بما وصف لكني لا أظنك تقول بصحة حديث تمثل الأمانة بصخرة وإن قلت بصحة تمثل المعاني بصور الأجسام كما ورد في حديث ذبح الموت وغيره ، وأنا لا أميل إلى القول بأن المراد بالإنسان آدم عليه السلام وإن كان أول أفراد الجنس ومبدأ سلسلتها لمكان { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [ الأحزاب : 72 ] فإنه يبعد غاية البعد وصف صفي الله عز وجل بنص { إِنَّ الله اصطفى آدَمَ } [ آل عمران : 33 ] بمزيد الظلم والجهل ؛ وكون المعنى كان ظلوماً جهولاً بزعم الملائكة عليهم السلام قول بارد ، وحمله على معنى كان ظلوماً لنفسه حيث حملها على ضعفه ما أبت الأجسام القوية حمله جهولاً بقدر ما دخل فيه أو بعاقبه ما تحمل لا يزيل البعد ، ولا استحسن كون المراد كان من شأنه لو خلى ونفسه ذلك كما قيل :

الظلم من شيم النفوس فإن تجد *** ذا عفة فلعلة لا يظلم

إلا على القول بإرادة الجنس ، وإخراج الكلام مخرج الاستخدام على نحو ما قالوا في عندي درهم ونصفه بعيد لفظاً ومعنى ، وقيل المراد بالأمانة مطلق الانقياد الشامل للطبيعي والاختياري وبعرضها استدعاؤه الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ، ومنه قولهم حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته وأنشدوا :

إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة *** وتحمل أخرى أخرجتك الودائع

فيكون الإباء امتناعاً من الخيانة وإتياناً بالمراد ، فالمعنى أن هذه الأجرام مع عظمها وقوتها أبين الخيانة لأمانتنا وأتين بما أمرناهن به لقوله تعالى : { أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فصلت : 11 ] وخانها الإنسان حيث لم يأت بما أمرناه به إنه كان ظلوماً جهولاً ولا يخفى بعده ولم نر في المأثور ما يؤيده ، نعم إن العوام يقولون : إن الأرض لا تخون الأمانة حتى أنهم جرت عادتهم في بلادنا أنهم إذا أرادوا دفن ميت في مكان ولم يتيسر لهم وضعوه في قبر وقالوا حين الوضع مخاطبين الأرض : هذا أمانة عندك كذا شهراً أو كذا سنة وحثوا التراب عليه وانصرفوا فإذا نبشوا القبر قبل مضي المدة وجدوه كما وضعوه لم يتغير منه شيء فيخرجونه ويدفنونه حيث أرادوا وإذا بقي حتى تمضي المدة التي عينوها وجدوه متغيراً ، وهذا أمر تواتر نقله لنا وهو مما يستبعده العقل ، وإلى نحو هذا ذهب أبو إسحاق الزجاج إلا أنه قال : عرض الأمانة وضع شواهد الوحدانية في المصنوعات ، ونقله عنه أبو حيان وذكر البيت المار آنفاً لكنه تعقبه بأن الحمل فيه ليس نصاً في الخيانة ، وقيل المراد بالأمانة العقل أو التكليف وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبابائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد لها وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوة الغضبية الداعية للظلم والشهوية الداعية للجهل بعواقب الأمور ، قيل وعليه ينتظم قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } مع ما قبله على أنه علته باعتبار حمل العقل عليه بمعنى إيداعه فيه لأجل إصلاح ما فيه من القوتين المحتاجتين إلى سلطان العقل الحاكم عليهما فكأنه قيل : حملناه ذلك لما فيه من القوى المحتاجة لقهره وضبطه ، وكذا إذا أريد التكليف فإن معظم المقصود منه تعديل تلك القوى وكسى سورتها ، ومن هنا قيل إنه أقرب للتحقيق ، وقيل الأمانة تجلياته عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته تعالى العليا وعرضها عليهن وإباؤهن وحمل الإنسان كالمذكور آنفاً .

وقوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [ الأحزاب : 2 7 ] تعليل للحمل مشار به إلى قوة استعداده ، وقوله سبحانه : { لّيُعَذّبَ } تعليل للعرض على معنى عرضنا ذلك لتظهر تجلياتنا الجلالية والجمالية ، ويشير إلى هذا قول العلامة الطيبي عليه الرحمة : إن الله تعالى خلق الخلق ليكون مظاهر أسمائه الحسنى وصفاته العليا فحامل معنى الكبرياء والعظمة السماوات والأرض والجبال من حيث كونها عاجزة عن حمل سائر الصفات لعدم استعدادها لقبولها ولذلك أبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان لقوة استعداده واقتداره لكونه ظلوماً جهولاً فاختص لذلك من بين سائر المخلوقات بقبول تجلي القهارية والتوابية والمغفرة وشاركها بقبول تجلي الرحمة وله النصيب الأوفر منها لقوة استعداده واقتداره ، وهو مشرب صوفي كما لا يخفى وأنا أختار كون الأمانة كل ما يؤتمن عليه ويطلب حفظه ورعايته ولها أفراد كثيرة متفاوتة في جلالة القدر وإن عرضها على تلك الأجرام كان على وجه التخيير لهن في حملها لا الإلزام وأنهن خوطبن في ذلك وعقلن الخطاب والله عز وجل قادر على أن يخلق في كل ذرة من ذرات الكائنات الحياة والعلم كما خلقهما سبحانه في ذوي الألباب بل ذهب الفلاسفة إلى القول بثبوت النفوس والحركة الإرادية للأفلاك بل قال بعضهم نحو ذلك في الكواكب وأثبت الحركة الإرادية ونفي القواسر هناك وأن المراد بالإنسان الجنس وأن قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } في موضع التعليل للحمل .

ووصف الجنس بصيغتي المبالغة لكثرة الأفراد المتصفة بالظلم والجهل منه وإن لم يكونا فيها على وجه المبالغة بل لا يخلو فرد من الأفراد عن الاتصاف بظلم ما وجهل ما ، ولا يجب في وصف الجنس بصيغة المبالغة تحقق تلك الصفة في الأفراد كلاً أو بعضاً على وجه المبالغة ، نعم إن تحقق ذلك فهو زيادة خير ، كما فيما نحن فيه فإن أكثر أفراد الإنسان في غاية الظلم ونهاية الجهل ، ولعل المراد بظلوم جهول من شأنه الظلم والجهل وأن قوله تعالى : { لّيُعَذّبَ } الخ متعلق بعرضنا على أنه تعليل له ، وفي الكلام التفات لا يخفى ، وتقديم التعذيب لأنه أوفق بصفتي الظلم والجهل ، وقيل : لأن الأمانة من حكمها اللازم أن خائنها يضمن وليس من حكمها أن حافظها يؤجر ، ومقابلة التعذيب بالتوبة دون الإثابة أو الرحمة للإشارة إلى أن في المؤمنين والمؤمنات من يصدر منه ما يصح أن يعذب عليه ومع ذلك لا يعذب ، وفيه إشعار بأنه لا يعذب على كل ظلم وجهل وفي هذا من إدخال السرور على المؤمنين والكآبة على أضدادهم ما فيه ، وأيضاً أن ذلك أوفق بظاهر قوله تعالى : { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } وقيل لم يعتبر بالإثابة لأنها علمت من قوله سبحانه : { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } [ الأحزاب : 71 ] فعبر بما ذكر للتنبيه على أن ذلك بمحض الفضل وهو كما ترى ، وقيل إن ذاك لأن التذييل متكفل بإفادة رحمتهم وإثابتهم .

وقرأ الحسن كما ذكر صاحب اللوامح «ويتوب » بالرفع على الاستئناف { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } أي مبالغاً في المغفرة والرحمة حيث تاب على المؤمنين والمؤمنات وغفر لهم فرطاتهم وأثابهم بالفوز العظيم على طاعاتهم نسأل الله تعالى أن يتوب علينا ويغفر لنا ويثيبنا بالفوز العظيم إنه جل جلاله وعم نواله غفور رحيم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا} (73)

فذكر اللّه تعالى أعمال هؤلاء الأقسام الثلاثة ، وما لهم من الثواب والعقاب فقال : { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } .

فله الحمد تعالى ، حيث ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين ، الدالين على تمام مغفرة اللّه ، وسعة رحمته ، وعموم جوده ، مع أن المحكوم عليهم ، كثير منهم ، لم يستحق المغفرة والرحمة ، لنفاقه وشركه .

تم تفسير سورة الأحزاب .

بحمد اللّه وعونه .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا} (73)

قوله تعالى : { ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } قال : مقاتل : ليعذبهم بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق ، { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفوراً رحيماً } يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة . وقال ابن قتيبة : أي : عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهما الله ، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه ، أي : يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا} (73)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

عرضنا الأمانة على الإنسان لكي يعذب الله المنافقين {والمنافقات والمشركين والمشركات} بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل، ونقضوا الميثاق الذي أقروا به على أنفسهم، يوم أخرجهم من ظهر آدم عليه السلام حين قال عز وجل: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف:172]، فنقضوا هذه المعرفة وتركوا الطاعة يعني التوحيد.

{ويتوب الله}: ولكي يتوب الله {على المؤمنين والمؤمنات} بما وفوا بالأمانة ولم ينقضوا الميثاق.

{وكان الله غفورا} لذنوبهم "رحيما "بهم.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وحمل الإنسان الأمانة كيما يعذّب الله المنافقين فيها الذين يظهرون أنهم يؤدّون فرائض الله، مؤمنين بها، وهم مستسرّون الكفر بها، والمنافقات والمشركين بالله في عبادتهم إياه الآلهة والأوثان، والمُشْرِكاتِ "وَيَتُوبَ اللّهُ على المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ "يرجع بهم إلى طاعته، وأداء الأمانات التي ألزمهم إياها حتى يؤدّوها. "وكانَ اللّهُ غَفُورا" لذنوب المؤمنين والمؤمنات، بستره عليها، وتركه عقابهم عليها "رَحِيما" أن يعذّبهم عليها بعد توبتهم منها.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله {ليعذب الله} اللام لام العاقبة لأن الإنسان لم يحمل ليقع العذاب لكن حمل فصار الأمر وآل إلى أن يعذب من نافق ومن أشرك وأن يتوب على من آمن.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

ذكر الله في الإنسان وصفين؛ الظلوم والجهول، وذكر من أوصافه وصفين، فقال: {وكان الله غفورا رحيما} أي كان غفورا للظلوم ورحيما على الجهول، وذلك لأن الله تعالى وعد عباده بأنه يغفر الظلم جميعا إلا الظلم العظيم الذي هو الشرك كما قال تعالى: {إن الشرك لظلم عظيم} وههنا لطيفة: وهي أن الله تعالى أعلم عبده بأنه غفور رحيم، وبصره بنفسه فرآه ظلوما جهولا ثم عرض عليه الأمانة فقبلها مع ظلمه وجهله لعلمه فيما يجبرها من الغفران والرحمة.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{ويتوب الله} أي بما له من العظمة {على المؤمنين} أي العريقين في وصف الإيمان وهم الثابتون عليه إلى الموت {والمؤمنات} العصاة وغيرهم فيوفقهم لبذلها بعد حملها.

{وكان الله} أي على ما له من الكبر والعظمة والانتقام والملك والسطوة {غفوراً} أي محاء لذنوب التائبين الفعلية {رحيماً} أي مكرماً لهم بأنواع الإكرام بعد الرجوع عن الإجرام.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ذلك كان.. (ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات. وكان الله غفورا رحيما)..

فاختصاص الإنسان بحمل الأمانة؛ وأخذه على عاتقه أن يعرف بنفسه، ويهتدي بنفسه، ويعمل بنفسه، ويصل بنفسه.. هذا كان ليحتمل عاقبة اختياره، وليكون جزاؤه من عمله. وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات. وليمد الله يد العون للمؤمنين والمؤمنات، فيتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط ما ركب فيهم من نقص وضعف، وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع، وما يشدهم من جواذب وأثقال.. فذلك فضل الله وعونه. وهو أقرب إلى المغفرة والرحمة بعباده: (وكان الله غفورا رحيما)..

وبهذا الإيقاع الهائل العميق تختم السورة التي بدأت بتوجيه الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلى طاعة الله وعصيان الكافرين والمنافقين، واتباع وحي الله، والتوكل عليه وحده دون سواه. والتي تضمنت توجيهات وتشريعات يقوم عليها نظام المجتمع الإسلامي، خالصا لله، متوجها له، مطيعا لتوجيهاته.

بهذا الإيقاع الذي يصور جسامة التبعة وضخامة الأمانة. ويحدد موضع الجسامة ومنشأ الضخامة. ويحصرها كلها في نهوض الإنسان بمعرفة الله والاهتداء إلى ناموسه، والخضوع لمشيئته..

بهذا الإيقاع تختم السورة، فيتناسق بدؤها وختامها، مع موضوعها واتجاهها. ذلك التناسق المعجز، الدال بذاته على مصدر هذا الكتاب

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

لقد وردت كلمة (الله) مرّة واحدة في شأن المنافقين والمشركين، ومرّة في شأن المؤمنين، وذلك لأنّ مصير الفئتين الاُوّليين واحد، وحساب المؤمنين يختلف عنهما.

يمكن أن يكون التعبير بالتوبة بدل الجزاء والثواب في شأن المؤمنين، بسبب أنّ أكثر خوف المؤمنين من الذنوب والمعاصي التي تصدر عنهم أحياناً، ولذا فإنّ الآية تطمئنهم وتمنحهم السكينة بأنّ ذنوبهم ستغفر. إنّ وصف الله بالغفور والرحيم ربّما كان في مقابل الظلوم والجهول، أو لمناسبته ذكر التوبة بالنسبة للمؤمنين والمؤمنات.

الآن وقد بلغنا نهاية سورة الأحزاب بفضل الله سبحانه، نرى لزاماً ذكر هذه المسألة، وهي: أنّ انسجام بداية هذه السورة مع نهايتها يستحقّ الدقّة والانتباه، لأنّ هذه السورة سورة الأحزاب قد بدأت بخطاب النّبي (صلى الله عليه وآله) وأمره بتقوى الله، ونهيه عن طاعة الكافرين والمنافقين، والتأكيد على كون الله عليماً حكيماً، وانتهت بذكر أعظم مسألة في حياة البشر، أي حمل أمانة الله. ثمّ بتقسيم البشر إلى ثلاث فئات: المنافقين، والكافرين، والمؤمنين، والتأكيد على كون الله غفوراً رحيماً.

ختام السورة:

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مطلعها بالتقوى أمر في مقطعها بذلك على وجه عام، وتوعد المشاققين والمنافقين الذين نهى في أولها عن طاعتهم، وختم بصفتي المغفرة والرحمة كما ختم في أولها بهما آية الخطأ والتعمد، فقد تلاقيا وتعانقا وتوافقا وتطابقا -والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو أعلم بالصواب.