روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الأحقاف

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة فأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء واستثنى بعضهم قوله تعالى : { قل أرأيتم إن كان من عند الله } الآية فقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي أنها نزلت في قصة إسلام عبد الله بن سلام وروي ذلك عن محمد بن سيرين . وفي الدر المنثور أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن سعد ابن وقاص أنه قال : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض : إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزلت { وشهد شاهد من بني إسرائيل } وفي نزولها فيه رضي الله تعالى عنه أخبار كثيرة وظاهر ذلك أنها مدنية لأن إسلامه فيها بل في الأخبار ما يدل على مدنيتها من وجه آخر وعكرمة ينكر نزولها فيه ويقول : هي مكية كما أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه وكذا مسروق فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أنه قال في الآية : والله ما نزلت في عبد الله بن سلام ما نزلت إلا بمكة وإنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة وإنما كانت خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم واستثنى بعضهم { والذي قال لوالديه } الآيتين وزعم مروان من لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أباه وهو في صلبه إنهما نزلتا في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما فكذبته عائشة وقالت : كذبت مروان مرتين والله ما هو به ولو شئت أن اسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان فضض أي قطعة من لعنة الله تعالى وفي رواية أنها قالت : إنما نزلت في فلان بن فلان وسمت رجلا آخر واستثنى آخر { ووصينا الإنسان } الآيات الأربع كما حكاه في جمال القراء وحكى أيضا استثناء { فاصبر كما صبر أولوا العزم } الآية ونقله في البحر عن ابن عباس وقتادة وكذا نقل فيه عنهما استثناء { قل أرأيتم } الخ وتمام الكلام في ذلك سيأتي إن شاء الله تعالى وآيها خمس وثلاثون في الكوفي وأربع وثلاثون في غيره والأختلاف في { حم } وتسمى لمجاوزتها الثلاثين ثلاثين أخرج أحمد بسند جيد عن ابن عباس قال : أقرأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من آل حم وهي الأحقاف وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها على وجهين أخرج ابن الضريس والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة الأحقاف فسمعت رجلا يقرؤها خلاف ذلك فقلت : من أقرأكها قال : رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت : والله لقد أقرأني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غير ذا فأتينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ألم تقرئني كذا وكذا قال : بلى فقال الآخر : ألم تقرئني كذا وكذا قال : بلى فتمعر وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : ليقرأ كل واحد منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلكم بالأختلاف . وأنت تعلم أن ما تواتر هو القرآن ووجه اتصالها أنه تعالى لما ختم السورة التي قبلها بذكر التوحيد وذم أهل الشرك والوعيد افتتح هذه بالتوحيد ثم بالتوبيخ لأهل الكفر من العبيد .

{ حم تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم } الكلام فيه كالذي تقدم في مطلع السورة السابقة .

     
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{حمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد

1- سورة " الأحقاف " هي السورة السادسة والأربعون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فقد كان بعد سورة " الجاثية " .

والذي يراجع ما كتبه العلماء في ترتيب سور القرآن الكريم ، يجد أن الحواميم قد نزلت مرتبة كترتيبها في المصحف .

2- وسورة " الأحقاف " عدد آياتها خمس وثلاثون آية في المصحف الكوفي ، وأربع وثلاثون آية في غيره ، وهي من السور المكية .

قال الآلوسي : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير أنها نزلت بمكة ، فأطلق غير واحد القول بمكيتها من غير استثناء . .

واستثنى بعضهم قوله –تعالى- : [ قل أرأيتم إن كان من عند الله ، وكفرتم به ، وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ] .

واستثنى بعضهم قوله –تعالى- : [ والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي . . . ] إلى قوله –تعالى- : [ إنهم كانوا خاسرين ] .

3- وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على القرآن الكريم ، وبيان جانب من مظاهر قدرة الله –تعالى- ، وبتلقين النبي صلى الله عليه وسلم الجواب السديد الذي يرد به على المشركين ، فقال –تعالى- : [ قل أرأيتم ما تدعون من دون الله . أروني ماذا خلقوا من الأرض ، أم لهم شرك في السموات ، ائتوني بكتاب من قبل هذا ، أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ] .

ثم تحكي السورة الكريمة بعض الأعذار الزائفة التي اعتذر بها الكافرون وردت عليهم بما يبطلها ، فقال –تعالى- : [ وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه ، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم . . . ] .

4- ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن حسن عاقبة الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، وعن الوصايا الحكيمة التي أوصى الله –تعالى- بها الأبناء نحو آبائهم ، وعن حسن عاقبة الذين يعملون بتلك الوصايا ، فقال –تعالى- : [ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ، ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ] .

كما بينت السورة الكريمة سوء عاقبة الكافرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، قال –تعالى- : [ ويوم يعرض الذين كفروا على النار ، أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ، واستمتعتم بها ، فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق ، وبما كنتم تفسقون ] .

5- ثم حذرت السورة المشركين من الإصرار على شركهم ، وذكرتهم بما حل بالمشركين من قبلهم كقوم عاد وثمود . . . وبينت لهم أن هؤلاء الكافرين لم تغن عنهم أموالهم ولا قوتهم شيئا ، عندما حاق بهم عذاب الله –تعالى- ، فقال –سبحانه- : [ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ، وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ، إذ كانوا يجحدون بآيات الله ، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون . ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى ، وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ] .

6- ثم أخذت السورة الكريمة في أواخرها ، في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وفي إدخال السرور على قلبه بأن ذكرته بحضور نفر من الجن إليه ، للاستماع إلى القرآن الكريم ، وكيف أنهم عندما استمعوا إليه أوصى بعضهم بعضا بالإنصات وحسن الاستماع ، وكيف أنهم عندما عادوا إلى قومهم دعوهم إلى الإيمان بالحق الذي استمعوا إليه ، وبالنبي الذي جاء به ، فقال –تعالى- حكاية عنهم : [ يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ، يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ] .

ثم ختمت السورة الكريمة بأمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على أذى قومه ، فقال –تعالى- :

[ فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم . كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ، بلاغ ، فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ] .

7- والمتأمل في سورة " الأحقاف " يراها ، قد أقامت الأدلة على وحدانية الله –تعالى- ، وعلى كمال قدرته . وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن يوم القيامة حق .

أقامت الأدلة على كل ذلك ، بأبلغ الأساليب وأحكمها ، ومن ذلك أنها ساقت ألوانا من مظاهر قدرة الله –تعالى- في خلقه ، كما ذكرت شهادة شاهد من بني إسرائيل على أن الإسلام هو الدين الحق . كما طوفت بالناس في أعماق التاريخ لتطلعهم على مصارع الغابرين ، الذين أعرضوا عن دعوة الحق ، كما عقدت عدة مقارنات بين مصير الأخيار ومصير الأشرار . .

وبذلك تكون السورة قد ساقت من الأدلة ما فيه الكفاية والإقناع لأولي الألباب ، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . .

القاهرة – مدينة نصر

صباح السبت 10 من شهر ربيع الأول سنة 1406 ه

23/11/1985 م

كتبه الراجي عفو ربه

د . محمد سيد طنطاوي

سورة " الأحقاف " من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية ، وأقرب الأقوال إلى الصواب فى معناها أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى به الله - تعالى - المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبةً فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .

وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور ، يمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إى الإِنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم .

وذلك مما يلفت أنظارهم ، ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا ومواعظ من شأنها أنها تهديهم إلى الحق ، لو كانوا يعقلون .

وقد سبق أن بينا - بشئ من التفصيل - آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة