{ قُلْ } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إلزام المشركين وتبكيتهم وبيان أن ما يتقولونه في أمر التحريم افتراء بحت بأن يبين لهم ما حرم عليهم . وقوله سبحانه : { لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } الخ كناية عن عدم الوجود ، وفيه إيذان بأن طريق التحريم ليس إلا التنصيص من الله تعالى دون التشهي والهوى ، وتنبيه كما قيل على أن الأصل في الأشياء الحل ، و { مُحَرَّمًا } صفة لمحذوف دل عليه ما بعد وقد قام مقامه بعد حذفه فهو مفعول أول لأجد ومفعوله الثاني { فِيمَا * أُوحِىَ } قدم للاهتمام لا لأن المفعول الأول نكرة لأنه نكرة عامة بالنفي فلا يجب تقديم المسند الظرف ، وليس المفعول الأول محذوفاً أي لا أجد ريثما تصفحت ما أوحي إلي قرآناً وغيره على ما يشعر به العدول عن أنزل إلى { أُوحِىَ } أو ما أوحي إليّ من القرآن طعاماً محرماً من المطاعم التي حرمتموها { على طَاعِمٍ } أي طاعم كان من ذكر أو أنثى رداً على قولهم : { مُحَرَّمٌ * على أزواجنا } [ الأنعام : 139 ] وقوله تعالى : { يَطْعَمُهُ } في موضع الصفة لطاعم جيء به كما في قوله سبحانه : { طَائِرٍ يَطِيرُ } [ الأنعام : 38 ] قطعاً للمجاز . وقرىء { يَطْعَمُهُ } بالتشديد وكسر العين ، والأصل يطتعمه فأبدلت التاء طاء وأدغمت فيها الأولى ، والمراد بالطعم تناول الغذاء ، وقد يستعمل طعم في الشراب أيضاً كما تقدم الكلام عليه ، والمتبادر هنا الأول ، وقد يراد به مطلق النفع ، ومنه ما في حديث بدر «ما قتلنا أحداً به طعم ما قتلنا إلا عجازاً طلعاً » أي قتلنا من لا منفعة له ولا اعتداد به ، وإرادة هذا المعنى هنا بعيد جداً ولم أر من قال به ، نعم قيل : المراد سائر أنواع التناولات من الأكل والشرب وغير ذلك ، ولعل إرادة غير الأكل فيه بطريق القياس ، وكذا حمل الطاعم على الواجد من قولهم : رجل طاعم أي حسن الحال مرزوق وإبقاء { يَطْعَمُهُ } على ظاهره أي على واجد يأكله فلا يكون الوصف حينئذٍ لزيادة التقرير على ما أشرنا إليه .
{ إِلا أَن يَكُونَ } ذلك الطعام أو الشيء المحرم { مَيْتَةً } المراد بها ما لم يذبح ذبحاً شرعياً فيتناول المنخنقة ونحوها . وقرأ ابن كثير وحمزة { تَكُونُ } بالتاء لتأنيث الخبر ، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر { يَكُونَ مَيْتَةً } بالياء ورفع { مَيْتَةً } وأبو جعفر يشدد أيضاً على أن كان هي التامة { أَوْ دَمًا } عطف على { مَيْتَةً } أو على أن مع ما في حيزه . وقوله سبحانه : { مَّسْفُوحًا } أي مصبوباً سائلاً كالدم في العروق صفة له خرج به الدم الجامد كالكبد والطحال .
وفي الحديث " أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ودمان الكبد والطحال " وقد رخص في دم العروق بعد الذبح ، وإلى ذلك ذهب كثير من الفقهاء . وعن عكرمة أنه قال : لولا هذا القيد لاتبع المسلمون من العروق ما اتبع اليهود .
{ أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ } أي اللحم كما قيل لأنه المحدث عنه أو الخنزير لأنه الأقرب ذكراً . وذكر اللحم لأنه أعظم ما ينتفع به منه فإذا حرم فغيره بطريق الأولى ، وقيل وهو خلاف الظاهر : الضمير لكل من الميتة والدم ولحم الخنزير على معنى فإن المذكور { رِجْسٌ } أي قذر أو خبيث مخبث { أَوْ فِسْقًا } عطف على { لَحْمَ خِنزِيرٍ } على ما اختاره كثير من المعربين وما بينهما اعتراض مقرر للحرمة { أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } صفة له موضحة . وأصل الإهلال رفع الصوت . والمراد الذبح على اسم الأصنام . وإنما سمي ذلك فسقاً لتوغله في الفسق . وجوز أن يكون ( فسقاً ) مفعولاً له لأهل وهو عطف على { يَكُونَ } و { بِهِ } قائم مقام الفاعل . والضمير راجع إلى ما رجع إليه المستكن في { يَكُونَ } . قال أبو حيان : «وهذا إعراب متكلف جداً ( والنظم عليه ) خارج عن الفصاحة وغير جائز على قراءة من قرأ { إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } بالرفع ( لأن ) ضمير { بِهِ } ليس له ما يعود عليه ، ولا يجوز أن يتكلف ( له موصوف ) محذوف يعود عليه الضمير ( أي ) شيء أهل لغير الله به لأن مثل هذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر » اه . وعنى بذلك كما قال الحلبي أنه لا يحذف الموصوف والصفة جملة إلا إذا كان في الكلام من التبعيضية نحو منا أقام ومنا ظعن أي فريق أقام وفريق ظعن فإن لم يكن فيه من كان ضرورة كقوله
: ترمى بكفي كان من أرمى البشر *** أراد بكفي رجل كان الخ . وهذا كما حقق في موضعه رأي بعض ، وأما غيره فيقول : متى دل دليل على الموصوف حذف مطلقاً فيجوز أن يرى المجوز هذا الرأي ومنعه من حيث رفع الميتة كما قال السفاقسي فيه نظر لأن الضمير يعود على ما يعود عليه بتقدير النصب والرفع لا يمنع من ذلك ، نعم الإعراب الأول أولى كما لا يخفى .
{ فَمَنِ اضطر } أي أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء من ذلك { غَيْرَ بَاغٍ } أي طالب ما ليس له طلبه بأن يأخذ ذلك من مضطر آخر مثله . وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين . وقال الحسن : أي غير متناول للذة ؛ وقال مجاهد : غير باغ على إمام { وَلاَ عَادٍ } أي متجاوز قدر الضرورة { فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } مبالغ في المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك .
وهذا جزاء الشرط لكن باعتبار لازم معناه وهو عدم المؤاخذة . وبعضهم قال بتقدير جزاء يكون هذا تعليلاً له ولا حاجة إليه .
ونصب { غَيْرِ } على أنه حال . وكذا ما عطف عليه . وليس التقييد بالحال الأولى لبيان أنه لو لم يوجد القيد بالمعنى السابق لتحققت الحرمة المبحوث عنها بل للتحذير من حرام آخر وهو أخذه حق مضطر آخر فإن من أخذ لحم ميتة مثلاً من مضطر آخر فأكله فإن حرمته ليست باعتبار كونه لحم الميتة بل باعتبار كونه حقاً للمضطر الآخر . وأما الحالة الثانية : فلتحقيق زوال الحرمة المبحوث عنها قطعاً فإن التجاوز عن القدر الذي يسد به الرمق حرام من حيث إنه لحم الميتة . وفي التعرض لوصفي المغفرة والرحمة إيذان بأن المعصية باقية لكن الله تعالى يغفر له ويرحمه وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر ولا تغفل .
واستشكلت هذه الآية بأنها حصرت المحرمات من المطعومات في أربعة : الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والفسق الذي أهل لغير الله تعالى به ، ولا شك أنها أكثر من ذلك . وأجيب بأن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب كما أشرنا إليه . وحينئذ يكون استثناء الأربعة منه منقطعاً أي لا أجد ما حرموه لكن أجد الأربعة محرمة . وهذا لا دلالة فيه على الحصر . والاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر كما نبهوا عليه وهو مما ينبغي التنبه له . فإن قلت : المستثنى ليس ميتة بل كونه ميتة وذلك ليس من جنس الطعام فيكون الاستثناء منقطعاً لا محالة فلا حاجة إلى ذلك التقييد . قال القطب : نعم كذلك إلا أن المقصود إخراج الميتة من الطعام المحرم يعني لا أجد محرماً إلا الميتة فلولا التقييد كان في الحقيقة استثناء متصلاً وورد الإشكال . وضعف ذلك الجواب بأوجه . منها أنه تعالى قال في سورة البقرة ( 173 ) وسورة النحل ( 115 ) { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } وإنما تفيد الحصر ، وقال سبحانه في سورة المائدة : ( 1 ) { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله عز وجل : { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } قوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } [ المائدة : 3 ] وأما المنخنقة والموقوذة وغيرهما فهي أقسام الميتة . وإنما أعيدت بالذكر لأنهم كانوا يحكمون عليها بالتحليل فالآيتان تدلان على أن لا محرم إلا الأربعة وحينئذ يجب القول بدلالة الآية التي نحن بصددها على الحصر لتطابق ذلك وأن لا تقييد مع أن الأصل عدم التقييد .
وأجيب عن الإشكال بأن الآية إنما تدل على أنه عليه الصلاة والسلام لم يجد فيما أوحي إليه إلى تلك الغاية محرماً غير ما نص عليه فيها ، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر قيل : وحينئذ يكون الاستثناء من أعم الأوقات أو أعم الأحوال مفرغاً بمعنى لا أجد شيئاً من المطاعم محرماً في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال إلا في وقت أو حال كون الطعام أحد الأربعة فإني أجد حينئذ محرماً فالمصدر( {[284]} ) المتحصل من أن يكون للزمان أو الهيئة .
واعترض الإمام هذا الجواب بأن ما يدل على الحصر من الآيات نزل بعد استقرار الشريعة فيدل على أن الحكم الثابت في الشريعة المحمدية من أولها إلى آخرها ليس إلا حصر المحرمات في هذه الأشياء وبأنه لما ثبت بمقتضى ذلك حصر المحرمات في الأربعة كان هذا اعترافاً بحل ما سواها والقول بتحريم شيء خامس يكون نسخاً . ولا شك أن مدار الشريعة على أن الأصل عدم النسخ لأنه لو كان احتمال طريان النسخ معادلاً لاحتمال بقاء الحكم على ما كان فحينئذ لا يمكن التمسك بشيء من النصوص في إثبات شيء من الأحكام لاحتمال أن يقال : إنه وإن كان ثابتاً إلا أنه زال2 .
وما قيل في الاستثناء يرد عليه أن المصدر المؤول من أن والفعل لا ينصب على الظرفية ولا يقع حالاً لأنه معرفة وبعضهم قال لاتصال الاستثناء : إن التقدير إلا الموصوف بأن يكون أحد الأربعة على أنه بدل من { مُحَرَّمًا } وفيه تكلف ظاهر ، وقيل : التقدير على قراءة الرفع إلا وجود ميتة والإضافة فيه من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ميتة موجودة .
وأجيب أيضاً عن الإشكال بأن الآية وإن دلت على الحصر إلا أنا نخصصها بالأخبار . وتعقبه الإمام أيضاً «بأن هذا ليس من باب التخصيص بل هو صريح النسخ لأنها لما كان معناها أن لا محرم سوى الأربعة فإثبات محرم آخر قول بأن الأمر ليس كذلك وهو رفع للحصر ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز » . وأجاب عن ذلك القطب الرازي بأنه لا معنى للحصر ههنا إلا أن الأربعة محرمة وما عداها ليس بمحرم وهذا عام فإثبات محرم آخر تخصيص لهذا العام وتخصيص العام بخبر الواحد جائز .
وقد احتج بظاهر الآية كثير من السلف فأباحوا ما عدا المذكور فيها فمن ذلك الحمر الأهلية . أخرج البخاري عن عمرو بن دينار قلت لجابر بن عبد الله : أنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر فقال : قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس وقرأ { قُل لا أَجِدُ * فِيمَا * أُوحِىَ إِلَىَّ } الآية . وأخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن أكل القنفذ فقرأ الآية ، وأخرج ابن أبي حاتم وغيرهم بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت إذا سئلت عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير قالت { قُل لا أَجِدُ } الخ .
وأخرج عن ابن عباس قال : ليس من الدواب شيء حرام إلا ما حرم الله تعالى في كتابه { قُل لا أَجِدُ } الآية ، وقوى الإمام الرازي القول بالظاهر فإنه قال بعد كلام «فثبت بالتقرير الذي ذكرناه قوة هذا الكلام وصحة هذا المذهب وهو الذي كان يقول به مالك بن أنس ؛ ثم قال : ومن السؤالات الضعيفة أن كثيراً من الفقهاء خصصوا عموم هذه الآية بما نقل أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما استخبثته العرب فهو حرام " وقد علم أن الذي تستخبثه غير مضبوط فسيد العرب بل سيد العالمين عليه الصلاة والسلام لما رآهم يأكلون الضب قال : " يعافه طبعي " ولم يكن ذلك سبباً لتحريمه . وأما سائر العرب ففيهم من لا يستقذر شيئاً وقد يختلفون في بعض الأشياء فيستقذرها قوم ويستطيبها آخرون فعلم أن أمر الاستقذار غير مضبوط بل هو مختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فكيف يجوز نسخ هذا النص القاطع بذلك الأمر الذي ليس له ضابط معين ولا قانون معلوم » انتهى . ولا يخفى ما فيه .
واستدل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه { على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } على أنه إنما حرم من الميتة أكلها وأن جلدها يطهر بالدبغ ، أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال : ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أخذتم مسكها فقالت نأخذ مسك شاة قد ماتت ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إنما قال الله تعالى { قُل لا أَجِدُ * فِيمَا * أُوحِىَ *إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } وإنكم لا تطعمونه أن تدبغوه تنتفعوا به " . واستدل الشافعية بقوله سبحانه : { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } على نحاسة الخنزير بناء على عود الضمير على خنزير لأنه أقرب مذكور .
{ 145 ، 146 } { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }
لما ذكر تعالى ذم المشركين على ما حرموا من الحلال ونسبوه إلى الله ، وأبطل قولهم . أمر تعالى رسوله أن يبين للناس ما حرمه الله عليهم ، ليعلموا أن ما عدا ذلك حلال ، مَنْ نسب تحريمه إلى الله فهو كاذب مبطل ، لأن التحريم لا يكون إلا من عند الله على لسان رسوله ، وقد قال لرسوله : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ } أي : محرما أكله ، بقطع النظر عن تحريم الانتفاع بغير الأكل وعدمه .
{ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً } والميتة : ما مات بغير ذكاة شرعية ، فإن ذلك لا يحل . كما قال تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ }
{ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } وهو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها ، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن ، فإذا خرج من البدن زال الضرر بأكل اللحم ، ومفهوم هذا اللفظ ، أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح ، أنه حلال طاهر .
{ أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } أي : فإن هذه الأشياء الثلاثة ، رجس ، أي : خبث نجس مضر ، حرمه الله لطفا بكم ، ونزاهة لكم عن مقاربة الخبائث .
{ أَوْ } إلا أن يكون { فسقا أهل لغير الله به } أي : إلا أن تكون الذبيحة مذبوحة لغير الله ، من الأوثان والآلهة التي يعبدها المشركون ، فإن هذا من الفسق الذي هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته ، أي : ومع هذا ، فهذه الأشياء المحرمات ، من اضطر إليها ، أي : حملته الحاجة والضرورة إلى أكل شيء منها ، بأن لم يكن عنده شيء وخاف على نفسه التلف . { غَيْرَ بَاغٍ ولا عاد } أي : { غَيْرَ بَاغٍ } أي : مريدٍ لأكلها من غير اضطرار وَلَا متعد ، أي : متجاوز للحد ، بأن يأكل زيادة عن حاجته . { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي : فالله قد سامح من كان بهذه الحال .
واختلف العلماء رحمهم الله في هذا الحصر المذكور في هذه الآية ، مع أن ثَمَّ محرمات لم تذكر فيها ، كالسباع وكل ذي مخلب من الطير ونحو ذلك ، فقال بعضهم : إن هذه الآية نازلة قبل تحريم ما زاد على ما ذكر فيها ، فلا ينافي هذا الحصر المذكور فيها التحريم المتأخر بعد ذلك ؛ لأنه لم يجده فيما أوحي إليه في ذلك الوقت ، وقال بعضهم : إن هذه الآية مشتملة على سائر المحرمات ، بعضها صريحا ، وبعضها يؤخذ من المعنى وعموم العلة .
فإن قوله تعالى في تعليل الميتة والدم ولحم الخنزير ، أو الأخير منها فقط : { فَإِنَّهُ رِجْسٌ } وصف شامل لكل محرم ، فإن المحرمات كلها رجس وخبث ، وهي من الخبائث المستقذرة التي حرمها الله على عباده ، صيانة لهم ، وتكرمة عن مباشرة الخبيث الرجس .
ويؤخذ تفاصيل الرجس المحرم من السُنَّة ، فإنها تفسر القرآن ، وتبين المقصود منه ، فإذا كان الله تعالى لم يحرم من المطاعم إلا ما ذكر ، والتحريم لا يكون مصدره ، إلا شرع الله -دل ذلك على أن المشركين ، الذين حرموا ما رزقهم الله مفترون على الله ، متقولون عليه ما لم يقل .
وفي الآية احتمال قوي ، لولا أن الله ذكر فيها الخنزير ، وهو : أن السياق في نقض أقوال المشركين المتقدمة ، في تحريمهم لما أحله الله وخوضهم بذلك ، بحسب ما سولت لهم أنفسهم ، وذلك في بهيمة الأنعام خاصة ، وليس منها محرم إلا ما ذكر في الآية : الميتة منها ، وما أهل لغير الله به ، وما سوى ذلك فحلال .
ولعل مناسبة ذكر الخنزير هنا على هذا الاحتمال ، أن بعض الجهال قد يدخله في بهيمة الأنعام ، وأنه نوع من أنواع الغنم ، كما قد يتوهمه جهلة النصارى وأشباههم ، فينمونها كما ينمون المواشي ، ويستحلونها ، ولا يفرقون بينها وبين الأنعام ، فهذا المحرم على هذه الأمة كله{[303]} من باب التنزيه لهم والصيانة .
ثم بين أن التحريم والتحليل يكون بالوحي والتنزيل ، فقال : { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما } . أي شيء محرما ، وروي أنهم قالوا : فما المحرم إذاً فنزل : { قل } يا محمد { لا أجد في ما أوحي إلي محرما } .
قوله تعالى : { على طاعم يطعمه } ، آكل يأكله .
قوله تعالى : { إلا أن يكون ميتةً } ، قرأ ابن عامر وأبو جعفر { تكون } بالتاء ، { ميتة } رفع أي : إلا أن تقع ميتة ، وقرأ ابن كثير وحمزة { تكون } بالتاء ، { ميتة } نصب على تقدير اسم مؤنث ، أي : إلا أن تكون النفس ، أو : الجثة ميتة ، وقرأ الباقون { يكون } بالياء { ميتة } نصب ، يعني إلا أن يكون المطعوم ميتة .
قوله تعالى : { أو دماً مسفوحاً } ، أي : مهراقاً سائلاً ، قال ابن عباس : يريد ما خرج من الحيوان ، وهن أحياء ، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ، ولا يدخل فيه الكبد والطحال ، لأنهما جامدان ، وقد جاء الشرع بإباحتهما ، ولا ما اختلط باللحم من الدم ، لأنه غير سائل . قال عمران بن جرير : سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم ، وعن القدر يرى فيهما حمرة الدم ، فقال : لا بأس به ، إنما نهى عن الدم المسفوح . وقال إبراهيم : لا بأس بالدم في عرق أو مخ ، إلا المسفوح الذي تعمد ذلك . وقال عكرمة : لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما يتبع اليهود .
قوله تعالى : { أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به } . وهو ما ذبح على غير اسم الله تعالى ، فذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء ، يروى ذلك عن عائشة وابن عباس قالوا : ويدخل في الميتة المنخنقة والموقوذة ، وما ذكر في أول سورة المائدة .
وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء ، بل المحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا ، وذلك معنى قوله تعالى : { قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما } ، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها . منها : ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، ثنا عبد الغافر بن محمد ، ثنا محمد بن عيسى الجلودي ، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، ثنا مسلم بن الحجاج قال : ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري ، أخبرنا أبي ، أنا شعبة عن الحكم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، ثنا زاهر بن أحمد ، ثنا أبو إسحاق الهاشمي ، ثنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن إسماعيل بن أبي حكيم ، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أكل كل ذي ناب من السباع حرام ) .
والأصل عند الشافعي : أن ما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل ، فإن كان مما أمر الشرع بقتله كما قال : ( خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ) ، أو نهى عن قتله ، كما روي أنه ( نهى عن قطع النخلة ، وقتل النملة فهو حرام ) وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب ، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلال ، وما لا يأكله الأغلب منهم فهو حرام ، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله : { قل أحل لكم الطيبات } فثبت أن ما استطابوه فهو حلال .
قوله تعالى : { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم } ، أباح الله كل هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان .