{ جنات عَدْنٍ } خبر مبتدأ محذوف كما اختاره الزجاج وابن الأنباري أي هي جنات ، وجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي لهم جنات أو هو المخصوص بالمدح { يَدْخُلُونَهَا } نعت لجنات عند الحوفي بناء على أن { عَدْنٍ } نكرة وكذلك { تَجْري منْ تَحْتَها الأنْهَارُ } وكلاهما حال عند غير واحد بناء على أنها علم . وجوزوا أن يكون { جنات } مبتدأ وجملة «يدخلونها » خبره وجملة تجري الخ حال ، وقرأ زيد بن ثابت . وأبو عبد الرحمن جنات بالنصب على الاشتغال أي يدخلون جنات عدن يدخلونها ، قال أبو حيان : وهذه القراءة تقوى كون «جنات » مرفوعاً مبتدأ والجملة بعده خبره ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { ولنعمة دار المتقين } [ النحل : 30 ] بتاء مضمومة ودار مخفوضة فيكون «نعمة » مبتدأ مضافاً إلى دار وجنات خبره . وقرأ اسمعيل بن جعفر عن نافع «يدخلونها » بالياء على الغيبة والفعل مبني للمفعول ، ورويت عن أبي جعفر ، وشيبة { لَّهُمْ فِيهَا } أي في تلك الجنات { مَا يشاءون } الظرف الأول خبر لما والثاني حال منه ، والعامل ما في الأول من معنى الحصول والاستقرار أو متعلق به لذلك أي حاصل لهم فيها ما يشاءون من أنواع المشتهيات وتقديمه للاحتراز عن توهم تعلقه بالمشيئة أو لما مر غير مرة من أن تأخير ما حقه التقديم يوجب ترقب النفس إليه فيتمكن عند وروده فضل تمكن . وذكر بعضهم أن تقديم فيها للحصر وما للعموم بقرينة المقام فيفيد أن الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة فتأمله . والجملة في موضع الحال نظير ما تقدم ، وزعم أن لهم متعلق بتجري أي تجري من تحتها الأنهار لنفعهم { وفيها ما يشاؤون } مبتدأ وخبر في موضع الحال لا يخفى حاله عند ذوي التمييز { كذلك } مثل ذلك الجزاء إلا وفي { يَجْزِى الله المتقين } أي جنسهم فيشمل كل من يقتي من الشرك والمعاصي وقيل من الشرك ويدخل فيه المتقون المذكورون دخولاً أولياً ويكون فيه بعث لغيرهم على التقوى أو المذكورين فيكون فيه تحسير للكفرة ، قيل : وهذه الجملة تؤيد كون قوله سبحانه { للذين أحسنوا } [ النحل : 30 ] عدة فإن جعل ذلك جزاء لهم ينظر إلى الوعد به من الله تعالى وإذا كان مقول القول لا يكون من كلامه تعالى حتى يكون وعداً منه سبحانه ، وقيل : إنها تؤيد كون «جنات » خبر مبتدأ محذوف لا مخصوصاً بالمدح لأنه إذا كان مخصوصاً بالمدح يكون كالصريح في أن «جنات عدن » جزاء للمتقين فيكون «كذلك » الخ تأكيداً بخلاف ما إذا كان خبر مبتدأ محذوف فإنه لم يعلم صريحاً أن جنات عدن جزاء للمتقين وفيه نظر وكذا في سابقه إلا أن في التعبير بالتأبيد ما يهون الأمر .
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ْ } أي : مهما تمنته أنفسهم وتعلقت به إرادتهم حصل لهم على أكمل الوجوه وأتمها ، فلا يمكن أن يطلبوا نوعا من أنواع النعيم الذي فيه لذة القلوب وسرور الأرواح ، إلا وهو حاضر لديهم ، ولهذا يعطي الله أهل الجنة كل ما تمنوه عليه ، حتى إنه يذكرهم أشياء من النعيم لم تخطر على قلوبهم .
فتبارك الذي لا نهاية لكرمه ، ولا حد لجوده الذي ليس كمثله شيء في صفات ذاته ، وصفات أفعاله وآثار تلك النعوت ، وعظمة الملك والملكوت ، { كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ْ } لسخط الله وعذابه بأداء ما أوجبه عليهم من الفروض والواجبات المتعلقة بالقلب والبدن واللسان من حقه وحق عباده ، وترك ما نهاهم الله عنه .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
ثم بين لهم الدار، فقال سبحانه: {جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار}، يعني: الأنهار تجري تحت البساتين، {لهم فيها ما يشاءون}، يعني: في الجنان، {كذلك يجزي الله المتقين}..
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يعني تعالى ذكر بقوله:"جَنّاتُ عَدْنٍ" بساتين للمقام... "يَدْخُلُونَها "يقول: يدخلون جنات عدن...
"تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنهَارُ" يقول: تجري من تحت أشجارها الأنهار.
"لَهُمْ فِيها ما يشاءُونَ" يقول: للذين أحسنوا في هذه الدنيا في جنات عدن ما يشاءون مما تشتهي أنفسهم وتلذّ أعينهم.
"كَذلكَ يَجْزِي اللّهُ المُتّقِينَ" يقول: كما يجزي الله هؤلاء الذين أحسنوا في هذه الدنيا بما وصف لكم أيها الناس أنه جزاهم به في الدنيا والآخرة، كذلك يجزي الذين اتقوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
...فإن قيل: أرأيت لو شاءوا أن يكون لهم درجات الأنبياء ومنازل الأبرار والصديقين أ يكون لهم ما شاءوا؟ قيل: لا يشاؤون هذا؛ لأن مثل هذا إنما يكون في الدنيا إما حسدا وإما تمنيا، فلا يكون في الجنة حسد؛ لأن الحسد هو أن يرى لأحد شيئا، ليس له، فيحسده، أو يتمنى مثله. فأهل الجنة يجدون جميع ما يتمنون، ويخطر ببالهم، فلا معنى لسؤالهم، ربهم ما لغيرهم، والله أعلم.
{جنات} يدل على القصور والبساتين وقوله: {عدن} يدل على الدوام.
{تجري من تحتها الأنهار} يدل على أنه حصل هناك أبنية يرتفعون عليها وتكون الأنهار جارية من تحتهم، ثم إنه تعالى قال: {لهم فيها ما يشاءون} وفيه بحثان:
الأول: أن هذه الكلمة تدل على حصول كل الخيرات والسعادات، وهذا أبلغ من قوله: {فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين} لأن هذين القسمين داخلان في قوله: {لهم فيها ما يشاءون} مع أقسام أخرى.
الثاني: قوله: {لهم فيها ما يشاءون} يعني هذه الحالة لا تحصل إلا في الجنة، لأن قوله: {لهم فيها ما يشاؤون} يفيد الحصر، وذلك يدل على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا.
{كذلك يجزي الله المتقين} أي هكذا جزاء التقوى.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما كان هذا المدح مشوفاً لتفصيل ذلك قيل: {جنّات عدن} أي إقامة لا ظعن فيها {يدخلونها} حال كونها {تجري من تحتها} أي من تحت غرفها {الأنهار} ثم أجيب من كأنه سأل عما فيها من الثمار وغيرها بقوله تعالى: {لهم فيها} أي خاصة، لا في شيء سواها من غير أن يجلب إليهم من غيرها {ما يشاؤون} ثم زاد في الترغيب بقوله: {كذلك} أي مثل هذا الجزاء العظيم {يجزي الله} أي الذي له الكمال كله {المتقين} أي الراسخين في صفة التقوى.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
... {يَجْزِي الله المتقين} اللام للجنس أي كلَّ من يتقي من الشِرْك والمعاصي ويدخُل فيه المتقون المذكورون دخولاً أولياً، ويكون فيه بعثٌ لغيرهم على التقوى أو للعهد فيكون فيه تحسيرٌ للكفرة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يفصل ما أجمل عن هذه الدار؛ فإذا هي (جنات عدن) للإقامة (تجري من تحتها الأنهار) رخاء. (لهم فيها ما يشاءون) فلا حرمان ولا كد ولا حدود للرزق كما هي الحياة الدنيا.. (كذلك يجزي الله المتقين).
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
...وجملة {كذلك يجزي الله المتقين} مستأنفة، والإتيان باسم الإشارة لتمييز الجزاء والتّنويه به. وجعل الجزاء لتمييزه وكماله بحيث يشبّه به جزاءُ المتّقين. والتّقدير: يجزي الله المتّقين جزاء كذلك الجزاء الذي علمتموه. وهو تذييل لأنّ التعريف في {المتقين} للعموم.
... {لهم فيها ما يشاءون} والمشيئة هنا ليست بإرادة الدنيا ومشيئتها، وإنما مشيئة بالمزاج الخصب الذي يتناسب مع الآخرة ونعيمها.. مثلاً: إذا دخلت على إنسان رقيق الحال فلك مشيئة على قدر حالته، وإذا دخلت على أحد العظماء أو الأثرياء كانت لك مشيئة أعلى.. وهكذا. إذن: المشيئات النفسية تختلف باختلاف المشاء منه، فإذا كان المشاء منه هو الله الذي لا يعجزه شيء تكون مشيئتك مطلقة، فالمشيئة في الآية ليست كمشيئة الدنيا؛ لأن مشيئة الدنيا تتحدد ببيئة الدنيا.. أما مشيئة الآخرة فهي المشيئة المتفتحة المتصاعدة المرتقية كما تترقى المشيئات عند البشر في البشر حسب مراتبهم ومراكزهم...
لذلك لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرح لنا هذا النص القرآني: {لهم فيها ما يشاءون} وكذلك قوله تعالى: {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} (سورة الزخرف 71) قال:"فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". إذن: تحديد الإطار للآية بقدر ما هم فيه عند ربهم.
{كذلك يجزي الله المتقين} أي: هكذا الجزاء الذي يستحقونه بما قدموا في الدنيا، وبما حرموا منه أنفسهم من متع حرام.. وقد جاء الآن وقت الجزاء، وهو جزاء أطول وأدوم؛ لذلك قال الحق تبارك وتعالى في آية أخرى: {كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية} (سورة الحاقة 24).
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
...فليس هناك حدٌّ لما يحققه الله لهم من أمنيات، في ما يخطر في بالهم من أمورٍ وحاجاتٍ وتطلّعات، فلهم أن يحلموا كما يحبون، لتكون أحلامهم حاضرةً بين أيديهم، دون حاجةٍ إلى الانتظار والقلق والترقب، كما كانت حالهم مع الأحلام في الدنيا، حيث تنتهي أحياناً دون أن يتحقق شيء منها. {كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} الذين اتقوا ربهم في الفكر وفي العمل، في السرّ وفي العلن..