{ قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } قرأ الحسن { وَهُوَ على هَيّنٌ } بالواو ، وعنه أنه كسر ياء المتكلم كما في قول النابغة :
علي لعمرو نعمة بعد نعمة *** لوالده ليست بذات عقارب
ونحو ذلك قراءة حمزة { وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } [ إبراهيم : 22 ] بكسر الياء ، والكاف إما رفع على الخبرية لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك وضمير { قَالَ } للرب عز وجل لا للملك المبشر لئلا يفك النظم ، وذلك إشارة إلى قول زكريا عليه السلام ، والخطاب في { قَالَ رَبُّكِ } له عليه السلام لا لنبينا صلى الله عليه وسلم بدليل السابق واللاحق ، وجملة { هُوَ عَلَىَّ هين } مفعول { قَالَ } الثاني وجملة الأمر كذلك مع جملة { قَالَ رَبُّكِ } الخ مفعول { قَالَ } الأول وإن لم يتخلل بين الجملتين عاطف كما في قوله تعالى : { وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ هود : 41 ] وقوله سبحانه وتعالى : { قَالُواْ أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا } [ المؤمنون : 82 ، 83 ] الآية وكم وكم ، وجيء بالجملة الأولى تصديقاً منه تعالى لزكريا عليه السلام وبالثانية جواباً لما عسى يتوهم من أنه إذا كان ذلك في الاستبعاد بتلك المنزلة وقد صدقت فيه فأنى يتسنى فهي في نفسها استئنافية لذلك ، ولا يحسن تخلل العاطف في مثل هاتين الجملتين إذا كان المحكي عنه قد تكلم بهما معاً من غير عاطف ليدل على الصورة الأولى للقول بعينها ، وكذلك لا يحسن إضمار قول آخر لأنه يكون استئنافاً جواباً للمحكي له فلا يدل على أنه الاستئناف أيضاً في الأول إلا بمنفصل أما لو تكلم بهما في زمانين أو بدون ذلك الترتيب فالظاهر العطف أو الاستئناف بإضمار القول .
ثم لو كان الاقتصار في جواب زكريا عليه السلام على { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } من دون إقحام { قَالَ رَبُّكِ } لكان مستقيماً لكن إنما عدل إليه للدلالة على تحقيق الوعد وإزالة الاستبعاد بالكلية على منوال ما إذا وعد ملك بعض خواصه ما لا يجد نفسه تستأهل ذلك فأخذ يتعجب مستبعداً أن يكون من الملك بتلك المنزلة فحاول أن يحقق مراده ويزيل استبعاده فأما أن يقول لا تستبعد أنه أهون شيء علي على الكلام الظاهر وإما أن يقول لا تستبعد قد قلت إنه أهون شيء على إشارة منه إلى أنه وعد سبق القول به وتحتم وإنه من جلالة القدر بحيث لا يرى في إنجازه لباغيه كائناً من كان وقعاً فكيف لمن استحق منه لصدق قدمه في عبوديته إجلالاً ورفعاً ، وهذا قول بلسان الإشارة يصدق وإن لم يكن قد سيق منه نطق به لأن المقصود أن علو المكانة وسعة القدرة وكمال الجود يقضي بذلك قيل : أولاً أولاً ثم إذا أراد ترشيح هذا المعنى عدل عن الحكاية قائلاً : قد قال من أنت غرس نعمائه أنه أهون شيء على ثم إذا حكى الملك القصة مع بعض خلصائه كان له أن يقول : قلت لعبدي فلان كيت وكيت قال : إني وليت قلت قال من أنت الخ وأن يقول بدله قال سيد فلان له ويسرد الحديث فهذا وزان الآية فيما جرى لزكريا عليه السلام وحكى لنبينا عليه أفضل الصلاة وأكمل والسلام ، وقد لاح من هذا التقرير أن فوات نكتة الإقحام مانع من أن يجعل المرفوع من صلة { قَالَ } الثاني والمجموع صله الأول ، والظاهر في توجيه قراءة الحسن على هذا أن جملة { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } عطف على محذوف من نحو أفعل وأنا فاعل ، ويجوز أن يقال وربما أشعر كلام الزمخشري بإيثاره أنه عطف على الجملة السابقة نظراً إلى الأصل لما مر من أن { قَالَ } مقحم لنكتة فكأنه قيل الأمر كذلك وهو على ذلك يهون علي ، وأما نصب بقال الثاني وهي الكاف التي تستعمل مقحمة في الأمر العجيب الغريب لتثبيته وذلك إشارة إلى مبهم يفسر ما بعده أعني { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } وضمير «قال » للرب كما تقدم والخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً أي قال رب زكريا له قال ربك مثل ذلك القول العجيب الغريب هو على هين علي أن { قَالَ } الثاني مع ما في صلته مقول القول الأول وإقحام القول الثاني لما سلف ولا ينصب الكاف بقال الأول وإلا لكان { قَالَ } ثانياً تأكيداً لفظياً لئلا يقع الفصل بين المفسر والمفسر بأجنبي وهو ممتنع إذ لا ينتظم أن يقال : قال رب زكريا قال ربك ويكون الخطاب لزكريا عليه السلام والمخاطب غيره كيف وهذا النوع من الكلام يقع فيه التشبيه مقدماً لاسيما في التنزيل الجليل من نحو { وكذلك جعلناكم أُمَّةً } [ البقرة : 143 ] { كذلك الله يفعل ما يشاء } [ آل عمران : 40 ] إلى غير ذلك ، وهذا الوجه لا يتمشى في قراءة الحسن لأن المفسر لا يدخله الواو ولا يجوز حذفه حتى يجعل عطفاً عليه لأن الحذف والتفسير متنافيان ، وجوز على احتمال النصب أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من وعد الله تعالى إياه عليه السلام بقوله : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } [ مريم : 7 ] الخ أي قال ربه سبحانه له قال ربك مثل ذلك أي مثل ذلك القولب العجيب الذي وعدته وعرفته وهو { إِنَّا نُبَشّرُكَ } الخ ، وأداة التشبيه مقحمة كما مر فيكون المعنى وعد ذلك وحققه وفرغ منه فكن فارغ البال من تحصيله على أوثق بال ثم قال : هو على هين أي قال ربك هو على هين فيضمر القول ليتطابقا في البلاغة ، ولأن قوله مثل ذلك مفرد فلا يحسن أن تقرن الجملة به وينسحب عليه ذلك القول بعينه بل إنما يضمر مثله استئنافاً إيفاءاً بحق التناسب .
وإن شئت لم تنوه ليكون محكياً منتظماً في سلك { قَالَ رَبُّكِ } منسحباً عليه القول الأول أي قال رب زكريا له هو على هين لأن الله تعالى هو المخاطب لزكريا عليه السلام أفلا منع من جعله مقول القول الأول من غير إضمار لأن القولين أعني قال ربك مثل ذلك هو على هين صادران معاً محكيان على حالهما . ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى أعني الملك تعين إضمار القول لامتناع أن يكون هو على هين من مقوله فلا ينسحب عليه الأول . وأما على قراءة الحسن فإن جعل عطفاً على { قَالَ رَبُّكِ } لم يحتج إلى إضمار لصحة الانسحاب وإن أريد تأكيده أيضاً قدر القول لئلا تفوت البلاغة ويكون التناسب حاصلاً ، وجعله عطفاً ما بعد { قَالَ } الثاني من دون التقدير يفوت به رعاية التناسب لفظاً فإن ما بعده مفرد والملاءمة معنى لما عرفت أن لا قول على الحقيقة . والمعنى قال ربه قد حقق الموعود وفرغ عنه فلا بد من تقديره على { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } ليفيد تحقيقه أيضاً . ولو قدر أن المخاطب غيره تعالى تعين الإضمار لعدم الانسحاب دونه فافهم ، وهذا ما حققه صاحب الكشف وقرر به عبارة الكشاف بأدنى اختصار ، ثم ذكر أن خلاصة ما وجده من قول الأفاضل أن التقدير على احتمال أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الوعد قال رب زكريا له قال ربك قولاً مثل قوله سبحانه وتعالى السابق عدة في الغرابة والعجب فاتجه له عليه السلام أن يسأل ماذا قلت يا رب وهو مثله فيقول : هو على هين أي قلت أو قال ربك . والأصل على هذا التقدير قلت قولاً مثل الوعد في الغرابة فعدل إلى الالتفات أو التجريد أياً شئت تسميه لفائدته المعلومة . وليس في الإتيان بأصل القول خروج عن مقتضى الظاهر إذ لا بد منه لينتظم الكلام وذلك لأن المعنى على هذا التقدير ولا تعجب من ذلك القول وانظر إلى مثله واعجب فقد قلناه . وكذلك يتجه لنبينا صلى الله عليه وسلم السؤال فيجاب بأنه قال له ربه هو على هين وصحة وقوعه جواباً عن سؤال نبينا عليه الصلاة والسلام وهو الأظهر على هذا الوجه لأن الكلام معه ، وإذ قد صح أن يجعل جواباً له جاز إضمار القول لأنه جواب له صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنه خوطب به زكريا عليه السلام أيضاً وجاز أن لا يضمر لأن المخاطب لهما واحد والخطاب مع نبينا صلى الله عليه وسلم وعلم من ضرورة المماثلة أنه قيل لزكريا أيضاً هذه المقالة ولو كان الحاكي والقائل الأول مختلفين في هذه الصورة لم يكن بد من إضماره لأنه إذا قال عمرو لبكر ماذا قال زيد لخالد مما يماثل مقالته السابقة له ؟ فيقول : إنك محبب مرضي وجب أن يكون التقدير قال زيد لخالد هذه المقالة لا محالة ، ولا بعد في تنزيل كلام الزمخشري عليه ، وهذا ما لوح إليه صاحب التقريب وآثره الإمام الطيبي وفيه فوات النكتة المذكورة في { قَالَ رَبُّكِ } ثم إنه إن لم يكن سبق القول كان كذباً من حيث الظاهر إذ ليس من القول بلسان الإشارة إلى أن يؤول بأنه مستقبل معنى ، هذا والكلام مسوق لما يزيل الاستبعاد ويحقق الموعود المرتاد وفي ذلك التقدير خروج عنه إلى معنى آخر ربما يستلزم هذا المعنى تبعاً وما سيق له الكلام ينبغي أن يجعل الأصل انتهى .
وهو كلام تحقيق وتدقيق لا يرشد إليه إلا توفيق ، وفي الآية وجه آخر هو ما أشار إليه صاحب الانتصاف ، و { هَيّنٌ } فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ، والمراد أني كامل القدرة على ذلك إذا أردته كان .
/ { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } تقرير لما قبل ، والشيء هنا بمعنى الموجود أي ولم تك موجوداً بل كنت معدوماً ، والظاهر أن هذا إشارة إلى خلقه بطريق التوالد والانتقال في الأطوار كما يخلق سائر أفراد الإنسان ، وقال بعض المحققين : المراد به ابتداء خلق البشر ، إذ هو الواقع إثر العدم المحض لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالد المعتاد فكأنه قيل : وقد خلقتك من قبل في تضاعيف خلق آدم ولم تك إذ ذاك شيئاً أصلاً بل كنت عدماً بحتاً ، وإنما لم يقل : وقد خلقت أباك أو آدم من قبل ولم يك شيئاً مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بشر به على حاله عليه السلام لتأكيد الاحتجاج وتوضيح منهاج القياس من حيث نبه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه السلام من العدم لأنه عليه السلام أبدع أنموذجاً منطوياً على سائر احاد الجنس فكان إبداعه على ذلك الوجه إبداعاً لكل أحد من فروعه كذلك ، ولما كان خلقه عليه السلام على هذا النمط الساري إلى جميع ذريته أبدع من أن يكون مقصوراً على نفسه كما هو المفهوم من نسبه الخلق المذكور إليه وأدل على عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته وكان عدم زكريا حينئذٍ أظهر عنه وكان حاله أولى بأن يكون معياراً لحال ما بشر به نسب الخلق المذكور إليه كما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين في قوله تعالى : { وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } [ الأعراف : 11 ] توفية لمقام الامتنان حقه انتهى ، ولا يخلو عن تكلف ، وجوز أن يكون الشيء بمعنى المعتد به وهو مجاز شائع ، ومنه قول المتنبي :
وضاقت الأرض حتى كان هاربهم *** إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً
وقولهم : عجبت من لا شيء وليس بشيء إذ يأباه المقام ويرده نظم الكلام . وقرأ الأعمش . وطلحة . وابن وثاب . وحمزة . والكسائي { خلقناك } .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ اللَّهُ لِزَكَرِيَّا مُجِيبًا لَهُ {قَالَ كَذَلِكَ} يَقُولُ: هَكَذَا الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ مِنْ أَنَّ امْرَأَتَكَ عَاقِرٌ، وَإِنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ مِنَ الْكِبَرِ الْعِتِيَّ، وَلَكِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: خَلْقُ مَا بَشَّرْتُكَ بِهِ مِنَ الْغُلَامِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى "عَلَيَّ هَيِّنٌ"، فَهُوَ إِذَنْ مِنْ قَوْلِهِ: {قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} كِنَايَةٌ عَنِ الْخَلْقِ.
وَقَوْلُهُ: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَيْسَ خَلْقُ مَا وَعَدْتُكَ أَنْ أَهَبَهُ لَكَ مِنَ الْغُلَامِ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ أَمْرَهُ مِنْكَ مَعَ كِبَرِ سِنِّكَ، وَعُقْمِ زَوْجَتِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ خَلْقِكَ، فَإِنِّي قَدْ خَلَقْتُكَ، فَأَنْشَأْتُكَ بَشَرًا سَوِيًّا مِنْ قَبْلِ خَلْقِي مَا بَشَّرْتُكَ بِأَنِّي وَاهِبُهُ لَكَ مِنَ الْوَلَدِ، وَلَمْ تَكُ شَيْئًا، فَكَذَلِكَ أَخْلُقُ لَكَ الْوَلَدَ الَّذِي بَشَّرْتُكَ بِهِ مِنْ زَوْجَتِكَ الْعَاقِرِ، مَعَ عِتِيِّكَ وَوَهَنِ عِظَامِكَ، وَاشْتِعَالِ شَيْبِ رَأْسِكَ.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{هو علي هين} لأني أخلق بسبب وبغير سبب..
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
فقال الله تعالى له "كذلك "هوان الأمر على ما أخبرتك "قال ربك هو علي هين" أي ليس يشق علي خلق الولد من بين شيخ وعاقر؛ لأني قادر على كل شيء، وكيف يعسر علي ذلك "وقد خلقتك" يا زكريا "من قبل" ذلك "ولم تك شيئا" أي لم تكن موجودا...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ}. معناه إجابة الولد لك فيها معجزة ودلالة في هذا الوقت الذي فيه حسب مستقرِّ العادة ولادة مثلِ هذه المرأة دلالةٌ ومعجزةٌ لك على قومك، فتكون للإجابة بالولد مِنْ وَجْهٍ معجزةٌ؛ ومن وجهٍ راحةٌ وكرامةٌ.
تفسير القرآن للسمعاني 489 هـ :
(قال كذلك قال ربك هو علي هين) أي: يسير.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله {قال كذلك} قيل إن المعنى قال له الملك {كذلك} فليكن الوجود كما قيل لك {قال ربك} خلق الغلام {عليّ هين}، أي غير بدع فكما {خلقتك من قبل} وأخرجتك من عدم الى وجود كذلك أفعل الآن،... والمعنى عندي قال الملك {كذلك} أي على هذه الحال {قال ربك هو علي هين}.
إطلاق لفظ الهين في حق الله تعالى مجاز لأن ذلك إنما يجوز في حق من يجوز أن يصعب عليه شيء، ولكن المراد أنه إذا أراد شيئا كان.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها {هَيِّنٌ} أي: يسير سهل على الله. ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} كما قال تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1]...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{قال كذلك} أي الأمر؛ ثم علله بقوله: {قال ربك} أي الذي عودك بالإحسان، وذكر مقول القول فقال: {هو} أي خلق يحيى منكما على هذه الحالة {عليَّ} أي خاصة {هين} لا فرق عندي بينه وبين غيره {وقد خلقتك} أي قدرتك وصورتك وأوجدتك. ولما كان القصد تشبيه حاله بالإتيان منه بولد على ضعف السبب بتقديره من النطفة على ضعف سبيتها لكونها تارة تثمر وتارة لا، وهو الأغلب، أتى بالجار إشارة إلى ذلك فقال: {من قبل} أي قبل هذا الزمان {ولم} أي والحال أنك لم: ولما كان عليه السلام شديد التشوف لما يلقى عليه من المعنى في هذه البشرى، أوجز له حتى بحذف النون وليثبت أنه ليس له من ذاته إلا العدم المحض، وينفي أن يكون له من ذاته وجود ولو على أقل درجات الكون لاقتضاء حاله في هذا التعجب لتذكيره في ذلك فقال: {تك شيئاً} أي يعتد به، ثم أبرزتك على ما أنت عليه حين أردت، فتحقق بهذا أنه من امرأته هذه العاقر في حال كونهما شيخين.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يكن شيئا...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هنا يأتيه الجواب عن سؤاله: أن هذا هين على الله سهل. ويذكره بمثل قريب في نفسه: في خلقته هو و إيجاده بعد أن لم يكن. وهو مثل لكل حي، ولكل شيء في هذا الوجود: (قال: كذلك قال ربك: هو علي هين. وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا). وليس في الخلق هين وصعب على الله. ووسيلة الخلق للصغير والكبير، وللحقير والجليل واحدة: كن. فيكون. والله هو الذي جعل العاقر لا تلد. وجعل الشيخ الفاني لا ينسل؛ وهو قادر على إصلاح العاقر وإزالة سبب العقم، وتجديد قوة الإخصاب في الرجل. وهو أهون في اعتبار الناس من إنشاء الحياة ابتداء. وإن كان كل شيء هينا على القدرة: إعادة أو إنشاء.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
فصلت جملة {قَالَ كذلك} لأنها جرت على طريقة المحاورة. وهي جواب عن تعجبه. والمقصود منه إبطال التعجب الذي في قوله: {وكانَتِ امرأتي عاقِراً وقد بلغتُ مِن الكِبَر عُتِياً} [مريم: 8]. فضمير {قَالَ} عائد إلى الرب من قوله {قَالَ رَبّ أنَّى يكونُ لي غُلامٌ} [مريم: 8]. والإشارة في قوله {كذلك} إلى قول زكرياء {وكانت امرأتي عاقِراً وقَد بلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيّاً}. والجار والمجرور مفعول لفعل {قَالَ رَبُّكَ}، أي كذلك الحال من كبرك وعقر امرأتك قدّر ربُّك، ففعلُ {قَالَ رَبُّكَ} مرادٌ به القول التكويني، أي التقديري، أي تعلّق الإرادة والقدرة. فجملة {هُوَ عليَّ هَيِنٌ} استئناف بياني جواباً لسؤال ناشئ عن قوله {كَذَلِكَ} لأنّ تقرير منشأ التعجب يثير ترقب السامع أن يعرف ما يُبطل ذلك التعجب المقرّر، وذلك كونه هيّناً في جانب قدرة الله تعالى العظيمة. ويجوز أن يكون المشار إليه بقوله {كَذلِكَ} هو القول المأخوذ من {قَالَ رَبُّكَ}، أي أن قولَ ربّك {هُوَ عليَّ هَيّنٌ} بلغ غاية الوضوح في بابه بحيث لا يبين بأكثر ما علمت، فيكون جارياً على طريقة التشبيه كقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} وقد تقدم في سورة البقرة (143). وعلى هذا الاحتمال فجملة {هُوَ عليَّ هَينٌ} تعليل لإبطال التعجب إبطالاً مستفاداً من قوله {كذلك قال ربّك}، ويكون الانتقال من الغيبة في قوله {قَالَ ربّك} إلى التكلم في قوله {هُوَ عليَّ هَيّنٌ} التفاتاً. ومقتضى الظاهر: هو عليه هيّن.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{كذلك} خبر لمبتدأ محذوف تقديره مثلا الأمر كذلك، وقائل هذا هو الملك الذي تولى الوحي بين زكريا وربه، أي قال الملك: الأمر كذلك، فقد قدره الله تعالى، وأحكم ما قدر، ثم نقل عن الله تعالى قوله: {قال ربك هو علي هين} وعبر ب {ربّك} للإشارة إلى أنه خالقه ومربيه والقائم على كل أموره، وأنه لا غرابة في أن يكون هذا من الحي القيوم {هو علي هين}، الضمير {هو} يعود إلى {غلام} في قوله، {أنّى يكون لي غلام} وهو يعود إلى الولد مع وجوب هذه الأحوال التي تجعله قريبا، و {هين}، أي سهل لين لا يثير عجبا ولا استغرابا، و {هين} تشير إلى أنه لا غرابة فيه، ثم ساق سبحانه بعد ذلك ما يدل على قربه، فقال سبحانه: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا}، وهذه مقدمة قياسية تزيل الغرابة وتبين أنه لا غرابة على قدرة الله تعالى، وتقديره هذه المقدمة هكذا.