وقوله تعالى شأنه : { إِذْ نادى رَبَّهُ } ظرف لرحمة ربك وقيل لذكر على أنه مضاف لفاعله لا على الوجه الأول لفساد المعنى وقيل : هو بدل اشتمال من { زَكَرِيَّا } [ مريم : 2 ] كما قوله تعالى : { واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } [ مريم : 16 ] .
وقرأ الحسن . وابن يعمر كما حكاه أبو الفتح { ذَكرَ } [ مريم : 2 ] فعلاً ماضياً مشدداً و { رَحْمَةً } بالنصب على أنه كما في البحر مفعول ثان لذكر والمفعول الأول محذوف و { عَبْدِهِ } مفعول لرحمة وفاعل { ذكر } ضمير القرآن المعلوم من السياق أي ذكر القرآن الناس أن رحم سبحانه عبده ، ويجوز أن يكون الفاعل ضميره عز وجل أي ذكر الله تعالى الناس ذلك ، وجوز أن يكون { رَحْمَةِ رَبّكَ } مفعولاً ثانياً والمفعول الأول هو { عَبْدِهِ } والفاعل ضميره سبحانه أي ذكر الله تعالى عبده رحمته أي جعل العبد يذكر رحمته . وإعراب { زَكَرِيَّا } كما مر ، وجوز أن يكون مفعولاً لرحمة والمراد بعده الجنس كأنه قيل ذكر عباده رحمته زكريا وهو كما ترى ، ويجوز على هذا أن يكون الفاعل ضمير القرآن ، وقيل يجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى والرحمة مفعولاً أولاً و { عَبْدِهِ } مفعولاً ثانياً ويرتكب المجاز أي جعل الله تعالى الرحمة ذاكرة عبده ، وقيل : { رَحْمَةً } نصب بنزع الخافض أي ذكر برحمة ، وذكر الداني عن أبي يعمر أنه قرأ { ذكر } على الأمر والتشديد و { رَحْمَةً } بالنصب أي ذكر الناس رحمة أو برحمة ربك عبده زكريا .
وقرأ الكلبي { ذَكَرَ } فعلاً ماضياً خفياً و { رَحْمَةِ رَبّكَ } بالنصب على المفعولية لذكر و { عَبْدِهِ } بالرفع على الفاعلية له . وزكريا عليه السلام من ولد سليمان بن داود عليهما السلام ، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود أنه آخر أنبياء بني إسرائيل وهو ابن آزر بن مسلم من طرية يعقوب ، وأخرج إسحق بن بشر . وابن عساكر عن ابن عباس أنه ابن دان وكان من أبناء الأنبياء الذين يكتبون الوحي في بيت المقدس ، وأخرج أحمد . وأبو يعلى . والحاكم وصححه . وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً أنه عليه السلام كان نجاراً .
وجاء في اسمه خمس لغات . أولها : المد . وثانيها : القصر وقرئ بهما في السبع . وثالثها : زكرى بتشديد الياء . ورابعها : زكرى بتخفيفها . وخامسها : زكر كقلم وهو اسم أعجمي ، والنداء في الأصل رفع الصوت وظهوره وقد يقال لمجرد الصوت بل لكل ما يدل على شيء وإن لم يكن صوتاً على ما حققه الراغب ، والمراد هنا إذ دعا ربه { نِدَاء } أي دعاء { خَفِيّاً } مستوراً عن الناس لم يسمعه أحد منهم حيث لم يكونوا حاضرين . وكان ذلك على ما قيل في جوف الليل ، وإنما أخفى دعاء عليه السلام لأنه أدخل في الإخلاص وأبعد عن الرياء وأقرب إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولد لتوقفه على مبادي لا يليق به تعاطيها في أوان الكبر والشيخوخة وعن غائلة مواليه ، وعلى ما ذكرنا لا منافاة بين النداء وكونه خفياً بل لا منافاة بينهما أيضاً إذا فسر النداء برفع الصوت لأن الخفاء غير الخفوت ومن رفع صوته في مكان ليس بمرأى ولا مسمع من الناس فقد أخفاه ، وقيل : هو مجاز عن عدم الرياء أي الإخلاص ولم ينافه النداء بمعنى رفع الصوت لهذا .
وفي «الكشف » أن الأشبه أنه كناية مع إرادة الحقيقة لأن الخفاء في نفسه مطلوب أيضاً لكن المقصود بالذات الإخلاص ، وقيل مستوراً عن الناس بالمخافة ، ولا منافاة بناء على ارتكاب المجاز أو بناء على أن النداء لا يلزمه رفع الصوت ولذا قيل : "
وكان نداؤه عليه السلام كذلك لما مر آنفاً أو لضعف صوته بسبب كبره كما قيل الشيخ صوته خفات وسمعه تارات ، قيل : كان سنه حينئذ ستين سنة ، وقيل خمساً وستين ، وقيل سبعين ، وقيل خمساً وسبعين ، وقيل ثمانين ، وقيل خمساً وثمانين ، وقيل اثنتين وتسعين ، وقيل تسعاً وتسعين ، وقيل مائة وعشرين وهو أوفق بالتعليل المذكور .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
يقول: إذ دعا ربه دعاء سرا، وإنما دعا ربه عز وجل سرا؛ لئلا يقول الناس: انظروا إلى هذا الشيخ الكبير، يسأل الولد على كبره.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
وقوله:"إذْ نادَى رَبّهُ نِدَاءً خَفِيّا" يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفيّ، يعني: وهو مستسرّ بدعائه ومسألته إياه ما سأل كراهته منه للرياء...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
قال بعضهم: {نداء خفيا} في قلبه على الإخلاص من غير أن ينطق. وقال بعضهم: {نداء خفيا} عن قومه ومن حضره.
يحتمل وجهين: أحدهما: أخفاه، وأسره منهم، إخلاصا لله تعالى وإصفاء له. والثاني: أخفاه، وأسره منهم، حياء أن يعيبوه أنه سأل ربه الولد في وقت كبره وإياسه، والله أعلم.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
راعى سنة الله في إخفاء دعوته، لأنّ الجهر والإخفاء عند الله سيان، فكان الإخفاء أولى، لأنه أبعد من الرياء وأدخل في الإخلاص. وعن الحسن نداء لا رياء فيه، أو أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في إبَّان الكبرة والشيخوخة. أو أسره من مواليه الذين خافهم. أو خفت صوته لضعفه وهرمه...
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
وقوله {نادى} معناه بالدعاء والرغبة. واختلف في معنى» إخفائه «هذا النداء، فقال ابن جريح ذلك لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء، ومنه قول النبي عليه السلام «خير الذكر الخفي 9» وقال غيره يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الأعمال التي يزكو بها البشر، وفي الدعاء الذي هو في معنى العفو والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير فإخفاؤه أبعد من الرياء، وأما دعاء {زكرياء} وطلبه فكان في أمر دنيوي وهو طلب الولد فإنما إخفاوه لئلا يلومه الناس في ذلك، وليكون على أول أمره إن أجيب نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك. ويقال: وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل.
إنْ قيل من شرط النداء الجهر فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيا، والجواب من وجهين:
الأول: أنه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت إلا أن الصوت كان ضعيفا لنهاية الضعف بسبب الكبر،فكان نداء نظرا إلى قصده وخفيا نظرا إلى الواقع. الثاني: أنه دعا في الصلاة لأن الله تعالى أجابه في الصلاة لقوله تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى} فكون الإجابة في الصلاة يدل على كون الدعاء في الصلاة فوجب أن يكون النداء فيها خفيا.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ولما قدم تشريفه بالذكر والرحمة والاختصاص بالإضافة إليه فدل ذلك على كمال القرب، قال: {نداء خفياً} أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل عليه في قصد خطاب السر الجامع بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة، فأطلع سبحانه عليه لأنه يعلم السر وأخفى.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
{إذ نادى ربه} ظرف ل {رحمتِ}. أي رحمة الله إياه في ذلك الوقت، أو بدل من {ذكر،} أي اذكر ذلك الوقت.
والنداء: أصله رفع الصوت بطلب الإقبال. وتقدم عند قوله تعالى: {ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان} في سورة آل عمران (193) وقوله: {ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها} في [سورة الأعراف: 43]. ويطلق النداء كثيراً على الكلام الذي فيه طلب إقبال الذات لعمل أو إقبال الذهن لوعي كلام، فلذلك سميت الحروف التي يفتتح بها طلب الإقبال حروف النداء. ويطلق على الدعاء بطلب حاجة وإن لم يكن فيه نداء لأن شأن الدعاء في المتعارف أن يكون جهراً، أي تضرعاً لأنه أوقع في نفس المدعو. ومعنى الكلام: أن زكرياء قال: يا رب، بصوت خفي.
وإنما كان خفياً لأن زكرياء رأى أنه أدخل في الإخلاص مع رجائه أنّ الله يجيب دعوته لئلا تكون استجابته مما يتحدث به الناس، فلذلك لم يدعه تضرعاً وإن كان التضرع أعون على صدق التوجه غالباً، فلعل يقين زكرياء كاف في تقوية التوجه، فاختار لدعائه السلامة من مخالطة الرياء. ولا منافاة بين كونه نداء وكونه خفياً، لأنه نداء من يسمع الخفاء.
والمراد بالرحمة: استجابة دعائه، كما سيصرح به بقوله: {يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} [مريم: 7]. وإنما حكي في الآية وصف دعاء زكرياء كما وقع فليس فيها إشعار بالثناء على إخفاء الدعاء.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
و {خفيا} صفة مبالغة من خفي، أي أنه بالغ في إخفاء دعائه فلا يعلمه قومه، ولأنه مناجاة لله وضراعة إليه، وهو لا يلتجأ إلا إليه وحده... وفي هذا إشارة إلى أن الدعاء تضرع وفي الجهر به اعتداء؛ لأنه يكون فيه دعوة لغير الله وشكوى للناس من ربه.
...النداء إذن طلب الإقبال عليك، لكن هل يصح أن يكون النداء لله تعالى بهذا المعنى؟ إنك لا تنادى إلا البعيد عنك الذي تريد أن تستدنيه منك.
فكيف تنادى ربك تبارك وتعالى وهو أقرب إليك من حبل الوريد؟ وكيف تناديه سبحانه وهو يسمعك حتى قبل أن تتكلم؟ فإذا كان إقباله عليك موجودا في كل وقت، فما الغرض من النداء هنا؟.
نقول: الغرض من النداء: الدعاء. ووصف النداء هنا بأنه: {نداء خفيا} لأنه ليس كنداء الخلق للخلق، يحتاج إلى رفع الصوت حتى يسمع، إنه نداء لله تبارك وتعالى الذى يستوى عنده السر والجهر، وهو القائل:
{وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور} (سورة الملك 13).
ومن أدب الدعاء أن ندعوه سبحانه كما أمرنا:
{ادعوا ربكم تضرعا وخفية.. "55 "} (سورة الأعراف).
وهو سبحانه: {فإنه يعلم السر وأخفي "7 "} (سورة طه) أي: وما هو أخفي من السر؛ لأنه سبحانه قبل أن يكون سرا، علم انه سيكون سرا. لذلك، جعل الحق سبحانه أحسن الدعاء الدعاء الخفي؛ لأن الإنسان قد يدعو ربه بشيء، إن سمعه غيره ربما استنقصه، فجعل الدعاء خفيا بين العبد وربه حتى لا يفتضح أمره عند الناس.
أما الحق سبحانه فهو ستار يحب الستر حتى على العاصين، وكذلك ليدعو العبد ربه بما يستحي أن يذكره أمام الناس، وليكون طليقا في الدعاء فيدعو ربه بما يشاء؛ لأنه ربه ووليه الذي يفزع إليه. وإن كان الناس يحزنون ويتضجرون أن سألتهم أدنى شيء، فإن الله تعالى يفرح بك أن سألته.
دعا زكريا ربه أن يرزقه الولد، ولكن كيف يتحقق هذا المطلب وقد بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر؟ فكأن الأسباب الموجودة جميعها معطلة عنده؛ لذلك توجه إلى الله بالدعاء: يا رب لا ملجأ لي إلا أنت فأنت وحدك القادر على خرق الناموس والقانون، وهذا مطلب من زكريا جاء في غير وقته.
أخفاه أيضا لأنه طلب الولد في وجود أبناء عمومته الذين سيحملون منهجه من بعده، إلا أنه لم يأتمنهم على منهج الله؛ لأن ظاهر حركتهم في الحياة غير متسقة مع المنهج، فكيف يأتمنهم على منهج الله وهم غير مؤتمنين على أنفسهم؟ فإذا دعا زكريا ربه أن يرزقه الولد ليرث النبوة من بعده، فسوف يغضب هؤلاء من دعاء زكريا ويعادونه؛ لذلك جاء دعاؤه خفيا يسره بينه وبين ربه تعالى. لقد أوضح زكريا عليه السلام العلة في ذلك في الآيات القادمة فقال: {يرثني ويرث من آل يعقوب.. "6 "} (سورة مريم).
إذن: فالعلة في طلب الولد دينية محضة، لا يطلب لمغنم دنيوي، إنما شغفه بالولد أنه لم يأمن القوم من بعده على منهج الله وحمايته من الإفساد.
لذلك قوله: (يرثني) هنا لا يفهم منه ميراث المال كما يتصوره البعض؛ أن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم" نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقه".
وبذلك يخرج النبي من الدنيا دون أن ينتفع أحد من أقاربه بماله حتى الفقراء منهم. فالمسألة مع الأنبياء خالصة كلها لوجه الله تعالى؛ لذلك قال بعدها: {ويرث من آل يعقوب.. "6 "} (سورة مريم)
أي: النبوة التي تناقلوها. فلا يستقيم هنا أبدا أن نفهم الميراث على أنه ميراث المال أو متاع الدنيا الفاني...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
فقد كان يعيش الإحساس بحضور الله في حياته وهيمنته على وجدانه، بحيث يناديه بشكل طبيعي، كما ينادي أيّ موجود حيّ في عالم الحس والشهود، لأن غياب الله عن العيان لا يحجب رؤيته في عالم الوجدان. وهكذا وقف زكريا لينادي ربه، ليُسْمِعَهُ حاجته، ولكنه لم يطلق صوته عالياً، بل تحدث بما يشبه الهمس الخفيّ، لشعوره بالخشوع عند الحديث معه، وإدراكه بأن الله لا يحتاج إلى الجهر بالصوت، ليسمع نداء عبده، لأنه يعلم السرّ وأخفى، ويسمع وساوس الصدور، فكيف لا يسمع تمتمات الشفاه؟!...