الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا} (9)

قوله : { كَذلِكَ } : في محلِّ هذه الكاف وجهان ، أحدهما : أنه رفعٌ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ ، أي : الأمرُ كذلك ، ويكون الوقف على : " كذلك " ثم يُبْتَدَأ بجملة أخرى . والثاني : أنها منصوبةُ المحلِّ ، فَقَدَّره أبو البقاء ب " أَفْعَلُ مثلَ ما طلبْتَ ، وهو كنايةٌ عن مطلوبِه ، فَجَعَلَ ناصبَه مقدَّراً ، وظاهرُه أنَّه مفعولٌ به .

وقال الزمخشري : " أو نصبٌ ب " قال " و " ذلك " إشارةٌ إلى مُبْهم يُفَسِّره { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } ، ونحوُه : { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } [ الحجر : 66 ] . وقرأ الحسن { وهُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } ولا يُخَرَّجُ هذا إلا على الوجه الأول ، أي : الأمرُ كما قلت ، وهو على ذلك يَهُون عليَّ . ووجهٌ آخرُ : وهو أَنْ يُشارَ ب " ذلك " إلى ما تقدَّم من وَعْدِ الله ، لا إلى قولِ زكريَّا . و " قال " محذوفٌ في كلتا القراءتين . - في كلتا القراءتين : يعني قراءةَ العامة وقراءةَ الحسنِ - أي : قال هو عليَّ هيِّن ، قال : وهو عَلَيَّ هَيِّن ، وإن شئتَ لم تَنْوِه ، لأنَّ اللهَ هو المخاطَبَ ، والمعنى أنه قال ذلك ، ووَعْدُه وقولُه الحق " .

وفي هذا الكلامِ قَلَقٌ ؛ وحاصلُه يَرْجع إلى أنَّ " قال " الثانيةَ هي الناصبةُ للكاف . وقوله : " وقال محذوفٌ " يعني تفريغاً على أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند " قال ربك " ويُبْتَدأ بقولِه : { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } . وقوله : " وإنْ شِئْتَ لم تَنْوِه " أي : لم تَنْوِ القولَ المقدَّرَ ، لأنَّ اللهَ هو المتكلَّمُ بذلك .

وظاهرُ كلامِ بعضهِم : أنَّ " قال " الأولى مُسْنَدةٌ إلى ضميرِ المَلَكِ ، وقد صَرَّح بذلك ابنُ جريرٍ ، وتبعه ابن عطية . قال الطبري : " ومعنى قولِه " قال كذلك " ، أي : الأمران اللذان ذكرْتَ مِنَ المرأةِ العاقرِ والكِبَرِ هو كذلك ، ولكم قال ربُّكِ ، والمعنى عندي : قال المَلَكُ : كذلك ، أي : على هذه الحال ، قال ربك : هو عليَّ هَيِّنٌ " انتهى .

وقرأ الحسن البصري " عَلَيِّ " بكسر ياء المتكلم كقوله :

عَلَيَّ لعمروٍ نِعْمَةٌ بعد نِعْمةٍ *** لوالدِه ليسَتْ بذاتِ عَقَارِبِ

أنشدوه بالكسر . وقد أَمْنَعْتُ الكلامَ في هذه المسألة في قراءةِ حمزةَ { بِمُصْرِخِيِّ } .

قوله : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ } هذه جملة مستأنفة . وقرأ الأخَوان " خَلَقْناك " أسنده إلى الواحدِ المعظِّمِ نفسَه . والباقون " خَلَقْتُكَ " بتاءِ المتكلم .

وقوله : { وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } جملةٌ حاليةٌ ، ومعنى نَفْيِ كونِه شيئاً ، أي : شيئاً يُعْتَدُّ به كقوله :

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** إذا رَأَى غيرَ شَيْءٍ ظَنَّه رَجُلاً

وقالوا : عَجِبْتُ مِنْ لا شيء . ويجوز أن يكونَ قال ذلك ؛ لأنَّ المعدومَ ليس بشيءٍ .