روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا} (7)

{ يَا زَكَرِيَّا } على إرادة القول أي قيل له أو قال الله تعالى يا زكريا { إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى } لكن لا بأن يخاطبه سبحانه وتعالى بذلك بالذات بل بواسطة الملك كما يدل عليه آية أخرى على أن يحكي عليه السلام العبارة عنه عز وجل على نهج قوله تعالى : { قُلْ يا عِبَادِي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر : 53 ] الآية وهذا جواب لندائه عليه السلام ووعد بإجابة دعائه كما يفهمه التعبير بالبشارة دون الإعطاء أو نحوه وما في الوعد من التراخي لا ينافي التعقيب في قوله تعالى : { فاستجبنا لَهُ } [ الأنبياء : 90 ] الآية لأنه تعقيب عرفي كما في تزوج فولد له ولأن المراد بالاستجابة الوعد أيضاً لأن وعد الكريم نقد ، والمشهور أن هذا القول كان إثر الدعاء ولم يكن بين البشارة والولادة إلا أشهر ، وقيل : إنه رزق الولد بعد أربعين سنة من دعائه ، وقيل : بعد ستين . والغلام الولد الذكر ، وقد يقال للأنثى : غلامة كما قال :

تهان لها الغلامة والغلام ***

وفي تعيين اسمه عليه السلام تأكيد للوعد وتشريف له عليه السلام ، وفي تخصيصه به حسبما يعرب عنه قوله تعالى : { لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } أي شريكاً له في الاسم حيث لم يسم أحد قبله بيحيى على ما روي عن ابن عباس . وقتادة . والسدي . وابن أسلم مزيد تشريف وتفخيم له عليه السلام ، وهذا كما قال الزمخشري شاهد على أن الأسماء النادرة التي لا يكاد الناس يستعملونها جديرة بالأثرة وإياها كانت العرب تنحي في التسمية لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النبز حتى قال القائل في مدح قوم :

شنع الأسامي مسبلي أزر *** حمر تمس الأرض بالهدب

وقيل للصلت بن عطاء : كيف تقدمت عند البرامكة وعندهم من هو آدب منك ؟ فقال : كنت غريب الدار غريب الاسم خفيف الجرم شحيحاً بالإشلاء فذكر مما قدمه كونه غريب الاسم ؛ وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر . وغيرهما عن مجاهد أن { سَمِيّاً } بمعنى شبيهاً . وروي عن عطاء . وابن جبير مثله أي لم نجعل له شبيهاً حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية ، فقد أخرج أحمد . والحكيم . والترمذي في «نوادر الأصول » . والحاكم . وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أوهم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا عليهما السلام لم يهم بخطيئة ولم يعملها " والأخبار في ذلك متظافرة ، وقيل : لم يكن له شبيه لذلك ولأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر .

وقيل لأنه كان كما وصف الله تعالى { مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين } [ آل عمران : 39 ] فيكون هذا إجمالاً لذلك وإنما قيل للشبيه سمي لأن المتشابهين يتشاركان في الاسم .

ومن هذا الإطلاق قوله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } [ مريم : 65 ] لأنه الذي يقتضيه التفريع ، والأظهر أنه اسم أعجمي لأنه لم تكن عادتهم التسمية بالألفاظ العربية فيكون منعه الصرف على القول المشهور في مثله للعلمية والعجمة ، وقيل إنه عربي ولتلك العادة مدخل في غرابته وعلى هذا فهو منقول من الفعل كيعمر ويعيش وقد سموا بيموت وهو يموت بن المزرع بن أخت الجاحظ ووجه تسميته بذلك على القول بعربيته قيل الإشارة بأنه يعمر ، وهذا في معنى التفاؤل بطول حياته ، وكان في ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام يرث حسبما سأل زكريا عليه السلام ، وقيل : سمي بذلك لأنه حي به رحم أمه . وقيل لأنه حي بين شيخ فان وعجوز عاقر ، وقيل لأنه يحيا بالحكمة والعفة ، وقيل لأنه يحيا بإرشاد الخلق وهدايتهم ، وقيل لأنه يستشهد والشهداء أحياء ، وقيل غير ذلك ، ثم لا يخفى أنه على العربية والعجمة يختلف الوزن والتصغير كما بين في محله .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا} (7)

أي : بشره الله تعالى على يد الملائكة ب " يحيى " وسماه الله له " يحيى " وكان اسما موافقا لمسماه : يحيا حياة حسية ، فتتم به المنة ، ويحيا حياة معنوية ، وهي حياة القلب والروح ، بالوحي والعلم والدين . { لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ْ } أي : لم يسم هذا الاسم قبله أحد ، ويحتمل أن المعنى : لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا ، فيكون ذلك بشارة بكماله ، واتصافه بالصفات الحميدة ، وأنه فاق من قبله ، ولكن على هذا الاحتمال ، هذا العموم لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم وموسى ونوح عليهم السلام ، ونحوهم ، ممن هو أفضل من يحيى قطعا ، فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود الذي طلبه استغرب وتعجب وقال : { رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ ْ }

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا} (7)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فاستجاب له ربه، فقال له: يا زكريا إنا نبشرك بهبتنا لك غلاما اسمه يحيى...

وقوله:"لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّا" اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه لم تلد مثله عاقر قط...

وقال آخرون: بل معناه: لم نجعل له من قبله مثلاً... عن مجاهد، في قوله "لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّا "قال: شبيها...

وقال آخرون: معنى ذلك، أنه لم يسمّ باسمه أحد قبله...

وهذا القول أعني قول من قال: لم يكن ليحيى قبل يحيى أحد سمي باسمه أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذي نهب لك الذي اسمه يحيى من قبله أحدا مسمى باسمه...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قال بعضهم: لم نجعل له مثل يحيى من قبل في الفضل والمنزلة لأنه روي عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لم يكن من ولد آدم إلا وقد عمل بخطيئة، أو هم بها غير يحيى ابن زكريا فإنه لم يهم بخطيئة، ولا عمل بها) (أحمد1/245)...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والبشارة: الإخبار بما بظاهر سروره في بشرة الوجه...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أي استجبنا لدعائِك، ونرزقك ولداً ذكَراً اسمُه يحيى؛ تحيا به عُقْرَةُ أُمِّه، ويحيا به نَسَبُكُ، يحيا به ذكْرُك، وما سألَته من أن يكون نائباً عنك؛ فيحيا به محلُّ العبادة والنبوة في بيتك. {لَمْ نَجْعَل لهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً}: انفراده -عليه السلام- بالتسمية يدل على انفراده بالفضيلة؛ أي لم يكن له سَمِيٌّ قَبْله؛ فلا أحَدَ كُفْؤٌ له في استجماع أوصاف فَضْله. ويقال لم نجعل له من قبل نظيراً؛ لأنه لم يكن أحد لا ذنبَ له قَبْلَ النبوة ولا بعدها غيره..

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اختلفوا في من المنادي بقوله: يا زكريا، فالأكثرون على أنه هو الله تعالى وذلك لأن ما قبل هذه الآية يدل على أن زكريا عليه السلام إنما كان يخاطب الله تعالى ويسأله وهو قوله: {رب إني وهن العظم مني} وقوله: {ولم أكن بدعائك رب شقيا} وقوله: {فهب لي} وما بعدها يدل على أنه كان يخاطب الله تعالى وهو يقول: {رب أنى يكون لي غلام} وإذا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها خطابا مع الله تعالى وجب أن يكون النداء من الله تعالى وإلا لفسد النظم، ومنهم من قال هذا نداء الملك واحتج عليه بوجهين.

الأول: قوله تعالى في سورة آل عمران: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى}.

الثاني: أن زكريا عليه السلام لما قال: {أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين} وهذا لا يجوز أن يكون كلام الله فوجب أن يكون كلام الملك.

والجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يقال حصل النداءان نداء الله ونداء الملائكة. وعن الثاني: أنا نبين إن شاء تعالى أن قوله: {قال كذلك قال ربك هو علي هين} يمكن أن يكون كلام الله.

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :

وهذا جوابٌ لندائه عليه الصلاة والسلام ووعدٌ بإجابة دعائِه، لكن لا كما هو المتبادرُ من قوله تعالى: {فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى} الخ، بل بعضاً حسبما تقتضيه المشيئةُ الإلهية المبنية على الحِكَم البالغة فإن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا مستجابي الدعوةِ لكنهم ليسوا كذلك في جميع الدعواتِ، ألا ترى إلى دعوة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام في حق أبيه وإلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: « وسألته أن لا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعض فمنعنيها» وقد كان من قضائه عز وعلا أن يهبَه يحيى نبياً مرضياً ولا يرثه، فاستجيب دعاؤُه في الأول دون الثاني حيث قتل قبلَ موت أبيه عليهما الصلاة والسلام على ما هو المشهورُ، وقيل: بقي بعده برهةً فلا إشكال حينئذ،... وفي تعيين اسمِه عليه الصلاة والسلام تأكيدٌ للوعد وتشريفٌ له عليه الصلاة والسلام، وفي تخصيصه به عليه السلام حسبما يُعرب عنه قوله تعالى: {لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} أي شريكاً له في الاسم حيث لم يُسمَّ أحدٌ قبله بيحيى، مزيدُ تشريفٍ وتفخيم له عليه الصلاة والسلام، فإن التسميةَ بالأسامي البديعة الممتازة عن أسماء سائرِ الناس تنويهٌ بالمسمّى لا محالة...

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة ب "يحيى "وسماه الله له "يحيى" وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية، فتتم به المنة، ويحيا حياة معنوية، وهي حياة القلب والروح، بالوحي والعلم والدين...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ثم ترتسم لحظة الاستجابة في رعاية وعطف ورضى.. فالرب ينادي عبده من الملأ الأعلى: (يا زكريا).. ويعجل له البشرى: (إنا نبشرك بغلام) ويغمره بالعطف فيختار له اسم الغلام الذي بشره به: (اسمه يحيى). وهو اسم فذ غير مسبوق: (لم نجعل له من قبل سميا).. إنه فيض الكرم الإلهي يغدقه على عبده الذي دعاه في ضراعة، وناجاه في خفية، وكشف له عما يخشى، وتوجه إليه فيما يرجو. والذي دفعه إلى دعاء ربه خوفه الموالي من بعده على تراث العقيدة وعلى تدبير المال والقيام على الأهل بما يرضي الله. وعلم الله ذلك من نيته فأغدق عليه وأرضاه.

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

وعندي: أن السّمِيّ هنا هو الموافق في الاسم الوصفي بإطلاق الاسم على الوصف، فإن الاسم أصله في الاشتقاق (وسَم)، والسمة: أصلها وسمة، كما في قوله تعالى: {ليسمُّون الملائكَة تسمية الأنثى} [النجم: 27]، أي يصفونهم أنهم إناث، ومنه قوله الآتي: {هل تعلم له سمياً} [مريم: 65] أي لا مثيل لله تعالى في أسمائه. وهذا أظهر في الثناء على يحيى والامتنان على أبيه. والمعنى: أنه لم يجئ قبل يحيى من الأنبياء من اجتمع له ما اجتمع ليحيى فإنه أعطي النبوءة وهو صبيّ، قال تعالى: {وآتيناه الحكم صبياً} [مريم: 12]، وجعل حصوراً ليكون غير مشقوق عليه في عصمته عن الحرام، ولئلا تكون له مشقة في الجمع بين حقوق العبادة وحقوق الزوجة، وولد لأبيه بعد الشيخوخة ولأمّه بعد العَقر، وبُعث مبشراً برسالة عيسى عليه السلام، ولم يكن هو رسولاً، وجعل اسمه العلم مبتكراً غير سابق من قبله. وهذه مزايا وفضائل وهبت له ولأبيه، وهي لا تقتضي أنه أفضل الأنبياء لأنّ الأفضلية تكون بمجموع فضائل لا ببعضها وإن جلّت، ولذلك قيل « المزيّة لا تقتضي الأفضليّة» وهي كلمة صدق.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تبيّن هذه الآيات استجابة دعاء زكريا (عليه السلام) من قبل الله تعالى استجابة ممزوجة بلطفه الكريم وعنايته الخاصّة، وتبدأ بهذه الجملة: (يا زكريا إِنّا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً). كم هو رائع وجميل أن يستجيب الله دعاء عبده بهذه الصورة، ويطلعه ببشارته على تحقيق مراده، وفي مقابل طلب الولد فإِنّه يعطيه مولوداً ذكراً، ويسميه أيضاً بنفسه، ويضيف إلى ذلك أنّ هذا الولد قد تفرد بأُمور لم يسبقه أحد بها. لأنّ قوله: (لم نجعل له من قبل سمياً) وإِن كانت تعني ظاهراً بأن أحداً لم يسم باسمه لحد ولادته، لكن لما لم يكن الاسم لوحده دليلا على شخصية أحد، فسيصبح من المعلوم أنّ المراد من الاسم هنا هو المسمّى، أي أحداً قبله لم يكن يمتلك هذه الامتيازات، كما ذهب الراغب الأصفهاني إلى هذا المعنى بصراحة في مفرداته. لا شك في وجود أنبياء كبار قبل يحيى، بل وأسمى منه، إِلاّ أنّه لا مانع مطلقاً من أن يكون ليحيى خصوصيات تختص به، كما ستأتي الإِشارة إلى ذلك فيما بعد...