روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (42)

{ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا } بدل من { يوم } [ الأنفال : 41 ] أو معمول لاذكروا مقدراً ، وجوز أبو البقاء أن يكون ظرفاً لقدير وليس بشيء ، والعدوة بالحركات الثلاث ششط الوادي وأصله من العدو التجاوز والقراءة المشهورة الضم والكسر وهو قراءة ابن كثير . وأبي عمرو . ويعقوب .

وقرأ الحسن . وزيد بن علي وغيرهما بالفتح وكلها لغات بمعنى ولا عبرة بإنكار بعضها و { الدنيا } تأنيث الأدنى أي إذ أنتم نازلون بشفير الوادي الأقرب إلى المدينة { وَهُمْ } أي المشركون { بالعدوة القصوى } أي البعدى من المدينة وهو تأنيث الأقصى ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما { *القصيا } ومن قواعدهم أن فعلى من ذوات الواو إذا كان اسماً تبدل لامه ياء كدنيا فإنه من دنا يدنو إذا قرب ، ولم يبدل من قصوى على المشهور لأنه بحسب الأصل صفة ولم يبدل فيها للفرق بين الصفة والاسم ، وإذا اعتبر غلبته وأنه جرى مجرى الأسماء الجامدة قيل قصيا وهي لغة تميم والأولى لغة أهل الحجاز ، ومن أهل التصريف من قال : إن اللغة الغالبة العكس فإن كانت صفة أبدلت اللام نحو العليا وإن كانت اسماً أقرت نحو حزوى ؛ قيل : فعلى هذا القصوى شاذة والقياس قصيا ، وعنوا بالشذوذ مخالفة القياس لا الاستعمال فلا تنافي الفصاحة ، وذكروا في تعليل عدم ازبدال بالفرق أنه إنما لم يعكس الأمر وإن حصل به الفرق أيضاً لأن الصفة أثقل فأبقيت على الأصل الأخف لثقل الانتقال من الضمة إلى الياء ، ومن عكس أعطى الأصل للأصل وهو الاسم وغير في الفرع للفرق { القصوى والركب } أي العير أو أصحابها أبو سفيان وأصحابه وهو اسم جمع راكب لا جمع على الصحيح { أَسْفَلَ مِنكُمْ } أي في مكان أسفل من مكانكم يعني ساحل البحر ، وهو نصب على الظرفية وفي «الأصل » صفة للظرف كما أرنا إليه ولهذا انتصب انتصابه وقام مقامه ولم ينسلخ عن الوصفية خلافاً لبعضهم وهو واقع موقع الخبر ، وأجاز الفراء . والأخفش رفعه على الاتساع أو بتقدير موضع الركب أسفل ، والجملة عطف على مدخول إذ ، أي إذ أنتم الخ وإذ الركب الخ .

واختار الجمهور أنها في موضع الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور قبل ، ووجه الإطناب في الآية مع حصول المقصود بأن يقال : يوم الفرقان يوم النصر والظفر على الأعداء مثلاً تصوير ما بدر سبحانه من أمر وقعة بدر والامتنان والدلالة على أنه من الآيات الغر المحجلة وغير ذلك وهذا مراد الزمخشري بقوله فائدة هذا التوقيت ، وذكر مراكز الفريقين وأن العير كان أسفل منهم الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدو وشوكته . وتكامل عدته وتمهد أسباب العدة له وضعف شأن المسلمين والتباث أمرهم وإن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعاً من الله تعالى ودليلاً على أن ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله سبحانه وقوته وباهر قدرته ، وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضاً لا بأس بها ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار تسوخ فيها الأرجل وكانت العير وراء ظهر العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وتشحذ في المقاتلة عنها نياتهم وتوطن نفوسهم على أن لا يبرحوا مواطنهم ولا يخلو مراكزهم ويبذلوا منتهى نجدتهم وقصارى شدتهم وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر تلك الوقعة ، وليس السؤال عن فائدة الإخبار بما هو معلوم للمخاطب ليكون الجواب بأن فائدته لازمة كما ظنه غير واحد لما لا يخفى ، وعلى هذا الطرز ذكر قوله تعالى : { وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد } أي لو تواعدتم أنتم وهم القتال وعلمتم حالهم وحالكم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة منهم ويأساً من الظفر عليهم ، وجعل الضمير الأول شاملاً للجمعين تغليباً والثاني للمسلمين خاصة هو المناسب للمقام إذ القصد فيه إلى بيان ضعف المسلمين ونصرة الله تعالى لهم مع ذلك ، والزمخشري جعله فيهما شاملاً للفريقين لتكون الضمائر على وتيرة واحدة من غير تفكيك على معنى لو تواعدتم أنتم وأهل مكة لخالف بعضكم بعضاً فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من تهيب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فلم يتفق لكم من التلاقي ما وفقه الله تعالى من التلاقي وسبب له ولا يخفى عدم مناسبته ، وأمر التفكيك سهل { ولكن } تلاقيتم على غير موعد { لّيَقْضِيَ الله أَمْراً } وهو نصر المؤمنين وقهر أعدائهم { كَانَ مَفْعُولاً } أي كان واجباً أن يفعل بسبب الوعد المشار إليه بقوله سبحانه :

{ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين } [ الروم : 47 ] أو كان مقدراً في الأزل .

وقيل : كان بمعنى صار الدالة على التحول أي صار مفعولاً بعد أن لم يكن ، وقوله سبحانه : { لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } بدل من { لّيَقْضِيَ } بإعادة الحرف أو متعلق بمفعولاً .

وجوز أبو البقاء أيضاً تعلقه بيقضي ، واستطيب الطيبي الأول ، والمراد بالبينة الحجة الظاهرة ، أي ليموت من يموت عن حجة عاينها ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها فلا يبقى محل للتعلل بالأعذار ، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة والحجج الغر المحجلة ، ويجوز أن يراد بالحياة الإيمان وبالموت الكفر استعارة أو مجازاً مرسلاً ، وبالبينة إظهار كمال القدرة الدالة على الحجة الدافعة أي ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة ، وإلى هذا ذهب قتادة . ومحمد بن إسحاق ، قيل : والمراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة أو من هذا حاله في علم الله تعالى وقضائه ، والمشارفة في الهلاك ظاهرة ، وأما مشارفة الحياة فقيل : المراد بها الاستمرار على الحياة بعد الوقعة ، وإنما قيل ذلك : لأن من حي مقابل لمن هلك ، والظاهر أن { عَنْ } بمعنى بعد كقوله تعالى :

{ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نادمين } [ المؤمنون : 40 ] ، وقييل : لما لم يتصور أن يهلك في الاستقبال من هلك في الماضي حمل من هلك على المشارفة ليرجع إلى الاستقبال ، وكذا لما لم يتصور أن يتصف بالحياة المستقبلة من اتصف بها في الماضي حمل على ذلك لذلك أيضاً ، لكن يلزم منه أن يختص بمن لم يكن حياً إذ ذاك فيحمل على دوام الحياة دون الاتصاف بأصلها ، فيكون المعنى لتدوم حياة من أشرف لدوامها ، ولا يجوز أن يكون المعنى لتدوم حياة من حي في الماضي لأن ذلك صادق على من هلك فلا تحصل المقابلة إلا أن يخصص باعتبارها ، وتكلف بعضهم لتوجيه المضي والاستقبال بغير ما ذكر مما لا يخلو عن تأمل ، واعتبار المضي بالنظر إلى علم الله تعالى وقضائه والاستقبال بالنظر إلى الوجود الخارجي مما لا غبار عليه ، و { عَنْ } لا يتعين كونها بمعنى بعد بل يمكن أن تبقى على معنى المجاوزة الذي لم يذكر البصريون سواه .

ونظير ذلك قوله تعالى : { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ } [ هود : 53 ] بناءً على أن المراد ما نتركها صادرين عن قولك كما هو رأي البعض ، ويمكن أن تكون بمعنى على كما في قوله تعالى : { فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } [ محمد : 38 ] وقول ذي الأصبع :

لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب *** عني ولا أنت دياني فتخزوني

وقرأ الأعمش { لِيُهْلِكَ } بفتح العين ، وروي ذلك عن عاصم وهي على ما قال ابن جني في «المحتسب » شاذة مرغوب عنها لأن الماضي هلك بالفتح ولا يأتي فعل يفعل إلا إذا كان حرف الحلق في العين أو اللام فهو من اللغة المتداخلة .

وفي «القاموس » أن هلك كضرب ومنع وعلم وهو ظاهر في جواز الكسر والفتح في الماضي والمضارع .

نعم المشهور في الماضي الفتح وفي المضارع الكسر ، وقرأ ابن كثير . ونافع . وأبو بكر . ويعقوب { حَىّ } بفك الإدغام قال أبو البقاء : وفيه وجهان أحدهما : الحمل على المستقبل وهو يحيى فكما لم يدغم فيه لم يدغم في الماضي . والثاني : أن حركة الحرفين مختلفة فالأول مكسور والثاني مفتوح واختلاف الحركتين كاختلاف الحرفين ، ولذلك أجازوا في الاختيار ضبب البلد إذا كثر ضبه ، ويقوي ذلك أن الحركة الثانية عارضة فكأن الياء الثانية ساكنة ولو سكنت لم يلزم الإدغام فكذلك إذا كانت في تقدير الساكن ، والياآن أصل وليست الثانية بدلاً من واو ، وأما الحيوان فالواو فيه بدل من الياء ، وأما الحواء فليس من لفظ الحية بل من حوى يحوي إذا جمع { وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي بكفر من كفر وعقابه وإيمان من آمن وثوابه ، ولعل الجمع بين الوصفين لاشتمال الكفر والإيمان على الاعتقاد والقول ، أما اشتمال الإيمان على القول فظاهر لاشتراط إجراء الأحكام بكلمتي الشهادة ، وأما اشتمال الكفر عليه فبناءً على المعتاد فيه أيضاً .

( ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا } أي القريبة من مدينة العلم ومحل العقل الفرقاني { وَهُم بالعدوة القصوى } أي البعيدة من الحق { والراكب } أي ركب القوى الطبيعية الممتارة { وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } معشر الفريقين { وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ } اللقاء للمحاربة من طريق العقل دون طريق الرياضة { لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد } لكون ذلك أصعب من خرط القتاد { ولكن لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } قدراً محققاً فعل ذلك { لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ } وهي النفس الملازمة للبدن الواجب الفناء { وَيحْي مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } [ الأنفال : 42 ] وهي الروح المجردة المتصلة بعالم القدس الذي هو معدن الحياة الحقيقية الدائم البقاء ، وبينة الأول تلك الملازمة وبينة الثاني ذلك التجرد والاتصال

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (42)

{ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا ْ } أي : بعدوة الوادي القريبة من المدينة ، وهم بعدوته أي : جانبه البعيدة من المدينة ، فقد جمعكم واد واحد .

{ وَالرَّكْبُ ْ } الذي خرجتم لطلبه ، وأراد اللّه غيره { أَسْفَلَ مِنْكُمْ ْ } مما يلي ساحل البحر .

{ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ ْ } أنتم وإياهم على هذا الوصف وبهذه الحال { لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ ْ } أي : لا بد من تقدم أو تأخر أو اختيار منزل ، أو غير ذلك ، مما يعرض لكم أو لهم ، يصدفكم عن ميعادكم{[347]}

{ وَلَكِنْ ْ } اللّه جمعكم على هذه الحال { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ْ } أي : مقدرا في الأزل ، لا بد من وقوعه .

{ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ْ } أي : ليكون حجة وبينة للمعاند ، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه ، فلا يبقى له عذر عند اللّه .

{ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ْ } أي : يزداد المؤمن بصيرة ويقينا ، بما أرى اللّه الطائفتين من أدلة الحق وبراهينه ، ما هو تذكرة لأولي الألباب .

{ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ْ } سميع لجميع الأصوات ، باختلاف اللغات ، على تفنن الحاجات ، عليم بالظواهر والضمائر والسرائر ، والغيب والشهادة .


[347]:- في ب: عن ميعادهم.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (42)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم أخبر المؤمنين عن حالهم التي كانوا عليها، فقال: أرأيتهم معشر المؤمنين: {إذ أنتم بالعدوة الدنيا}، يعنى من دون الوادي على شاطئ مما يلي المدينة، {وهم بالعدوة القصوى} من الجانب الآخر مما يلي مكة، يعنى مشركي مكة، فقال: {والركب أسفل منكم}، يعنى على ساحل البحر أصحاب العير أربعين راكبا أقبلوا من الشام إلى مكة فيهم: أبو سفيان، وعمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل {ولو تواعدتم} أنتم والمشركون، {لاختلفتم في الميعاد ولكن} الله جمع بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد، أنتم ومشركو مكة {ليقضى الله أمرا} في علمه، {كان مفعولا} يقول: أمرا لا بد كائنا؛ ليعز الإسلام وأهله، ويذل الشرك وأهله.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: أيقنوا أيها المؤمنون واعلموا أن قسم الغنيمة على ما بينه لكم ربكم إن كنتم آمنتم بالله وما أنزل على عبده يوم بدر، إذ فرق بين الحقّ والباطل من نصر رسوله، "إذْ أنْتُمْ "حينئذ "بالعُدْوةِ الدّنْيا" يقول: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، "وَهُمْ بالعُدْوَةِ القُصْوَى" يقول: وعدوّكم من المشركين نزول بشفير الوادي الأقصى إلى مكة، "وَالرّكْبُ أسْفَلَ مِنْكُمْ" يقول: والعير فيها أبو سفيان وأصحابه في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر.

"وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أمْرا كانَ مَفْعُولاً"

يعني تعالى ذكره: ولو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه أنتم أيها المؤمنون وعدوّكم من المشركين عن ميعاد منكم ومنهم، لاختلفتم في الميعاد لكثرة عدد عدوّكم وقلة عددكم ولكن الله جمعكم على غير ميعاد بينكم وبينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولاً، وذلك القضاء من الله كان نصره أولياءه من المؤمنين بالله ورسوله، وهلاك أعدائه وأعدائهم ببدر بالقتل والأسر... "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيّنَةٍ وَيحْيا مَنْ حَيّ عَنْ بَيّنَةٍ وَإنّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ"

يقول تعالى ذكره: ولكن الله جمعهم هنالك ليقضي أمرا كان مفعولاً، "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيّنَةٍ". وهذه اللام في قوله: "لِيَهْلِكَ" مكررة على اللام في قوله: "لِيَقْضِيَ" كأنه قال: ولكن ليهلك من هلك عن بينة، جَمَعَكُمْ.

ويعني بقوله: "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيّنَةٍ" ليموت من مات من خلقه عن حجة لله قد أثبتت له وقطعت عذره، وعبرة قد عاينها ورآها. "وَيحْيا مَنْ حَيّ عَنْ بَينَةٍ" يقول: وليعيش من عاش منهم عن حجة لله قد أثبتت له وظهرت لعينه فعلمها، جمَعنا بينكم وبين عدوكم هنالك.

وقال ابن إسحاق في ذلك...: "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيّنَةٍ" لما رأى من الآيات والعبر، ويؤمن من آمن على مثل ذلك.

وأما قوله: "وَإنّ اللّهَ لَسَمِيِعٌ عَلِيمٌ" فإن معناه: وإن الله أيها المؤمنون لسميع لقولكم وقول غيركم حين يرى الله نبيه في منامه، ويريكم عدوكم في أعينكم قليلاً وهم كثير، ويراكم عدوكم في أعينهم قليلاً، عليم بما تضمره نفوسكم وتنطوي عليه قلوبكم، حينئذ وفي كل حال. يقول جلّ ثناؤه لهم ولعباده: واتقوا ربكم أيها الناس في منطقكم أن تنطقوا بغير حقّ، وفي قلوبكم أن تعتقدوا فيها غير الرشد، فإن الله لا يخفى عليه خافية من ظاهر أو باطن.

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

قوله تعالى: (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد) إما للخروج نفسه وإما للميعاد نفسه؛ أتخرجون، أو لا تخرجون؟ أو منكم من يؤخر الخروج عن وقت الميعاد، ومنكم من لا يخرج رأسا ليقضي ذلك.

وقوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً)... لينجز الله ما كان وعد من الظفر والنصر...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

يخبر -سبحانه- أنَّ ما جرى يَومَ بدرٍ من القتال، وما حَصَلَ من فنون الأحوال كان بحكم التقدير، لا بما يحصل من الخَلْق من التدبير، أو بحكم تقتضيه رَوِيَّةُ التفكير. بل لو كان ذلك على اختيار وتَوَاعُد، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتَبَاعدُ، فجرى على ما جرى ليقضِيَ الله أمراً كان مقضيًّا، وحصل من الأمور ما سَبَقَ به التقدير. قوله جلّ ذكره: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَي عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}. أي ليُضِلَّ منْ زاغ عن الحقِّ بعد لزومه الحجة، ويهتديَ مَنْ أقام على الحقِّ بعد وضوح الحُجَّة. ويقال الحقُّ أوْضَحَ السبيلَ ونَصَبَ الدليلَ، ولكن سَدَّ بصائرَ قومٍ عن شهود الرشد، وَفَتح بصائرَ آخرين لإدراك طرق الحق.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين «وأن العير كانت أسفل منهم»؟ قلت: الفائدة فيه الإخبار عن الحال الدالة على قوة شأن العدوّ وشوكته، وتكامل عدّته، وتمهد أسباب الغلبة له، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم وأنّ غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إلا صنعاً من الله سبحانه، ودليلاً على أنّ ذلك أمر لم يتيسر إلا بحوله وقوّته وباهر قدرته... وفيه تصوير ما دبر سبحانه من أمر وقعة بدر.

{لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} يعلم كيف يدبر أموركم ويسوي مصالحكم، أو لسميع عليم بكفر من كفر وعقابه، وبإيمان من آمن وثوابه.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... {ليهلك} أي ليكفر {ويحيى} أي ليؤمن. والمعنى أن الله تعالى جعل قصة بدر عبرة وآية ليؤمن من آمن عن وضوح وبيان، ويكفر أيضاً من كفر عن مثل ذلك.

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

وفي حديث كعب بن مالك قال: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عِيرَ قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ} أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به {عَلِيمٌ} أي: بكم وأنكم تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما ذكر لهم يوم ملتقاهم، صور لهم حالتهم الموضحة للأمر المبينة لما كانوا فيه من اعترافهم بالعجز تذكيراً لهم بذلك ردعاً عن المنازعة ورداً إلى المطاوعة فقال مبدلاً من {يوم الفرقان} {إذ أنتم} نزول {بالعدوة الدنيا} أي القربى إلى المدينة {وهم} أي المشركون نزول {بالعدوة القصوى} أي البعدى منها القريبة إلى البحر،... والعدوة -بالكسر في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب، وبالضم في قراءة غيرهم: جانب الوادي وشطه، ومادتها- بأي ترتيب كان -تدور على الاضطراب ويلزمه المجاورة والسكون والإقبال والرجوع والاستباق والمحل القابل لذلك، فكأنها الموضع الذي علا عن محل فكان السيل موضعاً للعدو {والركب} أي العير الذي فيه المتجر الذي خرجتم لاقتطاعه ورئيس جماعته أبو سفيان، ونصب على الظرف قوله: {أسفل منكم} أي أيها الجمعان إلى جانب البحر على مدى من قرية تكادون تقعون عليه وتمدون أيديكم إليه مسافة ثلاثة أميال- كما قال البغوي، وهو كان قصدكم وسؤلكم، فلو كانت لكم قوة على طرقه لبادرتم إلى الطرف وغالبتم عليه الحتف، ولكن منعكم من إدراك مأمولكم منه من كان جاثماً بتلك العدوة جثوم الأسد واثقاً بما هو فيه من القوى والعدد كما قال صلى الله عليه وسلم لسلمة بن سلامة بن وقش رضي الله عنه -لما قال في تحقيرهم بعد قتلهم وتدميرهم: إن وجدنا إلا عجائز صلعاً، ما هو إلا أن لقيناهم فمنحونا أكتافهم- جواباً له "أولئك يا ابن أخي الملأ لو رأيتهم لهبتهم ولو أمروك لأطعتهم "مع استضعافكم لأنفسكم عن مقاومتهم لولا رسولنا يبشركم وجنودنا تثبتكم، وإلى مثل هذه المعاني أشار تصوير مكانهم ومكان الركب إيماء إلى ما كان فيه العدو من قوة الشوكة وتكامل العدة وتمهد أسباب الغلبة وضعف حال المسلمين وأن ظفرهم في مثل هذا الحال ليس إلا صنعاً من الله. {ولو تواعدتم} أي أنتم وهم على الموافاة إلى تلك المواضع في آن واحد {لاختلفتم في الميعاد} أي لأن العادة قاضية بذلك لأمرين: أحدهما بعد المسافة التي كنتم بها منها وتعذر توقيت سير كل فريق بسير صاحبه، والثاني كراهتكم للقائهم لما وقر في أنفسهم من قوتهم وضعفكم، وقد كان الذي كرّه إليكم لقاءهم قادر على أن يكره إليهم لقاءكم، فيقع الاختلاف من جهتهم كما كان في بدر الموعد، وأما في هذه الغزوة فدعاهم من حماية غيرهم داع لم يستطيعوا التخلف معه، وطمس الله بصائرهم وقسى قلوبهم مع قول أبي جهل الذي كان السبب الأعظم في اللقاء لمن عرض عليه المدد بالسلاح والرجال: إن كنا نقاتل الناس فما بنا ضعف عنهم، وإن كنا إنما نقاتل -كما يزعم محمد- الله، فما لأحد بالله من طاقة، وقوله أيضاً في هذه الغزوة للأخنس بن شريق: إن محمداً صادق وما كذب قط. فعل الله ذلك لما علم في ملاقاتهم لكم من إعلاء كلمته وإظهار دينه {ولكن} أي دبر ذلك سبحانه حتى توافيتم إلى موطن اللقاء كلكم في يوم واحد من غير ميعاد ولم تختلفوا في موافاة ذلك الموضع مع خروج ذلك عن العادة لكونه أتقن أسبابه، فأطمعكم في العير أولاً مع ما أنتم فيه من الحاجة ثم وعدكم إحدى الطائفتين مبهماً وأخرج قريشاً لحماية عيرهم إخراجاً لم يجدوا منه بداً، ولما نجت عيرهم أوردهم الرياء والسمعة والبطر بما هم فيه من الكثرة والقوة كما قال أبو جهل: لا نرجع حتى نرد بدراً فننحر بها الجزور ونشرب الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم من حضرنا من العرب فلا يزالون يهابوننا مدى الزمان -{ليقضي الله} أي الذي له جميع الأمر من إعزاز دينه بإعزازكم وإذلالهم {أمراً كان} كما تكون الجبلات والطبائع في التمكن والتمام {مفعولاً} أي مقدراً في الأزل من لقائهم وما وقع فيه من قتلهم وأسرهم على ذلك الوجه العظيم فهو مفعول لا محالة ليتبين به أيمان من آمن باعتماده على الله وتصديقه بموعده وكفر من كفر.

ولما علل ذلك التدبير في اللقاء بقوله: {ليقضي الله} علل تلك العلة بقوله: {ليهلك} أي بعد رؤية ذلك القضاء الخارق للعادة {من هلك} أي من الفريقين: الكفار في حالة القتال وبعدها، والمسلمين هلاكاً متجاوزاً وناشئاً {عن} حالة {بينة} لما بان من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الوقعة في كل ما وعد به وكذب الكفار في كل ما كانوا يقولونه قاطعين به مع أن ظاهر الحال يقضي لهم، فكان ذلك من أعظم المعجزات {ويحيى من حيّ} أي بالإسلام حياة هي في أعلى الكمال بما تشير إليه قراءة نافع والبزي عن ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بإظهار الياءين، أو في أدنى الكمال بما يشير إليه إدغام الباقين تخفيفاً حياة متجاوزة وناشئة {عن} حالة {بينة} أي كائنة بعد البيان في كون الكافرين على باطل والمؤمنين على حق لما سيأتي من أنهم كانوا يقولون

{غر هؤلاء دينهم} [الأنفال: 49] فحينئذ تبين المغرور وكشفت عجائب المقدور عن أعين القلوب المستور.

ولما كان التقدير: فإن الله في فعل ذلك لعزير حكيم، عطف عليه قوله: {وإن الله لسميع} أي لما كنتم تقولونه وغيره {عليم} بما كنتم تضمرونه وغيره فاستكينوا لعظمته وارجعوا عن منازعتكم لخشيته.

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

وقوله: {كان مفعولا} أي حقيقا بأن يفعل. وقيل: {كان} بمعنى {صار} أي صار مفعولا، بعد أن لم يكن. وقيل: إنه عبر به عنه لتحققه حتى كأنه مضى وقوله تعالى: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} أي إنما جمعكم مع عدوكم في مكان واحد على غير ميعاد، لينصركم عليهم ويرفع حجة الحق على الباطل ليصير الأمر ظاهرا والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك من هلك، أي يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره، أنه مبطل لقيام الحجة عليه. ويؤمن من آمن عن حجة وبصيرة ويقين، بأنه دين الحق الذي يجب الدخول فيه، والتمسك به، وذلك أن ما كان من وقعة (بدر) من الآيات الغر المحجلة، التي من كفر بعدها، كان مكابرا لنفسه مغالطا لها.

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

... {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} أي فعل ذلك ليترتب على قضاء هذا الأمر أن يهلك من هلك من الكفار عن حجة بينة مشاهدة بالبصر على حقية الإسلام، بإنجاز وعده تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، بحيث تنفي الشبهة، وتقطع لسان الاعتذار عند الله عن إجابة الدعوة، ويحيا من حي من المؤمنين عن بينة قطعية حسية كذلك فيزدادوا يقينا بالإيمان، ونشاطا في الأعمال...

{وإن الله لسميع عليم} لا يخفى عليه شيء من أقوال أهل الإيمان والكفر ولا من عقائدهم وأفعالهم، فهو يسمع ما يقول كل فريق من الأقوال الصادرة عن عقيدته، والأعذار التي يعتذر بها عن تقصيره في أعماله، عليم بما يخفيه ويكنه من ذلك وغيره، فيجازي كلا بحسب ما يعلم وما يسمع منه.

وجملة القول: إن هذا الفرقان الذي رتبه الله على غزوة بدر قامت به حجة الله البالغة للمؤمنين بنصرهم كما بشرهم صلى الله عليه وسلم، وهي حجته البالغة على الكافرين بخذلانهم وانكسارهم كما أنذرهم صلى الله عليه وسلم، إذ لا مجال للمكابرة فيها ولا للتأويل.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وهنا يعود السياق إلى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.. يعود إلى المعركة، فيعيد عرضها بأسلوب عجيب في استحضار مشاهدها ومواقفها، كما لو كانت معروضة فعلاً، ويكشف عن تدبير الله في إدارتها. حتى ليكاد الإنسان يرى يد الله -سبحانه- من وراء الأحداث والحركات كما يكشف عن غاية ذلك التدبير التي تحققت كما أرادها الله سبحانه...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

... والغرض من التقييد بهذا الوقت، وبتلك الحالة: إحضارها في ذكْرهم، لأجل ما يلزم ذلك من شكر نعمة الله، ومن حسن الظنّ بوعده والاعتماد عليه في أمورهم، ومعنى {أمراً} هنا الشيء العظيم، فتنكيره للتعظيم المعنى: لينجز الله ويوقع حدثاً عظيماً متّصفاً منذ القدم بأنّه محقّق الوقوع عند إبّانه، أي حقيقاً بأن يُفعل حتّى كأنّه قد فعل لأنّه لا يمنعه ما يحفّ به من الموانع المعتادة.