روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

سورة الروم

مكية كما روى عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم بل قال ابن عطية : وغيره : لا خلاف في مكيتها ولم يستثنوا منها شيئا وقال الحسن : هي مكية إلا قوله تعالى : ( فسبحان الله حين تمسون ) الآية وهو خلاف مذهب الجمهور والتفسير المرضى كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه وآيها ستون وعند بعض تسع وخمسون ووجه اتصالها بالسورة السابقة على ما قاله الجلال السيوطي إنها ختمت بقوله تعالى : ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) وافتتحت هذه بوعد من غلب من أهل الكتاب بالغلبة والنصر وفرح المؤمنين بذلك وأن الدولة لأهل الجهاد فيه ولا يضرهم ما وقع لهم قبل ذلك من هزيمة هذا مع توخيها لما قبلها في الافتتاح بالم ولا يخفى أن قتال أهل الكتاب ليس من المجاهدة في الله عز وجل وبذلك تضعف المناسبة ومن وقف على أخبار سبب النزول ظهر له أن ما افتتحت به هذه السورة متضمنا نصرة المؤمنين بدفع شماتة أعدائهم المشركين وهم لم يزالوا مجاهدين في الله تعالى ولأجله ولوجهه عز وجل ولا يضر عدم جهادهم بالسيف عند النزول وهذا في المناسبة أوجه فيما أرى من الوجه الذي ذكره الجلال فتأمل

بسْم الله الرحمن الرَّحيم { الم } الكلام فيه كالذي مر في أمثاله من الفواتح الكريمة .

ومن باب الإشارة : في الآيات : { الم غُلِبَتِ الروم فِي أَدْنَى الأرض وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ } [ الروم : 1- 3 ] إلى آخره ، قيل : الألف إشارة إلى ألفة طبع المؤمنين واللام إلى لؤم طبع الكافرين والميم إلى مغفرة رب العالمين جل شأنه ، والروم إشارة إلى اقلب ، وفارس المشار إليهم بالضمير النائب عن الفاعل إشارة إلى النفس ، والمؤمنون إشارة إلى الروح والسر والعقل ، ففي الآية إشارة إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة ويغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله تعالى ونصره سبحانه تارة أخرى وذلك في بعض سنين من أيام الطلب ويومئذ يفرح المؤمنون الروح والسر والعقل ، وعلى هذا المنهاج سلك النيسابوري .

   
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{الٓمٓ} (1)

مقدمة السورة:

تفسير سورة الروم

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة وتمهيد

1- سورة الروم هي السورة الثلاثون في ترتيب المصحف أما ترتيبها في النزول فهي السورة الثانية والثمانون ، وقد كان نزولها بعد سورة الانشقاق .

2- وقد افتتحت بالحديث عن قصة معينة ، وهي قصة الحروب التي دارت بين الفرس والروم ، والتي انتهت في أول الأمر بانتصار الفرس ، ثم كان بعد ذلك للروم .

قال –تعالى- : [ الم . غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون . وفي بضع سنين ، لله الأمر من قبل ومن بعد ، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ] .

3- ثم وبخت السورة الكريمة الكافرين ، لعدم تفكرهم في أحوال أنفسهم ، وفي أحوال السابقين الذين كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا ، وتوعدتهم بسوء المصير بسبب انطماس بصائرهم ، وإعراضهم عن دعوة الحق ، ووعدت المؤمنين بحسن الجزاء .

قال –تعالى- : [ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون . فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون . وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ، فألئك في العذاب محضرون ] .

4- ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك اثني عشر دليلا على وحدانية الله –تعالى- وقدرته ، وقد بدئت هذه الأدلة بقوله –تعالى- : [ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ، ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ، وجعل بينكم مودة ورحمة ، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون . ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن في ذلك لآيات للعالمين . ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ] .

5- وبعد أن أقام –سبحانه- هذه الأدلة المتعددة على وحدانيته وقدرته ، أتبع ذلك بأن أمر الناس باتباع الدين الحق ، وبالإنابة إليه –تعالى- فقال : [ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، وذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون . منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ] .

6- ثم بين –سبحانه- أحوال الناس في السراء والضراء ، ودعاهم إلى التعاطف والتراحم ، ونفرهم من تعاطي الربا ، فقال –تعالى- : [ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ، ذلك خير للذين يريدون وجه الله ، وأولئك هم المفلحون . وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ] .

7- ثم ساق –سبحانه- بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، وبين الآثار السيئة التي تترتب على جحود هذه النعم ، ودعا الناس للمرة الثانية إلى اتباع الدين القيم ، الذي لا يقبل الله –تعالى- دينا سواء ، فقال –تعالى- : [ فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصَّدَّعون . من كفر فعليه كفره ، ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ] .

8- ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة الله في الرياح وفي إرسال الرسل ، وأمر كل عاقل أن يتأمل في آثار هذه النعم ، ليزداد إيمانا على إيمانه ، فقال –تعالى- [ فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها ، إن ذلك لمحيي الموتى ، وهو على كل شيء قدير ] .

9- ثم ختم –سبحانه- السورة الكريمة ببيان أهوال الساعة ، وحكى أقوال أهل العلم والإيمان ، في ردهم على المجرمين عندما يقسمون أنهم ما لبثوا في هذه الدنيا سوى ساعة واحدة ، وأمر –سبحانه- نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر على أذى أعدائه ، فقال –تعالى- : [ فاصبر إن وعد الله حق ، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ] .

10- وهكذا نجد أن سورة " الروم " قد أفاضت في الحديث عن الأدلة المتعددة ، التي تشهد بوحدانية الله –تعالى- وقدرته ، كما تشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، وبأن يوم القيامة حق وصدق ، كما ساقت آيات متعددة في المقارنة بين مصير الأخيار ، ومصير الأشرار ، ودعت الناس إلى الثبات على الدين الحق . وهو دين الإسلام ، كما حضت على التعاطف والتراحم بين المسلمين ، ونهت عن تعاطي الربا ، لأنه لا يربو عند الله –تعالى- ، وإنما الذي يعطي من صدقات هو الذي يربو عند الله –عز وجل- كما ذكرت أنواعا من النعم التي أنعم الله –تعالى- بها على عباده ، وأمرتهم بشكره –سبحانه- عليها ، لكي يزيدهم من فضله .

هذه أهم المقاصد التي اشتملت عليها السورة الكريمة ، وهناك مقاصد أخرى يراها من يتدبر هذه السورة الكريمة ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

د . محمد سيد طنطاوي

سورة الروم من السور التى افتتحت بعض حروف التهجى ، وقد ذكرنا فى أكثر من سورة آراء العلماء فى هذه الحروف ، ورجحنا أن هذه الحروف قد ذكرها - سبحانه - فى افتتاح بعض السور القرآنية ، للتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله ، لأن الله - تعالى - قد أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بمثل الحروف التى ينطق بها المشركون ، ومع ذلك فهم أعجز من أن يأتوا بسورة من مثله .