روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ} (13)

{ وَكَأَيّن } بمعنى كم الخبرية وهي مبتدأ ، وقوله تعالى : { مِن قَرْيَةٍ } تمييز لها ، وقوله سبحانه : { هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ } صفة لقرية كما أن قوله عز وجل : { التي أَخْرَجَتْكَ } صفة لقريتك ، وقد حذف عنهما المضاف وأجرى أحكامه عليهما كما يفصح عنه الخبر الذي هو قوله تعالى : { أهلكناهم } أي وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك الذين أخرجوك أهلكناهم بأنواع العذاب ، وجوز أن لا يكون هناك حذف وإنما أطلق المحل وأريد الحال مجازاً ، وإسناد الإخراج إلى أهل قريته صلى الله عليه وسلم وهي مكة المكرمة مجاز من باب الإسناد إلى السبب لأنهم عاملوه صلى الله عليه وسلم بما عاملوه فكانوا بذلك سبباً لإخراجه حين أذن الله تعالى له عليه الصلاة والسلام بالهجرة منها ، ونظير ذلك أقدمني بلدك حق لي عليك . وأنت تعلم أنه على ما حققه الأجلة بحتمل أوجهاً ثلاثة . مجازاً في الإسناد إذا كان الإقدام مستعملاً في معناه الذي وضع له وإن كان موهوماً . ومجازاً في الطرف إذا كان مستعملاً في معنى الحمل على القدوم . واستعارة باكلناية إن كان الحق مستعملاً في المقدم ، والشيخ يقول في مثل ذلك : إن الفعل المتعدي موهوم لا فاعل له ليصير الإسناد إليه حقيقة فلا إقدام مثلاً في قصد المتكلم وإنما هو تصوير القدوم بصورة الإقدام ، وإسناده إلى الحق المصور بصورة المقدم مبالغة في كونه داعياً للقدوم ، وارتضاه السالكوتي في «حواشي شرح مختصر التلخيص » وذب عنه القال والقيل ، وتمام الكلام هناك ، والكلام في الآية على طرز ذاك ، ووصف القرية الأولى بشدة القوة للإيذان بأولوية الثانية منها بالإهلاك لضعف قوتها كما أن وصف الثانية بإخراجه عليه الصلاة والسلام للإيذان بأولو يتهابه لقوة جنايتها ، وعلى طريقته قول النابغة :

كليب لعمري كان أكثر ناصرا *** وأيسر جرماً منك ضرح بالدم

/ وقوله تعالى : { فَلاَ ناصر لَهُمْ } بيان لعدم خلاصهم بواسطة الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم ، والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على ذكر ما بالذات وخو حكاية حال ماضية كما في قوله تعالى : { فأغشيناهم فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } [ يس : 9 ] ولا نسلم أن اسم الفاعل إذا لم يعمل حقيقة في الماضي ، والآية تسلية له صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج عبد بن حميد . وأبو يعلى . وابن جرير . وابن أبي حاتم . وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال : " أنت أحب بلاد الله تعالى إلى الله وأنت أحب بلاد الله تعالى إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج منك " فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه أو قتل غير قاتله أو قتل بدخول أهل الجاهلية فأنزل الله سبحانه { وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } الخ ، وقد تقدم ما يتعلق بذلك أول السورة فتذكر .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ} (13)

{ 13 } { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ }

أي : وكم من قرية من قرى المكذبين ، هي أشد قوة من قريتك ، في الأموال والأولاد والأعوان ، والأبنية والآلات .

{ أهلكناهم } حين كذبوا رسلنا ، ولم تفد فيهم المواعظ ، فلا نجد لهم{[785]}  ناصرا ، ولم تغن عنهم قوتهم من عذاب الله شيئا .

فكيف حال هؤلاء الضعفاء ، أهل قريتك ، إذ أخرجوك عن وطنك وكذبوك ، وعادوك ، وأنت أفضل المرسلين ، وخير الأولين والآخرين ؟ !

أليسوا بأحق من غيرهم بالإهلاك والعقوبة ، لولا أن الله تعالى بعث رسوله بالرحمة والتأني بكل كافر وجاحد ؟


[785]:- في ب فلا تجد لهم ناصرا.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ} (13)

ثم سلى - سبحانه - نبيه عما أصابه منهم من أذى فقال : { وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ } .

وكلمة { كَأَيِّن } مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير ، ويكنى بها عن عدد مبهم فتحتاج إلى تميز بعدها . وهى مبتدأ . . وقوله : { أَهْلَكْنَاهُمْ } خبرها . و { مِّن قَرْيَةٍ } تمييز لها . والمراد بالقرية أهلها ، وهم مشركو قريش .

أى : وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التى أخرجوك منها - أيها الرسول الكريم - فترتب على فعلهم هذا أن أهلكناهم دون أن ينصرهم من عقابنا ناصر ، أو أن يجيرهم من عذابنا مجير .

قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة ، فى تكذيبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد المرسلين ، وخاتم النبيين .

روى ابن أبى حاتم ، بسنده - عن ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من مكة إلى الغار ، التفت إليها وقال : يا مكة : أنت أحب بلاد الله إلى الله وأنت أحب بلاد الله إلىَّ ، ولو أن المشركين لم يخرجونى لم أخرج منك . . فأنزل الله هذه الآية .