روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ} (157)

{ أَوْ تَقُولُواْ } عطف على { تَقُولُواْ } [ الأنعام : 156 ] . وقرىء كلاهما بالياء على الالتفات من خطاب { فاتبعوه واتقوا } [ الأنعام : 155 ] ويكون الخطاب الآتي بعد التفاتاً أيضاً ولا يخفى موقعه . قال القطب : إنه تعالى خاطبهم أولاً بما خاطبهم ثم لما وصل إلى حكاية أقوالهم الرديئة أعرض عنهم وجرى على الغيبة كأنهم غائبون ثم لما أراد سبحانه توبيخهم بعد خاطبهم فهو التفات في غاية الحسن .

{ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب } كما أنزل عليهم { لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } أي الحق الذي هو المقصد الأقصى أو إلى ما فيه من الأحكام والشرائع لأنا أجود أذهاناً وأثقب فهماً { فَقَدْ جَاءكُمُ } متعلق بمحذوف ينبىء عنه الفاء الفصيحة إما معلل به أو شرط له أي لا تعتذروا بذلك فقد جاءكم الخ ، أو إن صدقتم فيما ( كنتم ) تعدون من أنفسكم على تقدير نزول الكتاب عليكم فقد حصل ما فرضتم وجاءكم { بَيّنَةً } حجة جليلة الشأن واضحة تعرفونها لظهورها وكونها بلسانكم كائنة { مّن رَّبّكُمْ } على أن الجار متعلق بمحذوف وقع صفة { بَيّنَةً } ويصح تعلقه بجاءكم . وأياً ما كان ففيه دلالة على فضلها الإضافي مع الإشارة إلى شرفها الذاتي ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم ما لا يخفى من مزيد التأكيد لإيجاب الاتباع .

{ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } عطف على { بَيّنَةً } وتنوينهما كتنوينهما للتفخيم ، والمراد بجميع ذلك القرآن ، وعبر عنه بالبينة أولاً إذاناً بكمال تمكنهم من دراسته وبالهدى والرحمة ثانياً تنبيهاً على أنه مشتمل على ما اشتمل عليه التوراة من هداية الناس ورحمتهم بل هو عين الهداية والرحمة . وفي «التفسير الكبير » «فإن قيل البينة والهدى واحد فما الفائدة في التكرير ؟ قلنا : القرآن بينة فيمايعلم سمعاً وهو هدى فيما يعلم سمعاً وعقلاً فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف » ولا يخفى ما فيه .

/ { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله } الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن مجيء القرآن الموصوف بما تقدم موجب لغاية أظلمية من يكذبه ، والمراد من الموصول أولئك المخاطبون ، ووضع موضع ضميرهم بطريق الالتفات تنصيصاً على اتصافهم بما في حيز الصلة وإشعاراً بعلة الحكم وإسقاطاً لهم عن رتبة الخطاب ، وعبر عما جاءهم بآيات الله تعالى تهويلاً للأمر . وقرىء { كَذَّبَ } بالتخفيف ، والجار الأول : متعلق بما عنده ، والثاني : يحتمل ذلك وهو الظاهر . ويحتمل أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً ، والمعنى كذب ومعه آيات الله تعالى { وَصَدَفَ عَنْهَا } أي أعرض غير مفكر فيها كما روي عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أو صرف الناس عنها فجمع بين الضلال والإضلال ، والفعل على الأول : لازم وعلى الثاني : متعد وهو الأكثر استعمالاً .

{ سَنَجْزِى الذين يَصْدِفُونَ عَنْ * ءاياتنا } وعيد لهم ببيان جزاء ( إعراضهم أو صدهم ) بحيث يفهم منه جزاء ( تكذيبهم ) ، ووضع الموصول موضع الضمير لتحقيق مناط الجزاء { سُوء العذاب } أي العذاب السيء الشديد ( النكاية ) ( 1 ) { بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } أي بسبب ما كانوا يفعلون الصدف ( والصرف ) ( 1 ) على التجدد والاستمرار ، وهذا تصريح بما أشعر به إجراء الحكم على الموصول من علية ما في حيز الصلة له .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ} (157)

{ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ } أي : إما أن تعتذروا بعدم وصول أصل الهداية إليكم ، وإما أن تعتذروا ، ب[ عدم ] كمالها وتمامها ، فحصل لكم بكتابكم أصل الهداية وكمالها ، ولهذا قال : { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } وهذا اسم جنس ، يدخل فيه كل ما يبين الحق { وَهُدًى } من الضلالة { وَرَحْمَةٌ } أي : سعادة لكم في دينكم ودنياكم ، فهذا يوجب لكم الانقياد لأحكامه والإيمان بأخباره ، وأن من لم يرفع به رأسا وكذب به ، فإنه أظلم الظالمين ، ولهذا قال : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا } أي : أعرض ونأى بجانبه .

{ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ } أي : العذاب الذي يسوء صاحبه ويشق عليه . { بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ } لأنفسهم ولغيرهم ، جزاء لهم على عملهم السيء { وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }

وفي هذه الآيات دليل على أن علم القرآن أجل العلوم وأبركها وأوسعها ، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم ، هداية تامة لا يحتاج معها إلى تخرص المتكلمين ، ولا إلى أفكار المتفلسفين ، ولا لغير ذلك من علوم الأولين والآخرين .

وأن المعروف أنه لم ينزل جنس الكتاب إلا على الطائفتين ، [ من ] اليهود والنصارى ، فهم أهل الكتاب عند الإطلاق ، لا يدخل فيهم سائر الطوائف ، لا المجوس ولا غيرهم .

وفيه : ما كان عليه الجاهلية قبل نزول القرآن ، من الجهل العظيم وعدم العلم بما عند أهل الكتاب ، الذين عندهم مادة العلم ، وغفلتهم عن دراسة كتبهم .