{ واعبد رَبَّكَ } دم على ما أنت عليه من عبادته سبحانه ، قيل : وفي الإظهار بالعنوان السالف آنفاً تأكيد لما سبق من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم والإشعار بعلة الأمر بالعبادة { حتى يَأْتِيَكَ اليقين } أي الموت كما روي عن ابن عمر . والحسن . وقتادة . وابن زيد ، وسمي بذلك لأنه متيقن اللحوق بكل حي ، وإسناد الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجه إلى الحي طالب للوصول إليه ، والمعنى دم على العبادة ما دمت حياً من غير إخلال بها لحظة ، وقال ابن بحر : اليقين النصر على الكافرين الذي وعده صلى الله عليه وسلم ، وأياً مّا كان فليس المراد به ما زعمه بعض الملحدين مما يسمونه بالكشف والشهود ، وقالوا : إن العبد متى حصل له ذلك سقط عنه التكليف بالعبادة وهي ليست إلا للمحجوبين ، ولقد مرقوا بذلك من الدين وخرجوا من ربقة الإسلام وجماعة المسلمين .
وذكر بعض الثقات أن هذا الأمر كان بعد الإسراء والعروج إلى السماء ، أفترى أنه صلى الله عليه وسلم لم يتضح له ليلتئذٍ صبح الكشف والشهود ولم يمن عليه باليقين عظيم الكرم والجود ؟ الله أكبر لا يتجاسر على ذلك من في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو رزق حبة خردل من عقل ينتظم به في سلك الإنسان ، وأيضاً لم يزل صلى الله عليه وسلم ما دام حياً آتياً بمراسم العبادة قائماً بأعباء التكليف لم ينحرف عن الجادة قدر حادة أفيقال : إنه لم يأته عليه الصلاة والسلام حتى توفي ذلك اليقين ولذلك بقي في مشاق التكليف إلى أن قدم على رب العالمين ؟ لا أرى أحداً يخطر له ذلك بجنان ولو طال سلوكه في مهامه الضلالة وبان . نعم ذكر بعض العلماء الكرام في قوله تعالى : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } [ الحجر : 97 ] الخ كلاماً متضمناً شيئاً مما يذكره الصوفية لكنه بعيد بمراحل عن مرام أولئك اللئام ، ففي «الكشف » أنه تعالى بعدما هدم قواعد جهالات الكفرة وأبرق وأرعد بما أظهر من صنيعه بالقائلين نحو مقالات أولئك الفجرة فذلك الكلام بقوله سبحانه : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } [ الحجر : 97 ] مؤكداً هذا التأكيد البالغ الصادر عن مقام تسخط بالغ وكبرياء لينفس عن حبيبه عليه الصلاة والسلام أشد التنفيس ، ثم أرشد إلى ما هو أعلى من ذلك مما تأهله لمسامرة الجليس للجليس وقال تعالى : { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } [ الحجر : 98 ] إشارة إلى التوجه إليه بالكلية والتجرد التام عن الأغيار والتحلي بصفات من توجه إليه بحسن القبول والافتقار إذ ذلك مقتضى التسبيح والحمد لمن عقلهما ، ثم قال سبحانه : { وَكُنْ مّنَ الساجدين } [ الحجر : 98 ] دلالة على الاقتراب المضمر فيه لأن السجود غاية الذلة والافتقار وهو مظهر الفناء حتى نفسه وشرك البقاء بمن أمره بخمسه ، وقوله تعالى شأنه : { واعبد رَبَّكَ } الخ ظاهره ظاهر وباطنه يومي إلى أن السفر في الله تعالى لا ينقطع والشهود الذي عليه يستقر لا يحصل أبداً فما من طامة إلا وفوقها طامة :
إذا تغيبت بدا . . . وإن بدا غيبني
وعن لسان هذا المقام { رَّبّ زدني عِلْماً } [ طه : 114 ] اه ، هذا ولا يخفى مما ذكره غير واحد من المفسرين مناسبة خاتمة هذه السورة لفاتحتها ، وأن قوله سبحانه : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } [ الحجر : 97 ] الخ في مقابلة { وَقَالُواْ يا أَيُّهَا *الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } [ الحجر : 6 ] والله تعالى أعلم وأحكم .
والمراد بالأمر بالعبادة في قوله تعالى { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } المداومة عليها وعدم التقصير فيها .
والمراد باليقين : الموت ، سمى بذلك لأنه أمر متيقن لحوقه بكل مخلوق .
أى : ودم - أيها الرسول الكريم - على عبادة ربك وطاعته ما دمت حيا ، حتى يأتيك الموت الذي لا مفر من مجيئه في الوقت الذي يريده الله - تعالى - .
ومما يدل على أن المراد باليقين هنا الموت قوله - تعالى - حكاية عن المجرمين : { قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين حتى أَتَانَا اليقين } أى : الموت .
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه البخارى عن أم العلاء " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات ، قالت : قلت : رحمة الله عليك أبا السائب ، فشهادتى عليك لقد أكرمك الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وما يدريك أن الله قد أكرمه . . . أما هو فقد جاءه اليقين - أى الموت - وإنى لأرجو له الخير " " .
قال الإِمام ابن كثير : ويستدل بهذه الآية الكريمة ، على أن العبادة كالصلاة ونحوها ، واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتًا ، فيصلى بحسب حاله ، كما ثبت في صحيح البخارى عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صل قائمًا ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب " .
ويستدل بها أيضًا على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة ، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة ، سقط عنه التكليف عندهم . وهذا كفر وضلال وجهل . . . .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.